الرئيسية / سلسلة ينابيع الآبار في تخريج الآثار / جزء فيه ضعف أثر أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال الكرسي موضع القدمين
جزء فيه ضعف أثر أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال الكرسي موضع القدمين
جزء فيه؛
ضعف أثر: أبي موسى الأشعري t أنه قال: «الكرسي: موضع القدمين».
تأليف
فضيلة الشيخ المحدث الفقيه
أبي عبد الرحمن فوزي بن عبد الله الحميدي الأثري
حفظه الله ورعاه
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
رب يسر وأعن فإنك نعم المعين
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن التنقية للآثار الضعيفة التي وردت عن الصحابة y في «الأحكام»، ونخلها من كتب السنن، بذكر عللها في أسانيدها ومتونها؛ من أجل العلوم النافعة التي يتقرب بها إلى الله تعالى، وتعويضها بالآثار الصحيحة، وذلك لحفظ الشريعة المطهرة، وصونها على أن لا يدخل فيها ما ليس منها من الأحكام الدخيلة في الدين.
* وهذا يسمى بـ«علل الحديث»؛ وهو من أشرف العلوم عند أئمة الجرح والتعديل.
قال الحافظ الحاكم / «معرفة علوم الحديث» (ص140): (ذكر النوع السابع والعشرين من علوم الحديث؛ هذا النوع منه معرفة علل الحديث، وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم، والجرح والتعديل... فإن معرفة علل الحديث من أجل هذه العلوم). اهـ
وقال الحافظ الخطيب البغدادي / في «الجامع لأخلاق الراوي» (ج2 ص294): (معرفة العلل أجل أنواع علم الحديث). اهـ
وقال الإمام ابن الصلاح / في «علوم الحديث» (ص81): (اعلم أن معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث، وأدقها وأشرفها، وإنما يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة، والفهم الثاقب). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج13 ص352)؛ عن أهل الحديث أنهم: (يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا «علم علل الحديث» وهو من أشرف علومهم؛ بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط، وغلط فيه). اهـ
وقال الحافظ العلائي /: (وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله فهما غائصا، واطلاعا حاويا، وإدراكا لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة. ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن، وحذاقهم؛ كابن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأمثالهم).([1]) اهـ
قلت: ولذلك على المسلم الحق أن يطلب العلم، ويسلك سبيله، ويعمل بحقه لكي يضبط أصول الكتاب الكريم، والسنة النبوية([2])؛فيعمل جادا في البحث ([3]) عما يستنبط منهما من معان وأحكام فقهية لكي يتعبد الله تعالى بما شرعه في دينه، وفيما ثبت وصح عن النبي ﷺ، لأنه لا يجوز لأحد كائنا من كان أن يتعبد الله إلا بما شرعه في دينه.
قلت: ولذلك يحرم على المسلم أن يتعبد الله بالأحاديث الضعيفة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية /: في «قاعدة جليلة» (ص162): (لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة، ولا حسنة). اهـ
وقال العلامة الشوكاني /: في «إرشاد الفحول» (ص48): (الضعيف الذي يبلغ ضعفه إلى حد لا يحصل معه الظن لا يثبت به الحكم، ولا يجوز الاحتجاج به في إثبات شرع عام، وإنما يثبت الحكم بالصحيح، والحسن لذاته، أو لغيره، لحصول الظن بصدق ذلك، وثبوته عن الشارع). اهـ
قلت: والتعبد لله بغير ما شرعه من أخطر الأمور على العبد؛ لما يجعله يحاد الله تعالى، ورسوله.([4])
قال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين /: في «الفتاوى» (ج7 ص367): (الحق ما قام عليه الدليل، وليس الحق فيما عمله الناس). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية /: في «منهاج السنة» (ج6 ص302): (وصاحب الهوى يقبل ما وافق هواه بلا حجة توجب صدقه، ويرد ما خالف هواه بلا حجة توجب رده). اهـ
