الرئيسية / سلسلة نسف شبهات وسرابات عثمان الخميس الإخواني الكويتي في المنهج والعلم والسيرة والتاريخ / فتح القدير لقمع عثمان الخميس لقوله برضاع الكبير
فتح القدير لقمع عثمان الخميس لقوله برضاع الكبير
سلسلة
نسف شبهات وسرابات
عثمان الخميس الإخواني الكويتي
في المنهج والعلم والسيرة والتاريخ
فتح القدير
لقمع
عثمان الخميس لقوله برضاع الكبير
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
رب يسر ولا تعسر
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
]يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون[ [آل عمران:102].
]يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا[ [النساء: 1].
]يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما[ [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد r، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
* لا تخفى أهمية علم الرجال والعلل في الحفاظ على السنة النبوية، وحمايتها من أن يدخل فيها ما ليس منها، فهو الميزان الذي تعرض عليه أحوال الناقلين لأحاديث رسول الله r، وبه يميز الصادق من الكاذب، والثقة من الضعيف، والضابط من غير الضابط.([1])
قال الإمام علي بن المديني /: (التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم).([2])
قلت: فيعد علم علل الحديث من أهم أنواع علوم الحديث، وأشرفها على الإطلاق؛ ذلك لما له من وظيفة غاية في الدقة والأهمية، وهي الكشف عما يعتري الثقات من أوهام.
قال الحافظ الخطيب / في «الجامع» (ج2 ص294): (معرفة العلل أجل أنواع علم الحديث).اهـ.
وقال الحافظ الحاكم / في «معرفة علوم الحديث» (ص112): (هذا النوع منه معرفة علل الحديث، وهو علم بــرأســه غير الصحيح والسقيم، والجرح والتعديل). اهـ.
قلت: وهذا العلم يعد من أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غائصا، واطلاعا حاويا، وإدراكا لمراتب الرواة الثقات، ومعرفة ثاقبة في علل الحديث.([3])([4])
قال الحافظ ابن رجب / في «شرح العلل الصغير» (ج4 ص662): (اعلم أن معرفة صحة الحديث وسقيمه يحصل من وجهين:
أحدهما: معرفة رجاله، وثقتهم وضعفهم، ومعرفة هذا هين: لأن الثقات والضعفاء قد دونوا في كثير من التصانيف، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التآليف.
الوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع، ونحو ذلك.
* وهذا هو الذي يحصل من معرفته وإتقانه، وكثرة مـمـارسـتـه الوقوف على دقائق علل الحديث). اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب / أيضا في «شرح العلل الصغير» (ج4 ص662): (ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عدم المذاكرة به، فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين به؛ كيحيى بن ســعــيــد القطان، ومن تلقى عنه؛ كأحمد بن حنبل، وابن معين، وغيرهما.
* فمن رزق مطالعة ذلك وفهمه وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة، صلح له أن يتكلم فيه). اهـ.
قلت: لأن علم العلل هو أدق علوم الحديث، وأغمض أنواع الحديث، ولا يقوم به إلا من فهمه الله تعالى هذا العلم الثاقب.
قال الحافظ ابن حجر / في «النكت» (ج2 ص711): (وهذا الفن أغمض أنواع الحديث، وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غائصا، واطلاعا حاويا، وإدراكا لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد من أئمة هذا الشأن وحذاقهم، وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك).اهـ.
قلت: ولأن هذا العلم بحاجة إلى إحاطة تامة بالرواة والأسـانــيــد، فقد قل المتكلمون فيه في كل عصر.
قال الإمام ابن مندة /: (إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفرا يسيرا من كثير ممن يدعي علم الحديث).([5]) اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر / في «النكت» (ج2 ص711): (لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم). اهـ.
قلت: وقد اشتكى العلماء قديما من ندرة المؤهلين للنظر في هذا العلم، بل في وجودهم أصلا في بعض العصور.
قال الإمام أبو حاتم الرازي /؛ لما مات أبو زرعة الرازي /: (ذهب الذي كان يحسن هذا المعنى – أي: التعليل – يعني: أبا زرعة، ما بقي بمصر، ولا بالعراق أحد يحسن هذا).([6])
وقال الإمام أبو حاتم الرازي /: (جرى بيني، وبين أبي زرعة يوما تمييز الحديث ومعرفته؛ فجعل يذكر أحاديث، ويذكر عللها.
وكذلك كنت أذكر أحاديث خطأ وعللها، وخطأ الشيوخ.
فقال أبو زرعة، لي: يا أبا حاتم، قل من يفهم هذا، ما أعز هذا، إذا رفعت هذا من واحد واثنين؛ فما أقل من تجد من يحسن هذا، وربما أشك في شيء، أو يتخالجني شيء في حديث، فإلى أن ألتقي معك، لا أجد من يشفيني منه!). ([7])
وقال الحافظ ابن الجوزي / في «الموضوعات» (ج1 ص31): وهو يتكلم عن نقاد الحديث: (غير أن هذا النسل قد قل في هذا الزمان فصار أعز من عنقاء مغرب). اهـ.
وقال الحافظ ابن الجوزي / في «الموضوعات» (ج1 ص31): (فكان الأمر متحاملا إلى أن آلت الحال إلى خلف لا يفرقون بين صحيح وســقــيـم، ولا يعرفون نسرا من ظليم). اهـ.
قلت: يرحم الله أئمة الحديث، كيف لو أدركوا زماننا؛ ماذا عسى هؤلاء أن يقولوا؛ اللهم غفرا.
* ونظرا لوظيفته في الكشف عن الأوهام نجد ناقد العلل يفرح لظفره بعلة حديث عنده أكثر من فرحه بأحاديث جديدة يضيفها إلى رصيده.
قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي /: (لأن أعرف علة حديث هو عندي أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثا ليست عندي).([8])
* وتقديرا لأهمية هذا العلم لكشف الأوهام في الأحاديث؛ فإن كبار المحدثين إذا شك أحدهم في رواية جمع طرقها، ونظر في اختلافها؛ ليعرف علتها.
قلت: لأن هذا هو السبيل لكشفها.
قال الحافظ الخطيب / في «الجامع» (ج2 ص295): (والسبيل إلى معرفة علة الحديث([9]) أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، وتعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان، والضبط). اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر / في «النكت» (ج2 ص711): (مدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف). اهـ.
قلت: ونص نقاد الحديث على مبادئ هذا العلم، ووسائل معرفته.
فقال الحافظ الحاكم / في «معرفة علوم الحديث» (ص113): (والحجة فيه عندنا: الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير). اهـ.
قلت: فالأمر هذا إذن يأتي بالمذاكرة والحفظ، والبحث والتخريج، وملازمة أصحاب الحديث، والاطلاع الواسع على الأسانيد، والمداومة على قراءة مصنفات أهل الحديث.
قال العلامة المعلمي / في «مقدمته للفوائد المجموعة» (ص9): (القواعد المقررة في مصطلح الحديث، منها: ما يذكر فيه خلاف، ولا يحقق الحق فيه تحقيقا واضحا، وكثيرا ما يختلف الترجيح باختلاف العوارض التي تختلف في الجزئيات كثيرا، وإدراك الحق في ذلك يحتاج إلى مــمــارســة طويلة لكتب الحديث، والرجال والعلل، مع حسن الفهم وصلاح النية). اهـ.
وقال الحافظ العلائي /: (إن التعليل أمر خفي لا يقوم به إلا نقاد أئمـة الحديث، دون من لا اطلاع له على طرقه وخفاياها).([10]) اهـ.
قلت: ومنهج جمع الروايات ومقارنتها؛ لتمييز الصواب من الخطأ فيها، هو منهج أهل الحديث القويم. ([11])
* فيستنكر النقاد أحيانا بعض ما ينفرد فيه الثقات من الحديث، ويردون غرائب رواياتهم، بالرغم من ثقتهم، واشتهارهم بالعلم.
قال الحافظ ابن رجب / في «شرح العلل الصغير» (ج2 ص582): (وأما أكثر الحفاظ المتقدمين؛ فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه أنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه؛ كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه).اهـ.
قلت: فيعد وهم الراوي وما يتابعه من مسائل، من أكثر قضايا علوم الحديث، التي شغلت بال النقاد، ونجد إعلالهم لكثير من الروايات بهذه العلة واضحا متوافرا في كتب الرجال والعلل، كما أنهم عنوا بمعرفة وحصر كل راو ثبت أنه عانى من الوهم، والخطأ، والخلط، وصنفت في ذلك كتب من قبل الحفاظ ولا يستغني مشتغل بالحديث وعلله عن معرفة هؤلاء؛ المختلطين والمخطئين، وما لكل واحد منهم من روايات دخلها الوهم والغلط.
* ولهذا كان النقاد يجدون مشقة بالغة، وهم يفتشون في أســانـيـد مختلفي الأمصار ويتفحصونها.
قلت: ولأجل هذه الصعوبة التي ذكرت، ينبغي للناقد الذي يريد اكتشاف الوهم في روايات مختلفي الأمصار، أن يكون ذا دراية تامة، وإحاطة شاملة بالمختلطين والمخطئين وأخبارهم، وأســالـيـبـهـم في ذلك، وعمن أخطئوا، وعدد رواياتهم الشاذة إلى غير ذلك من قضايا تساعد في تجلية هذه المشكلة حتى يتسنى له اكتشاف الوهم في الروايات. ([12])
* ولذلك على المسلم الحق أن يطلب العلم، ويسلك سبيله، ويعمل بحقه؛ لكي يضبط أصول الكتاب الكريم، والسنة النبوية.
قلت: فيعمل جادا في البحث([13]) عما يستنبط منهما من معان، وأحكام فقهية؛ لكي يتعبد الله تعالى بما شرعه في دينه، وفيما ثبت وصح عن النبي r، لأنه لا يجوز لأحد كائنا من كان أن يتعبد الله تعالى؛ إلا بما شرعه في دينه، ولذلك يحرم على المسلم أن يتعبد الله تعالى بالأحاديث الضعيفة، أو الألفاظ الشاذة، أو المنكرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «قاعدة جليلة» (ص162): (لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة، التي ليست صحيحة ولا حسنة). اهـ.
وقـال الــعــلامـة الــشــوكــانـي / في «إرشـــاد الـــفــــحــــول» (ص48): (الضعيف الذي يبلغ ضعفه إلى حد لا يحصل معه الظن لا يثبت به الحكم، ولا يجوز الاحتجاج به في إثبات شرع عام، وإنما يثبت الحكم بالصحيح والحسن لذاته، أو لغيره، لحصول الظن بصدق ذلك، وثبوته عن الشارع). اهـ.