وقال الحافظ المزي /: في «تهذيب الكمال» (ج2 ص326): (لو سكت من لا يدري لاستراح وأراح، وقل الخطأ، وكثر الصواب). اهـ
وقال العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-: (هدفنا هو اتباع الحق لا الانتصار للآراء). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية /: في «الفتاوى» (ج10 ص449): (ومن تكلم في الدين بلا علم كان كاذبا، وإن كان لا يتعمد الكذب). اهـ
وقال العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-: (الذي يريد الحق، يفرح بالنصيحة، ويفرح بالتنبيه على الخطأ).([5]) اهـ
وقال العلامة اللكنوي الهندي /: في «الأجوبة الفاضلة» (ص140): (لا يجوز الاحتجاج في الأحكام بكل ما في الكتب المذكورة وأمثالها من غير تعمق يرشد إلى التمييز لما مر أنها مشتملة على الصحاح، والحسان، والضعاف، فلا بد من التمييز بين الصحيح لذاته، أو لغيره، أو الحسن لذاته، أو لغيره، فيحتج به، وبين الضعيف بأقسامه، فلا يحتج به، فيأخذ الحسن من مظانه، والصحيح من مظانه، ويرجع إلى تصريحات النقاد الذين عليهم الاعتماد، وينتقد بنفسه إن كان أهلا لذلك، فإن لم يوجد شيء من ذلك توقف فيما هنالك).([6]) اهـ
قلت: فلا يجوز الاحتجاج في الدين بجميع ما في الكتب من أحاديث من غير وقفة، ونظر.
وقال الشيخ زكريا الأنصاري / في «فتح الباقي» (ج1 ص107): (من أراد الاحتجاج بحديث من السنن، أو من المسانيد إن كان متأهلا لمعرفة ما يحتج به من غيره، فلا يحتج به حتى ينظر في اتصال إسناده وأحوال رواته، وإلا فإن وجد أحدا من الأئمة صححه، أو حسنه، فله تقليده، وإلا فلا يحتج به). اهـ
هذا وأسأل الله تعالى: أن ينفع بهذا الكتاب جميع الأمة الإسلامية، وأن يتقبل مني هذا الجهد، وأن يجعله في ميزان حسناتي، يوم لا ينفع مال ولا بنون، وأن يتولانا بعونه ورعايته، إنه نعم المولى، ونعم النصير، وصلى الله على عبده، ورسوله محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.
|
أبو عبد الرحمن فوزي بن عبد الله بن محمد الحميدي الأثري |
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
ذكر الدليل
على ضعف؛ أثر أبي موسى الأشعري t:
«الكرسي: موضع قدمي الرب سبحانه».
عن أبي موسى الأشعري t قال: (الكرسي: موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحل).
أثر منكر منقطع، لا يحتج به
أخرجه الطبري في «جامع البيان» (ج4 ص538)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (588)، و(1022)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (859)، وابن المنذر في «تفسير القرآن» (ج1 ص327-الدر المنثور)، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في «العرش» (60)، وأبو الشيخ الأصبهاني في «العظمة» (ج2 ص627)، وابن منده في «الرد على الجهمية» (17) من عدة طرق عن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثني محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن عمارة بن عمير، عن أبي موسى الأشعري t به.
قلت: وهذا إسناده منقطع، وإن كان رجاله كلهم ثقات، فإن عمارة بن عمير التيمي، لم يثبت أنه روى عن أبي موسى t، وإنما روايته عن ابنه: إبراهيم بن أبي موسى الأشعري. ([7])
ولذلك لم يذكر: «أبو موسى الأشعري t»، فيمن روى عنه، في التراجم.
بل قد اختلف على روايته: عن ابن عمر ﭭ؛ فمنهم من قال: «أنه رآه»، مما يقتضي أنه: لم يسمع منه([8])، ومنهم: من أثبت أنه روى عنه.
فهذا بالنسبة: لروايته عن ابن عمر ﭭ؛ فكيف بروايته: عن أبي موسى t، حيث لم تذكر في ترجمته البتة.([9])
قال الإمام ابن المحب المقدسي في «صفات رب العالمين» (ج1 ص37): (ورواه عمارة بن عمير، عن أبي موسى، قوله، وعمارة بن عمير: لم يسمع من أبي موسى).