قلت: والتعبد لله تعالى بغير ما شرعه من أخطر الأمور على العبد؛ لما يجعله يحاد الله تعالى، ورسوله r.([14])
* لأن التشريع من الله تعالى لهذه الأمة الإسلامية ينزل على الرسول r عـن طريق الوحيين: «الكتاب والسنة»، ]وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى[ [النجم: 3-4]، ولم يقبض الله تعالى رسول الله r إليه إلا بعد أن أكمل له ولأمته هذا الدين؛ فأنزل عليه قبل وفاته بأشهر في حجة الوداع، قوله تعالى: ]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا[ [المائدة: 3].
قلت: فكان كمال الدين من نعم الله تعالى العظيمة على هذه الأمة الإسلامية، ولذا كانت اليهود تغبط المسلمين على هذه الآية؛ لما أخرجه البخاري في «صحيحه» (ج1 ص105)، ومسلم في «صحيحه» (ج4 ص2362): (أن رجلا من اليهود جاء إلى عمر t فقال: آية في كتابكم تقرؤونها لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال أي آية قال: ]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا[ [المائدة: 3]).
قلت: فإذا تقرر ذلك؛ فإنه لا يجوز لمسلم أن يزيد في دين الله تعالى ما ليس منه، ولا يعبد الله تعالى؛ إلا بما شرع الله تعالى، ورسوله r، بل يجب على المسلمين جميعا أن يخضعوا لأمر الله تعالى، ورسوله r، وأن لا يتبعوا في الدين ما لم يأذن به الله تعالى، ولم يشرعه رسوله r مهما رأوه حسنا؛ لأن الدين قد كمل.
قلت: وبعد استعراض هذه الفوائد العلمية؛ لعلم أصول الحديث، فإنه يظهر من خلالها ما تعود به من الخير على طلبة العلم، وعليه فإنهم مطالبون بإتقان أدوات هذا العلم([15])، والتمرس فيه، وإلا وقعوا في أوهام فاحشة هي عكس هذه الفوائد الحديثية.
هــذا وأســأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب جميع الأمة الإسلامية، وأن يتقبل مني هذا الجهد، وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون، وأن يتولانا بعونه ورعايته، إنه نعم المولى، ونعم النصير، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
أبو عبد الرحمن
فوزي بن عبد الله بن محمد الحميدي الأثري
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
ذكر الدليل على ضعف؛ حديث: «رضاع الكبير» ([16])، وأنه لم يثبت: أن النبي r قال: «لسهلة بنت سهيل، عن أمر سالم مولى حذيفة، أرضعيه، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة».
* فهذا الحكم من الكذب على رسول الله r، ومن الكذب على أم المؤمنين عائشة ڤ، ومن الكذب على الصحابة y، وذلك: أن الرواة اضطربوا في أحاديث: «رضاع الكبير»، اضطرابا شديدا، ولم يضبطوه على شرط المسند الصحيح.
* لذلك: لم يثبت عن أم المؤمنين عائشة ڤ، أنها كانت تأمر برضاع الكبير من أحبت أن يراها، ويدخل عليها، وإن كان كبيرا، خمس رضعات، ثم يدخل عليها، فهذا الحكم من الكذب عليها، لم تفت بهذا الحكم في الدين، ولم يثبت الحديث، في إنكار أم المؤمنين أم سلمة ڤ، عليها، كل هذا من الكذب.
* ولذلك: لم يثبت هذا الحكم عن أحد من الصحابة y، أنه كان يفتي: برضاع الكبير، لأنه مخالف لأصول القرآن، وأصول السنة، وإجماع الصحابة على أن الرضاع، لا يكون؛ إلا للصغير، ومن مجاعة؛ أي: إنما الرضاعة تعتبر من المجاعة في حال حاجة الطفل الصغير إلى الرضاعة، وذلك في الحولين، فإذا جاوز الحولين، فقد استغنى عن الرضاعة، وصار في الغالب يأكل، ويعيش بغير الرضاعة، والذي أيضا لا يدري شيئـا عن عورات النساء، فافهم لهذا ترشد.
الرضاع: بفتح الراء، وكسرها.
الرضاعة: بفتح الراء، وكسرها.
ومعناه في اللغة: اسم لمص الثدي. ([17])
عن عائشة ڤ: (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة t؛ تبنى سالما، وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله r زيد بن حارثة، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية: دعاه الناس ابنه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله في ذلك: ]ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم[ [الأحزاب: 5]؛ فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم أبوه كان مولى وأخا في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي، وهي امرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالما ولدا، وكان يأوي معي، ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فضلا، وقد أنزل الله عز وجل فيهم ما علمت، فكيف ترى فيه يا رسول الله؟، فقال رسول الله r: أرضعيه، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة ڤ تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيرا، خمس رضعات، ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي r أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس، حتى يرضع في المهد، وقلن لعائشة والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي r لسالم دون الناس).
حديث منكر، ومضطرب
قلت: وهذا الحديث، منكر، ومضطرب، وقد استنكره الإمام البخاري، وذكره في «صحيحه»؛ ليعله، وقد أوضح ذلك بجلاء.
وكذلك فعل تلميذاه: الإمام مسلم، والإمام الترمذي.
فأما الإمام مسلم: فقد ذكر الاضطراب الحاصل فيه، وأورده في صحيحه: ليعله بالاضطراب في الأسانيد والألفاظ، وبمخالفته للأصول من الأحاديث الصحيحة الثابتة برواية الثقات الأثبات يروونها عن عائشة ڤ نفسها.
وأما الإمام الترمذي: فإنه أعرض عنه بالكلية، فلم يورده في كتابه: «السنن»، تحت أبواب: الرضاعة، بل صرح بقوله: «باب: ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين»، وهذا واضح في إعلاله لحديث: «رضاع الكبير»، وهذا اتباعا منه لشيخه البخاري.
وكذلك: فعل جماعة من الأئمة ممن أوردوا هذا الحديث في مصنفاتهم، إنما ذكروه ليعلوه، ولبيان اضطرابه، ومخالفته للأصول، منهم: الإمام النسائي، والإمام مالك، والإمام أبو عوانة، والإمام ابن أبي عاصم، وغيرهم.
قلت: وهذا الحديث وإن كان رواته من الثقات، إلا أنه حديث منكر، وله علتان:
الأولى: الاضطراب، فإن الحديث قد اضطرب فيه الرواة الثقات في إسناده وألفاظه؛ اضطرابا شديدا، فأعله جماعة من أئمة الحديث بذلك.
فمرة يقال: «بأن سالما قد تبناه أبو حذيفة، وسالم مولى لامرأة من الأنصار».([18])
ومرة يقال: «أن سالما هو مولى([19]) لأبي حذيفة، وليس ابنه بالتبني!».
ومرة يقال: «أن سالما حليف([20]) أبي حذيفة».
ومرة يقال: «إن سالما ابنا بالتبني لأبي حذيفة، وكذلك: هو مولى لأبي حذيفة»، فخالف جماعة ممن قالوا: «أنه مولى لامرأة من الأنصار».
ولذلك؛ يقال مرة: «أن سبب تحرجهم من دخوله عليهم: هو بلوغ سالم، حيث أنه كان مولى وقد كبر وبلغ ما يبلغه الرجال».
ومرة يقال: «أن سبب تحرجهم من دخوله عليهم: هو نزول آيات تحريم التبني، فتحرجوا حينها؛ فإنه لم يعد ابنا لهم».
ومرة يقال: «أنه كان رجلا كبيرا، ومرة قيل: شيخ كبير!، يدخل عليهم، فتحرجوا من دخوله عليهم»، هكذا دون بيان أنه: «مولى»، أو بيان: «أنه قد بلغ لتوه فتحرجوا حين بلوغه»، أو بيان: «أن تحرجهم لنزول آية تحريم التبني»، ولكن أنه: «رجل يدخل عليهم»، هكذا جاء في ألفاظ.
ومرة يروى: «من مسند: عائشة ڤ؛ وحدها».
ومرة يروى: «من مسند: عائشة، وأم سلمة ﭭ».
ومرة يروى: «من مسند: سهلة بنت سهل ڤ»!.
ومرة يروى: «من مسند: أم سلمة ڤ؛ وحدها»!.
ومرة يقال: «أن أم سلمة تستنكر على عائشة أن يراها: «الغلام الذي استغنى عن الرضاعة»! ([21])، فتستدل عليها عائشة: بقصة سالم مولى أبي حذيفة»!؛ وهذا ليس فيه أمر مستنكر: رؤية الغلام الذي استغنى عن الرضاعة، فهو طفل؛ فكيف يستنكر؟!.
ومرة يقال: «أن الغلام: هو «الغلام اليافع»، واليافع: هو الذي لم يبلغ».
ومرة يقال: «أن عائشة ڤ كانت تدخل عليها من تشاء بعدما يرضع من بنات أخواتها».
ومرة يروى: «من دون هذه الألفاظ».
ومرة تروى هذه اللفظة: «مرسلة من قول الزهري».
ومرة يروى الحديث: «عن القاسم؛ مرسلا»؛ من طريق الثقات الأثبات المتقنين.
ومرة يروى: «عن عروة؛ مرسلا من قوله»؛ من طريق الثقات الأثبات المتقنين.
ومرة يروى: «عن زينب، من قولها».
ومرة يروى: «عن عمرة بنت عبد الرحمن، من قولها».
ومرة يقال: «أن النبي r: أمر سهلة أن ترضع سالما «خمس» رضعات».
ومرة يقال: «أنه r: أمر سهلة أن ترضع سالما «عشر» رضعات»!.([22])
ومرة يروى: «دون تحديد الرضعات».
ومرة يروى: «أن أبا حذيفة أنكح سالما؛ ابنة أخيه، واسمها: هند بنت الوليد».
ومرة يروى: «أن أبا حذيفة أنكح سالما؛ ابنة أخيه، واسمها: فاطمة»!.([23])
ومرة يقال: «أن سالما هو من شهد بدرا»، بدلا من: «أن أبا حذيفة هو ممن شهد بدرا»!.
ومرة يقال: «أن سهلة هي التي كانت تجد في نفسها الحرج»!، بدلا من: «أن زوجها أبا حذيفة هو من يجد في نفسه الحرج والغيرة».!
قلت: وهذه أسانيد وألفاظ مختلفة جدا، ما ذكرناه، وما ستراه من ألفاظ أخرى كثيرة يأتي بيانها في ثنايا البحث؛ في هذا الحديث المضطرب جدا في أسانيده وألفاظه([24])، وبالتالي بالأحكام التي تستنبط منه، فلا يحتج بشيء من ذلك، والله المستعان، وعليه التكلان.
العلة الثانية: المخالفة للأصول من الكتاب([25])، والسنة([26])، والآثار([27])، فإنه يتصادم صراحة مع القرآن، وكذلك مع ما صح عن عائشة ڤ بنفسها في هذا الحكم، وهو حكم تحريم الرضاعة لمن رضع في الحولين فقط، فكيف تحرم الرضاعة من تجاوز هذا الحد؛ الذي حده القرآن، والسنة، وخاصة: من رواية عائشة ڤ نفسها.
وبذلك: أعل جماعة من أئمة الحديث: «رضاع الكبير»؛ بمخالفته لحديث عائشة ڤ الصحيح الثابت عنها، من رواية الجماعة من الثقات الأثبات في ذلك([28]).
وأعلوا أيضا حديث: «رضاع الكبير»: بالاضطراب في الأسانيد والألفاظ، كما ستراه عيانا في ثنايا هذا البحث، وما يفقه ذلك إلا العالمون.
قال تعالى: ]وما يعقلها إلا العالمون[ [العنكبوت: 43].
* ومن علل هذا الحديث أيضا: أن أبا حذيفة t كان يتحرج، ويغار، ويجد في نفسه من دخول سالم على زوجته، فكيف لا يغار ولا يتحرج من الرضاع مباشرة من ثدي زوجته، فينظر سالم لعورتها، ويمسها مباشرة، كما هو ظاهر الحديث([29]).
ثم أمر آخر: كيف يأتيها اللبن، فإن الله تعالى جعل اللبن في النساء بسبب الحمل والولادة، ولم يذكر في هذه القصة أن زوجة أبي حذيفة كانت مرضعة حينها وفيها لبن، فهذه أمور مخالفة للفطرة وللواقع، مع ما تقدم من علل أخرى ظاهرة جدا تبين نكارة هذه القصة والحادثة، فافطن لهذا ترشد.
وإليك الدليل بالتفصيل:
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
ذكر الدليل على إعلال الإمام البخاري؛ لحديث: رضاع الكبير
فقد أخرجه البخاري في «صحيحه» (4000) من طريق يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة ڤ، زوج النبي r: (أن أبا حذيفة، وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله r، تبنى سالما، وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله r زيدا؛ وكان من تبنى رجلا في الجاهلية: دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله تعالى: ]ادعوهم لآبائهم[ [الأحزاب: 5]؛ فجاءت سهلة النبي r).
هكذا رواه البخاري: مختصرا([30])، ولم يتمه لنكارة: بقية متن الحديث، فاقتطعه إلى هذا الحد فقط، ولم يكمل بقية الحديث في: «رضاع الكبير»، إعلالا منه للحديث.
قلت: وهذا وإن كان إسناده ظاهره الصحة، إلا أنه حديث منكر، وله علتان:
الأولى: الاضطراب، فإن الحديث قد اضطرب فيه الرواة الثقات في إسناده وألفاظه؛ اضطرابا شديدا، فأعله جماعة من أئمة الحديث بذلك.
الثانية: المخالفة للأصول من الكتاب والسنة والآثار، فإنه يتصادم صراحة مع القرآن، وكذلك مع ما ورد عن عائشة ڤ بنفسها في هذا الحكم، ومن رواية غيرها، وقد تقدم تفصيل ذلك.
* فممن صرح بنكارة ألفاظه: الإمام البخاري في «صحيحه» (4000)؛ فإنه أعرض عن ذكرها، واقطتعها، فكيف يقال: «أخرجه البخاري في صحيحه!»([31])، والبخاري قد أورد جزءا منه، واقتطع بقية القصة في «رضاع الكبير»، وهي قصة سالم مولى أبي حذيفة، ولم يذكرها البتة، وإنما ذلك لنكارتها، فأعرض عن ذكرها، استنكارا منه لهذا المتن المخالف للأصول، والمضطرب في ألفاظه وأسانيده.
فإن الإمام البخاري: من أعلم أئمة هذا الفن في علل الأحاديث، فلم تخف عليه تلك العلل التي سنسردها، فأعله، واستنكره، كما هي طريقته في عدد من الألفاظ المنكرة في عدد من المتون والأحاديث والآثار؛ فيعرض عن ذكرها ويحذفها لنكارتها، أو شذوذها، وهذا معلوم عند من سبر طريقة الإمام البخاري في إعلال الأحاديث التي يوردها في صحيحه.
ويؤيد ذلك: أنه قد كرر ذكر هذا الحديث مرة ثانية، وفعل نفس الأمر، فلم يتم متن الحديث، وحذف منه قصة: «رضاع الكبير»، ليبين نكارتها.
* فأخرجه البخاري مرة ثانية: في «صحيحه» (5088) من طريق أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة ڤ: (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدرا مع النبي r، تبنى سالما، وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى النبي r زيدا، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية: دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله تعالى: ]ادعوهم لآبائهم[ [الأحزاب: 5]؛ إلى قوله تعالى: ]ومواليكم[ [الأحزاب: 5]؛ فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب، كان مولى وأخا في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري - وهي امرأة أبي حذيفة بن عتبة - النبي r فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالما ولدا، وقد أنزل الله فيه ما قد علمت).
هكذا: لم يتمه البخاري أيضا، واقتطعه، استنكارا منه لبقية القصة في رضاع الكبير، فافطن لهذا ترشد.
قلت: وهذا إسناده منكر كسابقه، فإنه حديث مضطرب، ومخالف للأصول من الكتاب والسنة والآثار كما تقدم بيان ذلك.
ولذلك: أعرض الإمام البخاري عن ذكر قصة: «رضاع الكبير»، بل إنه لم يورد شيئـا منها عند ذكره لأبواب الرضاعة وأحكامها، وإنما أورد الثابت عن أم المؤمنين عائشة ڤ، وعن غيرها من الصحابة، في هذا الباب.
فلو أعرض عن ذكر الحديث بالكلية؛ لأوجب ذلك ريبة في أنه يعل الحديث، فكيف وهو قد أورده ثم حذف القصة في: «رضاع الكبير»، فهذا دليل واضح على أن الإمام البخاري يعل هذه القصة، ويستنكرها، فتنبه.
* ولذلك: بوب البخاري في «صحيحه» (ج7 ص10): «باب من قال: لا رضاع بعد حولين، لقوله تعالى: ]حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة[ [البقرة: 233]؛ وما يحرم من قليل الرضاع وكثيره».
* ثم ذكر الإمام البخاري تحته مباشرة: حديث عائشة ڤ؛ فقال في «صحيحه» (ج7 ص10): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن الأشعث، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة ڤ: (أن النبي r دخل عليها، وعندها رجل، فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي، فقال: انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة).
قلت: فذكر الإمام البخاري تحت هذا الباب؛ هذا الحديث فقط، فيشير بهذه الترجمة، وهذا الحديث، إلى أن: الحولين هي مدة الرضاع فقط، بدليل القرآن والسنة الصحيحة الواردة عن عائشة ڤ: ترفعه للنبي r.
وهذا واضح: في إعلال ما يخالف هذه الأصول من القرآن والسنة، فهو يشير لإعلال حديث: «رضاع الكبير»؛ في قصة: سالم مولى أبي حذيفة السالفة، فافطن لهذا ترشد.
* وبذلك: نرى جليا إعلال الإمام البخاري لحديث: «رضاع الكبير»، باستنكاره لهذه الألفاظ والقصة صراحة؛ بتعمد حذفها من الحديث واقتطاعها في موضعين.
ثم بترجمته للباب السالف: وإيراد الأدلة من القرآن والسنة الواردة عن عائشة ڤ نفسها في مخالفة هذه القصة المنكرة في: «رضاع الكبير».
وهذا جلي واضح، ويؤكد ذلك أيضا: متابعة تلميذيه له في ذلك، وهما: الإمام الترمذي، والإمام مسلم، كما سيأتي بيان ذلك عنهما، والله المستعان، وعليه التكلان.
õõõ
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
ذكر الدليل على إعلال الإمام الترمذي؛ لحديث: رضاع الكبير
* ويؤيد ما سبق: أن الإمام مسلمـا، والإمام الترمذي، قد تابعا شيخهما البخاري على إعلال هذا الحديث؛ لنكارته واضطرابه، وكل ذلك بوضوح وجلاء لمن آتاه الله تعالى بصيرة في علم علل الحديث.
* فأما الإمام الترمذي /: فإنه أعرض بالكلية عن ذكر حديث: «رضاع الكبير»، ولم يورده في «سننه» تحت أبواب الرضاعة، وبيان أحكامها، وما ذلك إلا اتباعا لشيخه الإمام البخاري في إعلال هذا الحديث، وأنه مخالف للأصول من الكتاب والسنة والآثار.
* ولذلك: صرح الإمام الترمذي في «سننه» (ج2 ص443)؛ تحت أبواب الرضاع؛ بما جاء في السنة الصحيحة، وبما كان عليه الصحابة، وأئمة السلف، من أحكام الرضاع، وبما سأل عنه شيخه البخاري، وصححه له، أو بين علله في أحاديث من أبواب الرضاع.
ولم يذكر: قصة: «رضاع الكبير»؛ في حديث سالم مولى أبي حذيفة، بل إنه بوب بنقيض ذلك، فقال: «باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين»؛ ليشير بوضوح لإعلالها، فهو تلميذ البخاري؛ ويقول بقوله بنكارة هذه القصة، وإليك سرد ذلك بالتفصيل، لتراه جليا واضحا كالشمس في رابعة النهار:
* فقال الإمام الترمذي في «سننه» (ج2 ص443)؛ أبواب الرضاع عن رسول الله r:
* ثم تحته مباشرة: ذكر الإمام الترمذي في «سننه» (ج2 ص443)؛ باب ما جاء يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وذكر أحاديث في ذلك
* إلى أن قال الإمام الترمذي في «سننه» (ج2 ص446)؛ باب ما جاء لا تحرم المصة ولا المصتان: «حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أيوب يحدث، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، عن النبي r قال: «لا تحرم المصة ولا المصتان».
وفي الباب: عن أم الفضل، وأبي هريرة، والزبير بن العوام، وابن الزبير. وروى غير واحد هذا الحديث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن النبي r قال: «لا تحرم المصة ولا المصتان».
وروى: محمد بن دينار، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير، عن النبي r، وزاد فيه محمد بن دينار البصري: «عن الزبير، عن النبي r»؛ وهو: غير محفوظ.
والصحيح: عند أهل الحديث: حديث ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، عن النبي r، حديث عائشة حديث حسن صحيح.
وسألت محمدا -البخاري- عن هذا، فقال: الصحيح عن ابن الزبير، عن عائشة، وحديث محمد بن دينار وزاد فيه: «عن الزبير»؛ وإنما هو: «هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير». وقال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم: من أصحاب النبي r وغيرهم».([32])
* ثم وبعد عدد من أبواب أحكام الرضاع؛ قال الإمام الترمذي في «سننه» (ج2 ص449)؛ باب: ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين: «حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة ڤ قالت: قال رسول الله r: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام». هذا حديث حسن صحيح.