وقال العلامة الشيخ أحمد شاكر في «حاشيته على تفسير الطبري» (ج5 ص398): (عمارة بن عمير التيمي: لم يدرك أبا موسى t، والحديث منقطع). اهـ
وقد صححه: الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (ج8 ص47)، والشيخ الألباني في «مختصر العلو» (75)؛ وفيه نظر، فإنه منقطع، فلا يعتمد عليهما في هذا التصحيح، فانتبه من التقليد الأعمى للرجال.
ولذلك: استدرك هذا الشيخ الألباني كما في «السلسلة الضعيفة» (ج2 ص307) بقوله: (وإسناده صحيح؛ إن كان: عمارة بن عمير سمع من أبي موسى، فإنه يروي عنه بواسطة: ابنه إبراهيم بن أبي موسى الأشعري).
قلت: ولم يثبت سماعه، فهو منقطع، لا يصح.
õõõ
فهرس الموضوعات
|
الرقم |
الموضوع |
الصفحة |
|
1) |
المقدمة..................................................................................................... |
5 |
|
2) |
ذكر الدليل على ضعف؛ أثر أبي موسى الأشعري: «الكرسي: موضع قدمي الرب سبحانه»................................................................. |
11 |
([2]) ومن هنا يظهر للمسلم الحق مدى الفرق الشاسع بين أهل العلم، وبين أهل الجهل؛ لأنهم أبعد ما يكونون عن تفقه هذا العلم الثاقب، وعن معرفة أصوله. اللهم غفرا.
انظر: «الجامع لأخلاق الراوي» (ج2 ص257).
([3]) ولا ينظر إلى شهرة الأحاديث والأحكام بين المسلمين بدون نظر في هذه الأحاديث هل هي صحيحة، أو غير صحيحة، وإن صدرت من العلماء رحمهم الله تعالى، لأنهم بشر، ومن طبيعة البشر يخطئون ويصيبون، فافهم هذا ترشد.
قال العلامة الشوكاني / في «نيل الأوطار» (ج1 ص15): (ما وقع التصريح ـ يعني: عن الحديث بصحته أو حسنه جاز العمل به، وما وقع التصريح بضعفه لم يجز العمل به، وما أطلقوه ولم يتكلموا عليه، ولا تكلم عليه غيرهم؛ لم يجز العمل به إلا بعد البحث عن حاله،إن كان الباحث أهلا لذلك). اهـ
([4]) وهؤلاء المقلدة المتعصبة أكثرهم مقلدون لا يعرفون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون بين صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبئون بما يبلغهم منه أن يحتجوا به، والله المستعان.
قلت: وعلى هذا عادة أهل التقليد في كل زمان ومكان، ليس لهم إلا آراء الرجال أصابوا أم أخطئوا، إلا أن عذر العالم ليس عذرا لغيره إن تبين، أو بين له الحق، وقد وردت أقوال العلماء تؤكد هذا الشيء، وتبين موقفهم من تقليدهم، وأنهم تبرءوا من ذلك جملة، وهذا من كمال علمهم، وتقواهم حيث أشاروا بذلك إلى أنهم لم يحيطوا بالسنة كلها.
انظر: «هداية السلطان» للمعصومي (ص19)، وكتابي «الجوهر الفريد في نهي الأئمة الأربعة عن التقليد»، والله ولي التوفيق.
([7]) انظر: «تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل» لأبي زرعة العراقي (ص237)، و«تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج7 ص369)، و«الحاشية على جامع البيان» للشيخ أحمد شاكر (ج5 ص398).
([9]) وانظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج7 ص369)، و«مغاني الأخيار» للعيني (ج2 ص369)، و«تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل» للعراقي (ص 237)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (ج6 ص366)، و«التاريخ الكبير» للبخاري (ج6 ص499)، و«الثقات» لابن حبان (ج5 ص243)، و«تاريخ الإسلام» للذهبي (ج2 ص1150)، و«تهذيب الكمال» للمزي (ج21 ص256).