والعمل على هذا: عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي r، وغيرهم: أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين: فإنه لا يحرم شيئا). اهـ.
قلت: فصرح الإمام الترمذي بإعلال حديث: «رضاع الكبير»، بمخالفته لما صح في السنة، وعن الصحابة، وهذا واضح من خلال ترجمته لهذا الباب، وما ذكره فيه، ولإعراضه تمامـا عن ذكر حديث: «رضاع الكبير»، فإنها قصة منكرة مخالفة للأصول من الكتاب والسنة والآثار، ومضطربة جدا في الأسانيد والألفاظ، فافطن لهذا ترشد.
õõõ
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
ذكر الدليل على إعلال الإمام مسلم؛ لحديث: رضاع الكبير
* فأما الإمام مسلم /: فإنه أورد في صحيحه الأحاديث في أحكام الرضاع، ثم أتبعها: أحاديث رضاع الكبير في قصة سالم مولى أبي حذيفة، وبين اضطراب أسانيدها وألفاظها، ثم أتبعها بعد ذلك مباشرة بأحاديث عائشة ڤ: «أن الرضاعة من المجاعة»؛ يعني: أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة، هي حيث يكون الرضيع: طفلا يسد اللبن جوعته، لأنه لا يطعم الطعام، وليس الرضاع للكبير؛ فإنه ليس لسد جوع، فلا يثبت به التحريم، وهذا الحديث هو الثابت عن عائشة ڤ، ويخالف صراحة حديث: «رضاع الكبير»، المضطرب إسنادا ومتنا.
* فبذلك: وضح الإمام مسلم علة هذه القصة؛ وهي: الاضطراب، والمخالفة للأصول الثابتة في الكتاب والسنة فيما روي عن عائشة ڤ نفسها، وهذه طريقة الإمام مسلم التي وعد في مقدمة صحيحه بأنه سيبين علل عدد من الأحاديث في الأبواب، وهو متابعا بذلك شيخه البخاري في الإشارة لإعلال الحديث؛ إلا أنه يفصل أحيانا ببيان طرق الاضطراب، في الأسانيد والألفاظ، وبيان ما يخالف الأصول، بمزيد تفصيل عن طريقة شيخه الإمام البخاري، وهذا واضح معلوم عند من سبر طريقة هذين الإمامين في صحيحيهما، فافطن لهذا ترشد.
* وإليك تفصيل ذلك:
* حيث سرد الإمام مسلم في «صحيحه» (ج2 ص1075)؛ أحاديث عائشة ڤ في ثبوت الرضاع المحرم في القرآن بخمس رضعات، ثم أتبع ذلك: أحاديث: «رضاع الكبير»، في قصة سالم مولى أبي حذيفة، والتي ترويها عائشة ڤ، من عدة طرق، وبين فيها اضطراب القصة وألفاظها([33]).
ثم أتبعها مباشرة: بذكر ما يخالفها مما ثبت عن عائشة ڤ: ترفعه للنبي r في أن الرضاعة من المجاعة، يعني: أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة، هي حيث يكون الرضيع: طفلا يسد اللبن جوعته، لأنه لا يطعم الطعام، وليس الرضاع للكبير؛ فإنه ليس لسد جوع.
فقال الإمام مسلم في «صحيحه» (ج2 ص1078):
* حدثنا: هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، قال: قالت عائشة ڤ: «دخل علي رسول الله r، وعندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه، قالت: فقلت: يا رسول الله، إنه أخي من الرضاعة، قالت: فقال: انظرن إخوتكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة».
* وحدثناه: محمد بن المثنى، وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، ح
* وحدثنا: عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، قالا جميعا: حدثنا شعبة، ح
* وحدثنا: أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، ح
* وحدثني: زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، جميعا: عن سفيان،ح
* وحدثنا: عبد بن حميد، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة،
* كلهم([34]): عن أشعث بن أبي الشعثاء، بإسناد أبي الأحوص؛ كمعنى حديثه، غير أنهم قالوا: «من المجاعة».([35])
قلت: فيبين الإمام مسلم أن كل هؤلاء الثقات الأثبات يروون هذا الحديث عن عائشة ڤ، وفيه: «فاشتد ذلك عليه r، ورأيت الغضب في وجهه»، فكيف يمكن لعائشة أن تخالف هذا الحديث الصحيح الصريح والذي فيه غضب الرسول r لو خالفت ذلك.
فهذا الحديث: يبين ضعف الأحاديث التي رواها مسلم قبل هذا في أن عائشة كانت تفتي برضاع الكبير عموما، وتعمل به حتى يدخلوا عليها([36])، فهذا الحديث الصحيح من رواية هؤلاء الأئمة المتكاثرون هو الفيصل في بيان نكارة ما تقدم من قصة: «رضاع الكبير».
فهذه الروايات: تبين بوضوح إعلال قصة: «رضاع الكبير»، التي تروى عن عائشة ڤ بأسانيد وألفاظ مضطربة، لمخالفتها لهذه الأسانيد الثابتة عنها، وكل هذا متابعة لشيخه البخاري في إعلال هذه القصة المنكرة، وكل ما يخالف الأصول من القرآن والسنة والآثار، وما ثبت عن عائشة ڤ نفسها في هذا الحكم، فافطن لهذا ترشد.
* والإمام مسلم /: له طرق، في ذكر الروايات الصحيحة، والروايات المعلولة.
وقد أشار الإمام مسلم / إلى هذه العلل في «صحيحه» في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص8)؛ فقال /: (وسنزيد، إن شاء الله تعالى، شرحا، وإيضاحا في مواضع من الكتاب، عند ذكر الأخبار المعللة، إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح، والإيضاح). اهـ
قلت: وهذا صريح في أنه يورد في «صحيحه» أحاديث معللة؛ أي: ضعيفة، يبين ضعفها في أبوابها.
* فهل نصدق الإمام مسلما، أم نصدق المقلدة المتعصبة في علل الأحاديث في «صحيحه».
قلت: وهذا التعليل من الإمام مسلم /، لا يعرفه، إلا أهل الشأن، ولا يفهم هذا المأخذ الدقيق، إلا أهل الحديث في كل زمان.
* فكتاب الإمام مسلم /، جمع فيه الأحاديث الصحيحة، وذكر أحاديث ذات علل خفية؛ بقصد إعلالها، لا يدركها؛ إلا المتأمل لها من أهل الحديث، العارف بطريقته في كتابه.
وقد أشار الإمام مسلم / في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص47)؛ إلى أنه يورد أخبارا معللة في «صحيحه» ليبين أنها منتقدة.
* وذكر أنه سيذكر أخبارا معللة في مواضع من كتابه، سيبينها، ويشرحها؛ فمنها: أن يورد الحديث؛ بإسناد، ثم يذكر أسانيد له، مبينا فيها الاختلاف في الرواية.
* إذا فلا غرابة، أن يعل الأئمة حديثا في «صحيح مسلم»، وذلك أن الإمام مسلما نفسه: أعل بعض الأحاديث بحسب ما ذكر في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص17)، وطبق ذلك التعليل في الأبواب من كتابه، والله المستعان.
قال الحافظ مسلم / في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص17): (قد شرحنا من مذهب الحديث وأهله، بعض ما يتوجه به، من أراد سبيل القوم، ووفق لها.
* وسنزيد إن شاء الله تعالى، شرحا، وإيضاحا، في مواضع من الكتاب، عند ذكر الأخبار المعللة، إذا أتينا عليها في الأماكن، التي يليق بها الشرح، والإيضاح، إن شاء الله تعالى). اهـ
قلت: وهذا يدل على أن الإمام مسلما، يذكر في أبواب كتابه، أحاديث معلولة، ليميز في الأبواب، بين الأحاديث الثابتة، والأحاديث المعلولة؛ حرصا منه على تنقية السنة النبوية، مما أدخل فيها من الأحاديث الضعيفة.
قلت: وهذا التعليل من الإمام مسلم /، لا يعرفه، إلا أهل الشأن.
قلت: وهذا يبين الفرق بين ما ساقه الإمام مسلم / في الأصول والاحتجاج به، وما ذكره للإعلال!. ([37])
قال الشيخ إبراهيم اللاحم في «مقارنة المرويات» (ج2 ص481): (فإن بعض ما انتقد عليهما -يعني: الإمام البخاري، والإمام مسلما- لا عتب عليهما في إخراجه.
* إذ غرضهما تعليله فيما يظهر([38])... ويظهر جدا من سوق مسلم لأسانيدها، ومتونها؛ أن غرضه كان بيان ما فيها من علل). اهـ
* والإمام مسلم / له طرق في ذكر الروايات في «صحيحه» على حسب الباب، فمثلا: أحيانا، يروي أول الأمر أصح حديث لديه في الباب، وهو المروي من طريق الحفاظ الثقات الأثبات.
قلت: وقد ذكر القاضي عياض / في «إكمال المعلم» (ج1 ص105)؛ أن الإمام مسلما، ذكر العلل في الأبواب([39]) من: «صحيحه»، مما يدل أن ليس كل حديث في كتابه: يحتج به في السنة، لأنه ذكر أحاديث ضعيفة، فلا بد من التمييز بين ما احتج بها على شرطه، وبين ما لم يحتج به([40])، بل ذكرها للتعليل ليعرفها الناس، فيتركوها، ولا يحتج بها.
* وقد بين الإمام مسلم لهم ذلك.
فقال الإمام مسلم / في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص8): (فلولا الذي رأينا من سوء صنيع كثير ممن نصب نفسه محدثا، فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة، والروايات المنكرة، وتركهم الاقتصار على الأحاديث الصحيحة المشهورة، مما نقله الثقات المعروفون بالصدق والأمانة). اهـ
* والقوم ينشرون الأحاديث المعللة بين العوام، ثم يقولون إن هذه الأحاديث أخرجها الإمام مسلم في «صحيحه»!، وهي ليست كذلك، بل هي خرجت من أكياسهم.
* ولقد بين الإمام مسلم حال هذا الصنف من الناس.
فقال الإمام مسلم / في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص8): (ولكن من أجل ما أعلمناك من نشر القوم الأخبار المنكرة؛ بالأسانيد الضعاف المجهولة، وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها). اهـ
قلت: وهذا يظهر أن الإمام مسلما، أورده لبيان الاختلاف في الحديث؛ متنا، وسندا، وبيان العلل التي في الحديث، كما هي عادته في «صحيحه»، في عدد من الأبواب، وهو الصواب. ([41])
وقد نبه الإمام مسلم / في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص8)؛ على مثل هذه العلل، وقد وفى بذلك، كما هو واضح في هذا الحديث، وغيره من الروايات.
ومنه:
قال الحافظ الرشيد العطار / في «غرر الفوائد» (ص512): (وإنما أورده مسلم: من الوجهين المذكورين عن أيوب، لينبه على الاختلاف عليه في إسناده). اهـ
وقال القاضي عياض / في «إكمال المعلم» (ج5 ص369): (وقد أدخل هذه الآثار كلها مسلم: وأرى مسلما، أدخل هذه الروايات، ليبين الخلاف فيها.
وهي وشبهها: عندي من العلل التي وعد بذكرها في مواضعها.
وظن ظانون: أنه يأتي بها مفردة، فقالوا: توفي قبل تأليفها).اهـ
وقال العلامة الأبي / في «إكمال إكمال المعلم» (ج5 ص607): (وإنما ذكر مسلم: هذه الرواية المختلفة، في وصله، وإرساله، ليبين اختلاف الرواة في ذلك.
* وهذا وشبهه من العلل التي وعد مسلم في خطبة كتابه، أن يذكرها في مواضعها.
وظن ظانون أنه يأتي بها مفردة، وأنه توفي قبل ذكرها، والصواب: أنه ذكرها في تضاعيف كتابه، كما أوضحناه في أول هذا الشرح). اهـ
وقال العلامة السنوسي / في «مكمل إكمال الإكمال» (ج5 ص607): (وإنما ذكر مسلم هذه الرواية المختلفة، في وصله، وإرساله؛ ليبين اختلاف الرواة في ذلك.
* وهذا وشبهه من العلل التي وعد مسلم في خطبة كتابه، أن يذكرها في مواضعها.
وظن ظانون: أنها يؤتى بها مفردة، وأنه توفي قبل ذكرها، والصواب: أنه ذكرها في تضاعيف كتابه). اهـ
* إذا من ذا الذي لا يخطئ، ومن ذا يسلم من الوهم. ([42])
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج13 ص352): (وكما أنهم يستشهدون، ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ؛ فإنهم أيضا يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها، بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا: علم علل الحديث). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج18 ص42): (وقد يترك من حديث الثقة ما علم أنه أخطأ فيه). اهـ
õõõ
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
ذكر الدليل على إعلال الإمام النسائي؛ لحديث: رضاع الكبير
* فأما الإمام النسائي /: فإنه سرد طرقها المضطربة وبين بجلاء الاختلاف الواقع في أسانيدها وألفاظها، وما ذلك إلا ليعلها، وليبين نكارة هذه القصة، وأنها معلولة بالاضطراب، وبمخالفة الأصول الثابتة من الكتاب والسنة والآثار، وما روي عن عائشة ڤ نفسها بالأسانيد الصحيحة الصريحة في تحريم ذلك.
* فبوب الإمام النسائي في «السنن الكبرى» (ج5 ص204)؛ رضاع الكبير:
* ثم ذكر تحته ما يلي:
* أخبرنا: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعناه من عبد الرحمن وهو ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ڤ قالت: «جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله r فقالت: إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم علي، قال: فأرضعيه، قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟، فقال: ألست أعلم أنه رجل كبير؟، ثم جاءت بعد، فقالت: والذي بعثك بالحق نبيا ما رأيت في وجه أبي حذيفة بعد شيئا أكره».
* خالفه: سفيان الثوري؛ فأرسل([43]) الحديث!.
* أخبرنا: محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن يعني ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان يعني الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: «أن النبي r قال لسهلة: أرضعيه، قالت: إنه رجل... فساق الحديث».
* أخبرنا: حميد بن مسعدة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة ڤ قالت: «جاءت سهلة إلى رسول الله r، فقالت: يا رسول الله إن سالما يدخل علينا، وقد علم ما يعلم الرجال، وعقل ما يعقل الرجال، قال: أرضعيه تحرمي عليه بذلك». فمكثت حولا لا أحدث به، فلقيت القاسم، فقال: حدث به ولا تهبه.
* أخبرنا: يونس بن عبد الأعلى الصدفي، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وهو ابن يزيد، ومالك، عن ابن شهاب، عن عروة قال: «أبى سائر أزواج النبي r أن يدخل عليهن أحد من الناس بتلك الرضاعة، يريد رضاعة الكبير، وقلن لعائشة، والله ما نرى الذي أمر رسول الله r سهلة بنت سهيل، إلا رخصة في رضاعة سالم، وحده من رسول الله r، والله لا يدخل علينا أحد بهذه الرضعة، ولا يرانا».
* خالفهما([44]): عقيل!.
* أخبرنا: عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، أن أمه زينب بنت أبي سلمة أخبرته، أن أمها أم سلمة زوج النبي r كانت تقول: «أبى سائر أزواج النبي r أن يدخل عليهن أحد بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة، والله ما نرى هذه إلا رخصة رخصها رسول الله r لسالم خاصة، فما يدخل علينا أحد بهذه الرضاعة، ولا يرانا»
* أخبرنا: يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت حميد بن نافع، يقول: سمعت زينب بنت أبي سلمة، تقول: سمعت عائشة، زوج النبي r تقول: «جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي r، فقالت: يا رسول الله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم علي، فقالت: قال رسول الله r: أرضعيه، قلت: إنه ذو لحية، فقال: أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة، قالت: والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة بعد».
* أخبرنا: أحمد بن يحيى بن الوزير، قال: سمعت ابن وهب، قال: أخبرني سليمان، عن يحيى، وربيعة، عن القاسم، عن عائشة، قالت: «أمر رسول الله r سهلة امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة حتى تذهب غيرة أبي حذيفة»، فأرضعته وهو رجل، قال ربيعة: فكانت رخصة سالم
* أخبرنا: عمرو بن علي، عن عبد الوهاب، قال: حدثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة: «أن سالما، مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة، وأهله في بيتهم، فأتت ابنة سهيل النبي r فقالت: إن سالما قد بلغ ما بلغ الرجال، وعقل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا، فقال النبي r: أرضعيه تحرمي عليه، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة».
قلت: فهذا واضح من الإمام النسائي؛ إعلاله لطرق هذا الحديث بالاضطراب في الأسانيد، والألفاظ.
وهكذا: لو ترى أيضا غير هؤلاء الذين ذكرنا، يروونها ليبينوا عللها، من الاضطراب في الأسانيد والألفاظ، ومن مخالفة للأصول من القرآن والسنة الصحيحة الثابتة عن عائشة نفسها في هذا الحكم، والحمد لله رب العالمين.
õõõ
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
ذكر الدليل على إعلال الإمام مالك؛ لحديث: رضاع الكبير
* فأما الإمام مالك /: فإنه بدأ بذكر رضاعة الصغير، وذكر الأحاديث والآثار فيها، وختمه بقوله الذي اعتمده أنه لا رضاع يحرم إلا في الحولين، ثم ذكر: «رضاع الكبير».
وذكر حديث عروة: مرسلا، ليعله، وأعرض عن أي إسناد متصل لهذا الحديث([45])، وأتبعه بالآثار عن عمر، وابن مسعود؛ بمخالفة ذلك، مما يدل على أنه يعله، ولذلك ذكره مرسلا، وأعله بالآثار المخالفة له.
وإليك الدليل:
قال الإمام مالك / في «الموطأ-رواية يحيى الليثي» (ج4 ص867)؛ رضاعة الصغير، فذكر جملة من الأحاديث بإسناده، إلى أن قال:
* مالك، عن نافع؛ أن سالم بن عبد الله أخبره: (أن عائشة أم المؤمنين ڤ، أرسلت به وهو يرضع([46])، إلى أختها أم كلثوم بنت أبي بكر، فقالت: أرضعيه عشر رضعات، حتى يدخل علي، قال سالم: فأرضعتني أم كلثوم ثلاث رضعات، ثم مرضت، فلم ترضعني غير ثلاث مرار، فلم أكن أدخل على عائشة، من أجل أن أم كلثوم، لم تتم لي عشر رضعات).
* مالك، عن نافع، أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته: (أن حفصة([47]) أم المؤمنين، أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعد إلى أختها فاطمة بنت عمر بن الخطاب، ترضعه عشر رضعات؛ ليدخل عليها، وهو صغير يرضع، ففعلت، فكان يدخل عليها).
* مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه؛ أنه أخبره: (أن عائشة ڤ زوج النبي r، كان يدخل عليها([48]) من أرضعه أخواتها، وبنات أخيها. ولا يدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها).
* إلى أن قال يحيى: وسمعت مالكا يقول: والرضاعة، قليلها، وكثيرها، إذا كان في الحولين يحرم، قال: فأما ما كان بعد الحولين، فإن قليله، وكثيره لا يحرم شيئا، وإنما هو بمنزلة الطعام. ([49])
* ثم أتبعه مباشرة بقوله: ما جاء في الرضاعة بعد الكبر
* مالك، عن ابن شهاب؛ أنه سئل عن رضاعة الكبير، فقال: أخبرني عروة([50]) بن الزبير: «أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وكان من أصحاب رسول الله r، وكان قد شهد بدرا، كان تبنى سالما، الذي يقال له سالم، مولى أبي حذيفة، كما تبنى رسول الله r زيد بن حارثة، وأنكح أبو حذيفة، سالما، وهو يرى أنه ابنه، أنكحه ابنة أخيه: فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهي يومئذ من المهاجرات الأول، وهي من أفضل أيامى قريش، فلما أنزل الله تبارك وتعالى في كتابه، في زيد بن حارثة، ما أنزل، فقال: ]ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم[ [الأحزاب: 5]؛ رد كل واحد من أولئك إلى أبيه، فمن لم يعلم أبوه، رد إلى مولاه، فجاءت سهلة بنت سهيل، وهي امرأة أبي حذيفة، وهي من بني عامر بن لؤي إلى رسول الله r، فقالت: يا رسول الله، كنا نرى سالما ولدا، وكان يدخل علي، وأنا فضل، وليس لنا إلا بيت واحد، فماذا ترى في شأنه؟، فقال لها رسول الله r فيما بلغنا: أرضعيه خمس رضعات؛ فتحرم بلبنها، وكانت تراه ابنا من الرضاعة، فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين، في من كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وبنات أختها أن ترضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال، وأبى سائر أزواج النبي r، أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس. وقلن: لا والله، ما نرى الذي أمر به رسول الله r سهلة بنت سهيل إلا رخصة من رسول الله r، في رضاعة سالم وحده، لا، والله، لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد، فعلى هذا كان أزواج النبي r، في رضاعة الكبير).
* مالك، عن عبد الله بن دينار؛ أنه قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر، وأنا معه عند دار القضاء، يسأله عن رضاعة الكبير، فقال عبد الله بن عمر ﭭ: (جاء رجل إلى عمر بن الخطاب t، فقال: إني كانت لي وليدة، وكنت أطؤها، فعمدت امرأتي إليها، فأرضعتها، فدخلت عليها، فقالت: دونك، فقد والله أرضعتها، فقال عمر: أوجعها، وأت جاريتك، فإنما الرضاعة، رضاعة الصغر). ([51])
* مالك، عن يحيى بن سعيد: (أن رجلا سأل أبا موسى الأشعري، فقال: إني مصصت عن امرأتي من ثديها لبنا، فذهب في بطني، فقال أبو موسى: لا أراها إلا قد حرمت عليك، قال عبد الله بن مسعود: انظر ما تفتي به الرجل، فقال أبو موسى: فما تقول أنت؟، فقال عبد الله بن مسعود: لا رضاعة إلا ما كان في الحولين، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء، ما كان هذا الحبر بين أظهركم).
* فختم: بهذه الآثار ليبين أن حديث: «رضاع الكبير»: معلول، فافطن لهذا ترشد.
* وبمثل هذه الطريقة: عمل جماعة من أصحاب السنن والمصنفات ممن ذكروا حديث: «رضاع الكبير»، إنما ليعلوه؛ إما بالاضطراب، وإما بمخالفة الأصول من الكتاب والسنة والآثار، فلينتبه لذلك.
فمنهم: من أشار لذلك، ومنهم: من صرح.
كالإمام أبي عوانة في «المستخرج» (ج11 ص491)؛ بوب عليه: «باب الأخبار المبيحة رضاع الكبير، وتحريم النكاح بها لما يحرم بها النسب، وبيان الخبر المعارض لها، الدال على أن التحريم بالرضاع ما كان في الحولين»، فأعلها الإمام أبو عوانة بمخالفة الأصول وبالاضطراب.
وكذلك: صرح الإمام ابن أبي عاصم بإعلاله بالاضطراب كما في «الآحاد والمثاني» (ج1 ص240)؛ حيث قال: «وقد بينا اختلافهم في كتاب علل الحديث»، فليراجع كلام الأئمة في مظانه، ولنشرع في المقصود حتى لا نطيل.
õõõ
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
ذكر الدليل على ضعف؛ حديث: رضاع الكبير
اعلم رحمك الله: إن هذا الحديث روي عن عائشة ڤ: من طريقين؛ الأول: عن عروة، والثاني: عن القاسم بن محمد.
* أما تخريج الطريق الأول: عن عائشة ڤ يرويه؛ عروة بن الزبير عنها:
فأخرجه البخاري في «صحيحه» حاذفا منه الألفاظ المنكرة في رضاع الكبير([52]) (4000) من طريق يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة ڤ: (أن أبا حذيفة تبنى: سالما، وأنكحه بنت أخيه: هند بنت الوليد بن عتبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله r: زيدا، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية: دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله تعالى: ]ادعوهم لآبائهم[ [الأحزاب: 5]؛ فجاءت سهلة النبي r). فذكر الحديث.
هكذا رواه الإمام البخاري: مجتزءا، غير تام، إلى هذا الحدفقط.
قال الحافظ القسطلاني في «إرشاد الساري» (ج9 ص55): (فذكر الحديث: لم يذكر بقيته).
قلت: وهذا إسناده منكر ومضطرب، وإنما ذكره الإمام البخاري هكذا مقتطعا؛ ليعل الألفاظ الواردة في هذا الحديث، فإنها منكرة لمخالفتها للأصول من الكتاب والسنة والآثار([53])، وخاصة: ما ورد عن عائشة ڤ نفسها بمخالفة هذه الألفاظ صراحة، ناهيك عن الاضطراب في أسانيده وألفاظه، وهذا الأمر واضح من الإمام البخاري /.
ولذلك: بوب الإمام البخاري في «صحيحه» (ج7 ص10): «باب من قال: لا رضاع بعد حولين، لقوله تعالى: ]حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة[ [البقرة: 233]؛ وما يحرم من قليل الرضاع وكثيره».
* ثم ذكر الإمام البخاري تحته مباشرة: حديث عائشة ڤ؛ فقال في «صحيحه» (ج7 ص10): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن الأشعث، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة ڤ: (أن النبي r دخل عليها، وعندها رجل، فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي، فقال: انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة).
قلت: فذكر الإمام البخاري تحت هذا الباب؛ الآية، وهذا الحديث فقط، فيشير بهذه الترجمة، إلى أن: الحولين هي مدة الرضاع فقط، بدليل القرآن والسنة الصحيحة الواردة عن عائشة ڤ: ترفعه للنبي r.
وهذا واضح: في إعلال ما يخالف هذه الأصول من القرآن والسنة، فهو يعل حديث: «رضاع الكبير»، في قصة سالم مولى أبي حذيفة السالفة، فافطن لهذا ترشد.
* وأخرجه تاما: البيهقي في «السنن الكبرى» (15648)، وفي «الخلافيات» (4684) من طريق أحمد بن إبراهيم بن ملحان، نا يحيى بن بكير، نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة ڤ: (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس t وكان ممن شهد بدرا مع النبي r، تبنى: سالما، وأنكحه ابنة أخيه: هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله r: زيد بن حارثة، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس ابنه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله في ذلك: ]ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم[ [الأحزاب: 5]؛ فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم أبوه كان مولى وأخا في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة ﭭ، فقالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا، وكان يأوي معي، ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فضلا، وقد أنزل الله عز وجل فيهم ما علمت، فكيف ترى فيه يا رسول الله؟، فقال رسول الله r: أرضعيه، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة ڤ تأمر بنات أخيها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها، ويدخل عليها، خمس رضعات، فيدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي r أن يدخلن عليهن من الناس بتلك الرضاعة، حتى يرضعن في المهد، وقلن لعائشة ڤ: والله ما نرى لعلها رخصة لسالم من رسول الله r دون الناس).
قلت: وهذا كسابقه منكر، ومضطرب، وقد رواه البخاري محذوفة منه الألفاظ المنكرة، إعلالا منه لهذا الحديث، بينما رواه غيره تاما هكذا على أصله، وهو حديث منكر ومضطرب؛ كما تقدم تفصيل ذلك.
فهو: حديث غير محفوظ في رضاع الكبير!.
فقد اختلف على ابن شهاب الزهري فيه اختلافا شديدا، على أكثر من اثني عشر وجها، وإليك تفصيلها:
1) فرواه عقيل بن خالد، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا.
أخرجه البخاري في «صحيحه» مقتطعا منه الألفاظ المنكرة ([54]) (4000)، والبيهقي في «السنن الكبرى» مطولا (15648)، وفي «الخلافيات» (4684)، والقسطلاني في «إرشاد الساري» (ج9 ص54) من طريق يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل به.
قلت: وهذا إسناد مضطرب، وقد أعله البخاري بذلك.
فهو: حديث غير محفوظ.
واختلف على الليث بن سعد فيه:
أ) فرواه يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا.
أخرجه البخاري في «صحيحه» حاذفا منه: قصة رضاع الكبير (4000)، والبيهقي في «السنن الكبرى» مطولا (15648)، وفي «الخلافيات» (4684) من طريق يحيى بن بكير به.
فهو: حديث منكر في رضاع الكبير.
وقد توبع عقيل عليه؛ تابعه: شعيب بن أبي حمزة.
أخرجه البخاري في «صحيحه» أيضا بحذف الألفاظ التي تتعلق برضاع الكبير (5088)، والنسائي في «السنن الكبرى» (5314)، وفي «المجتبى» (3223)، والبيهقي في «السنن الكبرى» مطولا (15649)، والقسطلاني في «إرشاد الساري» (ج11 ص416)، وابن أبي صفرة في «المختصر النصيح في تهذيب الجامع الصحيح» (ج2 ص389) من طريق البخاري، وعلي بن محمد بن عيسى، وعمران بن بكار؛ جميعهم: عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة ڤ: (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدرا مع النبي r، تبنى سالما، وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما " تبنى النبي r زيدا، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث من ميراثه، حتى أنزل الله ]ادعوهم لآبائهم[، إلى قوله: ]ومواليكم[ [الأحزاب: 5]؛ فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب، كان مولى وأخا في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري - وهي امرأة أبي حذيفة بن عتبة - النبي r فقالت: يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا، وقد أنزل الله فيه ما قد علمت). فذكر الحديث.
هكذا: رواه البخاري فلم يتمه، واقتطعه مرة ثانية، استنكارا منه لقصة: «رضاع الكبير»، وإعلالا منه ما يذكر عن عائشة ڤ أنها كانت تفتي به، فافطن لهذا ترشد.
قلت: وهذا إسناده منكر كسابقه، فإنه حديث مضطرب، ومخالف للأصول من الكتاب والسنة والآثار.
ولذلك: أعرض الإمام البخاري عن ذكر قصة: «رضاع الكبير»، بل إنه لم يورد شيئـا منها عند ذكره لأبواب الرضاعة وأحكامها، وإنما أورد الثابت عن أم المؤمنين عائشة ڤ، وعن غيرها من الصحابة، في هذا الباب.
فلو أنه أعرض عن ذكر الحديث بالكلية؛ لأوجب ذلك ريبة في أنه يعل الحديث، فكيف وهو قد أورده ثم تعمد حذف القصة في: «رضاع الكبير»، فهذا دليل واضح على أن الإمام البخاري يعل هذه القصة، ويستنكرها، كما أعلها أيضا جماعة من أئمة أهل الحديث.
فهو: حديث غير محفوظ.
واختلف على أبي اليمان الحكم بن نافع فيه:
*) فرواه البخاري، وعلي بن محمد بن عيسى، وعمران بن بكار؛ جميعهم: عن أبي اليمان الحكم بن نافع، عن شعيب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فأثبت: «أن سالما ابنا لأبي حذيفة بالتبني»، وأن: «سالما مولى لامرأة من الأنصار»).
وهو: حديث منكر، تقدم تخريجه.
**) ورواه الدارمي، وأبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو؛ كلاهما: عن أبي اليمان الحكم بن نافع، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فجعل: «سالما ابنا لأبي حذيفة بالتبني»، وكذلك: «أنه مولى لأبي حذيفة»، بدلا من: «أنه مولى لامرأة من الأنصار»!).
أخرجه الدارمي في «المسند» (2303)، والطبراني في «مسند الشاميين» (3079)، والحنائي في «الحنائيات» (114) من طريق الدارمي، وأبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو؛ كلاهما: عن أبي اليمان الحكم بن نافع، أنبأنا شعيب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ڤ قالت: (جاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو، وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، رسول الله r، فقالت: إن سالما مولى أبي حذيفة، يدخل علينا، وأنا فضل، وإنما نراه ولدا، وكان أبو حذيفة تبناه كما تبنى النبي r: زيدا، فأنزل الله تعالى: ]ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله[ [الأحزاب: 5]؛ فأمرها النبي r عند ذلك أن ترضع سالما).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، وقد جعل: «سالما ابنا لأبي حذيفة بالتبني»، وكذلك: «أنه مولى لأبي حذيفة»، بدلا من: «أنه مولى لامرأة من الأنصار»، فخالف اللفظ السالف، وهذا من الاضطراب في هذا الحديث، ويأتي مزيد من ذلك.
فهو: حديث غير محفوظ.
***) ورواه فياض بن زهير، عن أبي اليمان الحكم بن نافع، عن شعيب، عن الزهري، عن عروة وأبو عائذ الله بن ربيعة؛ كلاهما: عن عائشة، وأم سلمة ﭭ؛ جميعـا. (فزاد في الإسناد: «مع عروة: أبو عائذ الله بن ربيعة»، وزاد أيضا: «مع عائشة: أم سلمة»).
أخرجه الإسماعيلي في «مستخرجه على صحيح البخاري» (ج9 ص133-فتح الباري) من طريق فياض بن زهير به.
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، وفياض بن زهير النسائي، وثقه ابن حبان وقال عنه: «وهو من شيوخنا»([55])، وقد زاد فياض في إسناده تلكم الزيادات، وكل هذا من الاضطراب في أسانيد وألفاظ هذا الحديث المضطرب جدا.
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (ج9 ص133): (ووقع عند الإسماعيلي من طريق فياض بن زهير عن أبي اليمان فيه مع عروة أبو عائذ الله بن ربيعة، ومع عائشة أم سلمة، وقال في آخره لم يذكرهما البخاري في إسناده). اهـ.
فهو: حديث غريب جدا.
ب) ورواه عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن عروة، وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فزاد في الإسناد: «عمرة» مع «عروة»، وتغير شيخ الليث، فصار: «عبد الرحمن بن خالد»، بدلا من: «عقيل بن خالد»).
أخرجه الحاكم في «المستدرك» (2692)، والطبراني في «المعجم الكبير» (ج24 ح741) من طريق هاشم بن يونس العصار، ومطلب بن شعيب الأزدي؛ كلاهما: عن عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ڤ: (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله r، تبنى سالما، وأنكحه بنت أخيه: هند ابنة الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وهو مولى لامرأة من الأنصار، فتبناه، كما تبنى رسول الله r: زيدا، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية، دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله تعالى في ذلك: ]ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم، فإخوانكم في الدين ومواليكم[ [الأحزاب: 5]؛ فردوهم إلى آبائهم فمن لم يعلم له أب، كان مولاه أو أخاه في الدين، قالت عائشة ڤ: وإن سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، جاءت رسول الله r حين أنزل الله ذلك فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالما ولدا، وكان رسول الله r قد آواه، فكان يأوي معه، ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني وأنا فضل، وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت، فما ترى في شأنه يا رسول الله؟، فقال لها رسول الله r: أرضعيه، فأرضعته خمس رضعات، فحرم بهن، وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة).
حديث غريب جدا
قلت: وهذا إسناده كسابقه منكر، ومضطرب جدا، فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو صدوق يغلط كثيرا([56])، وفيه غفلة، وإن كان ثبتا في الكتاب، فزاد في الإسناد وغير، ولا يقال: إن عمرة متابعة لعروة، فإن هذا من الاختلاف في الأسانيد، وليس من باب المتابعات في شيء، وكل هذا من الاضطراب الحاصل في هذا الحديث في أسانيده وألفاظه، فلا يحتج بشيء من ذلك.
قال الحافظ الحاكم: (هذا حديث صحيح، على شرط البخاري، ولم يخرجاه).
وقال الحافظ الذهبي: (على شرط البخاري).
قلت: وإن كان على شرط البخاري، فإنه حديث مضطرب جدا في أسانيده وألفاظه كما ترى، وقد أعل هذه الطريق: الإمام محمد الذهلي.
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (ج9 ص134): (وخالف الجميع: عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري؛ فقال: «عن عروة وعمرة»؛ كلاهما: عن عائشة، أخرجه الطبراني، قال الذهلي في «الزهريات»: «هذه الروايات كلها عندنا محفوظة؛ إلا رواية: ابن مسافر، فإنها غير محفوظة»؛ أي: ذكر عمرة في إسناده). اهـ.
قلت: فلا دخل لعمرة بنت عبد الرحمن في هذا الإسناد.
ج) ورواه عبد الله بن وهب، ثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن سهلة امرأة أبي حذيفة؛ مرفوعا. (فتغير الإسناد بالكلية، وتغيرت ألفاظه أيضا، فصار من مسند: «سهلة بنت سهل»، امرأة: أبي حذيفة، وجعل: «سالما مولى لأبي حذيفة»، وأن: «سالما هو من شهد بدرا»، بدلا من: «أن أبا حذيفة هو ممن شهد بدرا»!).
أخرجه الحاكم في «المستدرك» (6902) من طريق أبي العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا عبد الله بن وهب، ثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن سهلة امرأة أبي حذيفة: (أنها ذكرت لرسول الله r سالما مولى أبي حذيفة، ودخوله عليها، فزعمت أن رسول الله r أمرها أن ترضعه، فأرضعته وهو رجل؛ بعدما شهد بدرا).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، ورواته كلهم ثقات، وقد جعله من مسند: «سهلة امرأة أبي حذيفة»، بدلا من مسند: «عائشة»، وتغيرت ألفاظه، فجعل: «سالما مولى لأبي حذيفة»، بدلا من أنه: «مولى لامرأة من الأنصار»، وأن: «سالما هو من شهد بدرا»([57])، بدلا من: «أن أبا حذيفة هو ممن شهد بدرا»!.
وكل هذا: من الاضطراب الشديد في أسانيد وألفاظ هذا الحديث، فلا يحتج من ذلك بشيء.
فهو: حديث غريب جدا.
د) ورواه مطلب بن شعيب قال، حدثني الليث، قال حدثني ابن الهاد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن امرأة أبي حذيفة. (فزاد في الإسناد: «ابن الهاد»، ولم يذكر: «عائشة»).
أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (ج8 ص259) من طريق عبد الوارث، قال حدثنا مطلب بن شعيب قال، حدثني الليث، قال حدثني ابن الهاد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن امرأة أبي حذيفة: (أنها ذكرت لرسول الله r؛ سالما مولى أبي حذيفة، ودخوله عليها، فزعمت عمرة: أن رسول الله r أمرها أن ترضعه، فأرضعته وهو رجل بعد ما شهد بدرا).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب جدا كسوابقه، ورواته كلهم ثقات، عدا مطلب بن شعيب فقد وثقه ابن يونس، وقال عنه ابن حجر: صدوق([58])، وقد تغير إسناد هذا الحديث وألفاظه، وكل هذا من الاضطراب في هذا الحديث.
فهو: حديث منكر.
س) ورواه شعيب بن الليث، وحجاج، ويحيى بن بكير؛ جميعهم: عن الليث بن سعد، حدثني عقيل بن خالد، عن الزهري، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، أن أمه: زينب بنت أبي سلمة، أخبرته، أن أمها أم سلمة، فذكره مرفوعا. (فتغير شيوخ الزهري، فبدلا من: «الزهري، عن عروة، عن عائشة»، صار عن: «الزهري، عن أبي عبيدة، عن أمه: زينب، عن أمها: أم سلمة»).
أخرجه مسلم في «صحيحه» (1454)، والنسائي في «السنن الكبرى» (5454)، وفي «المجتبى» (3325)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (15650)، وفي «السنن الصغير» (2869)، وفي «معرفة السنن» (15479)، وأبو عوانة في «المستخرج» (4871)، وأبو نعيم في «المستخرج» (3407)، وابن منده في «معرفة الصحابة» (ص 714) من طريق شعيب بن الليث، وحجاج، ويحيى بن بكير؛ جميعهم: عن الليث بن سعد، حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، أن أمه: زينب بنت أبي سلمة، أخبرته أن أمها: أم سلمة ڤ، زوج النبي r، كانت تقول: (أبى سائر أزواج النبي r أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله r لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة، ولا رائينا).
قلت: وهذا إسناده منكر ومضطرب، وإنما أورده الإمام مسلم في «صحيحه»: ليعله، وكذلك فعل الإمام النسائي، وأبو عوانة: صرحا بإعلاله.
قال الحافظ النسائي: (خالفهما: عقيل بن خالد).
قلت: يعني: عقيل بن خالد خالف الإمام مالكا، ويونس الأيلي، حيث يرويانه عن: «الزهري، عن عروة، من قوله، مرسلا»، كما سيأتي، بينما عقيل جعله: «عن الزهري، عن أبي عبيدة، عن أمه: زينب، عن أمها: أم سلمة».
وكل هذا: من الاضطراب في أسانيد هذا الحديث وألفاظه، فلا يقال أن هذه متابعة، بل مخالفة كما ترى تصريح أئمة هذا الشأن بذلك، فافطن لهذا ترشد.
فهو: حديث مضطرب.
وقد توبع: أبو عبيدة عليه؛ تابعه: حميد بن نافع.
أخرجه مسلم في «صحيحه» (1453)، وأحمد في «المسند» (25415)، وأبو نعيم في «المستخرج» (3405)، وابن حزم في «المحلى بالآثار» (ج10 ص209) من طريق محمد بن المثنى، وأحمد بن حنبل؛ كلاهما: عن محمد بن جعفر غندر، حدثنا شعبة، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أم سلمة، قالت: (قالت أم سلمة، لعائشة، إنه يدخل عليك الغلام الأيفع، الذي ما أحب أن يدخل علي، قال: فقالت عائشة: أما لك في رسول الله r أسوة؟، قالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله، إن سالما يدخل علي وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء، فقال رسول الله r: أرضعيه حتى يدخل عليك).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، فتغير حال سالم، فصار: «أنه رجل يدخل عليهم»، بدلا من كونه: «ابنا لهم قد نزلت آية تحريم التبني، فتحرجوا من دخوله»، كما يرويها: «عروة عن عائشة».
وهذا: من الاختلاف في هذه القصة والحادثة الغريبة جدا، وزادوا في القصة: أن عائشة كان يدخل عليها: «الغلام الأيفع»؛ وهو الذي قارب البلوغ، ولم يبلغ بعد، كما قاله النووي في «شرحه لصحيح مسلم» (ج10 ص33).
وهذا مخالف صراحة: لما قد روته عائشة ڤ عن النبي r: «إنما الرضاعة من المجاعة»، يعني: أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة؛ هي حيث يكون الرضيع: طفلا يسد اللبن جوعته، لأنه لا يطعم الطعام سوى اللبن.
وليس الرضاع للكبير؛ فإنه ليس لسد جوع، فإن الكبير يطعم أنواع الغذاء، وإنما يرضع الكبير لأجل الدخول على النساء!، فكيف تصادم عائشة ڤ المنقول عنها بنفسها، وتخالفه صراحة.
فيعلم بذلك: أن هذا الحديث مضطرب جدا، قد اضطرب الرواة فيه، ولم يضبطوه، فلا يثبت على قصة أو رواية واحدة متماسكة.
ولذلك: أورده الإمام مسلم في «صحيحه»؛ ليعله بذلك، وليبين هذا الاضطراب، فافطن لهذا ترشد.
واختلف على حميد بن نافع فيه:
أ) فرواه شعبة، عن حميد بن نافع، عن زينب. (فذكرت فيه القصة: «بين عائشة وأمها أم سلمة»، وذكرت: «أن سالما كان رجلا يدخل على بيت أبي حذيفة»، وليس بأنه: «كان ابنهم فنزلت آية تحريم التبني»).
وهو: حديث منكر، تقدم تخريجه.
ب) ورواه بكير بن عبد الله الأشج، عن حميد بن نافع، عن زينب. (فجعلوا الاستنكار على عائشة في رؤية: «الغلام لها الذي قد استغنى عن الرضاعة»!، أي أنه: طفل صغير، فكيف يستنكر هذا). ([59])
أخرجه مسلم في «صحيحه» (1453)، والمخلص في «المخلصيات» (1339)، وأبو نعيم في «المستخرج» (3406)، وفي «معرفة الصحابة» (7665)، وأبو بكر العكري في «فوائده» (10-المدونة الكبرى للمخطوطات، ط الثانية، المجموعة «4»، إعداد أهل الأثر بمملكة البحرين) من طريق أبي الطاهر، وهارون بن سعيد الأيلي، وبحر بن نصر؛ جميعهم: عن ابن وهب، أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت حميد بن نافع، يقول: سمعت زينب بنت أبي سلمة، تقول: (سمعت أم سلمة، زوج النبي r، تقول لعائشة: والله ما تطيب نفسي أن يراني الغلام قد استغنى عن الرضاعة، فقالت: لم، قد جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله r، فقالت: يا رسول الله، والله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، قالت: فقال رسول الله r: أرضعيه، فقالت: إنه ذو لحية فقال: أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة، فقالت: والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة).
قلت: وهذا إسناده كسابقه منكر، ومضطرب، ورواته كلهم ثقات، فجعلوا الاستنكار على عائشة ڤ من: «الغلام الصغير أن يراها»، وهذا أمر غير مستنكر، فالحديث مضطرب جدا في ألفاظه، وأسانيده.
وهذا: ما بينه الإمام مسلم بذكره هذه الألفاظ المضطربة، ليبين أنه معلول، لا يحتج بشيء من ذلك.
* ومخرمة بن بكير بن عبد الله الأشج، لم يسمع من أبيه شيئـا، إنما يروي من كتاب: أبيه: بكير الأشج، فالإسناد منقطع.
قال أحمد، عنه: «لم يسمع من أبيه شيئـا، إنما يروي من كتاب: أبيه».
وقال ابن معين: «مخرمة بن بكير، وقع إليه كتاب: أبيه، ولم يسمعه».
وقال ابن معين: «ضعيف، وحديثه عن أبيه كتاب، ولم يسمعه منه».
وقال أبو داود: «لم يسمع من أبيه؛ إلا حديثـا واحدا، وهو حديث: الوتر».([60])
ولذلك: أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (5455)، وفي «المجتبى» (3319)، وأبو عوانة في «المستخرج» (4869)، و(4870)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (6569) من طريق يونس بن عبد الأعلى، وبحر بن نصر، وأحمد بن صالح، وأصبغ، وأبي الطاهر؛ جميعهم: عن ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت حميد بن نافع، يقول: سمعت زينب بنت أبي سلمة، تقول: سمعت عائشة، زوج النبي r تقول: (جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي r، فقالت: يا رسول الله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم علي، فقالت: قال رسول الله r: أرضعيه، قلت: إنه ذو لحية؟، فقال: أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة، قالت: والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة بعد).
قلت: وهذا إسناده كسابقه منكر، ومضطرب، ورواته كلهم ثقات، وقد جعلوه: «عن زينب، عن عائشة»، ولم تذكر: «أمها: أم سلمة»، ولا ذكرت: «استنكار أم سلمة على عائشة»، وكل هذا من الاضطراب في أسانيد وألفاظ هذا الحديث.
وأعله الحافظ الطبراني، فقال: (لم يرو هذا الحديث: عن حميد بن نافع؛ إلا بكير بن عبد الله، ولا عن بكير؛ إلا ابنه مخرمة، تفرد به ابن وهب).
* فأعله بالتفرد، ومخرمة بن بكير الأشج، لم يسمع من أبيه شيئـا، فالإسناد منقطع. ([61])
2) ورواه يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وأم سلمة؛ مرفوعا. (فجعله عن عروة يرويه: «عن عائشة، وأم سلمة»؛ مقرونتان جميعـا، بدلا من كونه عن عروة: «عن عائشة»؛ وحدها).
أخرجه أبو داود في «سننه» (2061)، ومن طريقه: البيهقي في «الخلافيات» (4684)، وابن عبد البر في «التمهيد» (ج8 ص251)، والحازمي في «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» (ص 186)، وابن الأثير في «أسد الغابة» (ج7 ص283) من طريق أحمد بن صالح، حدثنا عنبسة، حدثني يونس، عن ابن شهاب، حدثني عروة بن الزبير، عن عائشة، وأم سلمة: (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، كان تبنى: سالما، وأنكحه ابنة أخيه: هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله r: زيدا، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية: دعاه الناس إليه، وورث ميراثه، حتى أنزل الله سبحانه وتعالى في ذلك: ]ادعوهم لآبائهم[، إلى قوله: ]فإخوانكم في الدين ومواليكم[ [الأحزاب: 5]؛ فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي، ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالما ولدا، وكان يأوي معي، ومع أبي حذيفة، في بيت واحد، ويراني فضلا، وقد أنزل الله عز وجل فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟، فقال لها النبي r: أرضعيه، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة ڤ تأمر بنات أخواتها، وبنات إخوتها؛ أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيرا، خمس رضعات، ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة، وسائر أزواج النبي r أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس، حتى يرضع في المهد، وقلن لعائشة: والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي r لسالم دون الناس).
قلت: وهذا إسناده كسابقه منكر، فإنه مضطرب، ومخالف للأصول، ورجاله رجال البخاري، وفيه عنبسة بن خالد بن يزيد الأموي، وهو صدوق، وقد تكلموا فيه وخاصة في حديث يونس الأيلي([62])، فهو معلول بذلك.
قال الحافظ الساجي: «روى عنبسة، عن يونس: أحاديث انفرد بها عنه»، نقله عنه الحافظ ابن حجر في «التهذيب» (ج10 ص332).
وحديث: «رضاع الكبير»، منها.
وقال يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (ج3 ص333)؛ عن يحيى بن بكير قال: (إنما يحدث عن عنبسة: مجنون، أحمق، كان يجيئني، ولم يكن موضعا للكتابة، أن يكتب عنه).
* أخرج له: البخاري، مقرونا: بغيره، في عدة مواضع، منها: كتاب: «أحاديث الأنبياء»، باب: (ذكر إدريس» (ج4 ص135)؛ برقم: «3342».
لذلك: لا يحتج به. ([63])
وكذلك: يونس الأيلي من أثبت الناس في الزهري إذا روى من كتاب، وأما من حفظه فيهم قليلا في حديث الزهري، إذا خالف. ([64])
والحديث: مضطرب من أصله، وقد جعله عن: «عائشة، وأم سلمة»، مقرونتين ببعض، مع ذكرهم: «أن سالما ابنا بالتبني»، وأن التحرج حصل بسبب: «نزول آية تحريم التبني»، وكل هذا من الاضطراب في هذا الحديث.
3) ورواه مالك، ويونس بن يزيد الأيلي، كلاهما: عن الزهري، عن عروة؛ من قوله. (فجعلوه من قول: «عروة»؛ مرسلا).
أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (5453)، وفي «المجتبى» (3324) من طريق يونس بن عبد الأعلى الصدفي، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وهو ابن يزيد، ومالك؛ كلاهما: عن ابن شهاب، عن عروة قال: (أبى سائر أزواج النبي r أن يدخل عليهن أحد من الناس بتلك الرضاعة يريد رضاعة الكبير، وقلن لعائشة، والله ما نرى الذي أمر رسول الله r سهلة بنت سهيل، إلا رخصة في رضاعة سالم وحده، من رسول الله r، والله لا يدخل علينا أحد بهذه الرضعة، ولا يرانا).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، ورجاله كلهم ثقات، وقد جعلوه هؤلاء الأئمة الثقات: من قول عروة؛ مرسلا، وكل هذا من الاضطراب في أسانيد وألفاظ هذا الحديث.
هكذا: روي مرسلا.
وتوبع ابن وهب على إرساله؛ تابعه: الشافعي.
أخرجه الشافعي في «المسند» (ص307)، ومن طريقه: البيهقي في «الخلافيات» (4685) من طريق الشافعي، أنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة: (أن النبي r أمر امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالما بخمس رضعات تحرم بلبنها، ففعلت، فكانت تراه ابنا).
قلت: وهذا إسناده كسابقه منكر، ومضطرب، وقد رواه الثقات: مرسلا من قول عروة، وكل هذا من الاضطراب في أسانيد وألفاظ هذا الحديث، فلا يحتج به.
هكذا: روي مرسلا.
قال الحافظ البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (ج11 ص264): (حديث مالك: مرسل).
وسئل الحافظ الدارقطني في «العلل» (ج15 ص33)؛ عن حديث عروة، عن عائشة: «جاءت سهلة... الحديث»، فقال: (يرويه الزهري، عن عروة، واختلف عنه؛
* فحدث به: ابن أخي الزهري، ومحمد بن إسحاق، وصالح بن أبي الأخضر، ويونس، وجعفر بن ربيعة؛ عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
* وخالفهم: مالك بن أنس؛ فرواه في «الموطأ» عن الزهري، عن عروة؛ مرسلا.
* وحدث ببعضه: عثمان بن عمر، وعبد الرزاق، وعبد الكريم بن روح، وأسندوه: عن عائشة، والصحيح: عن عائشة؛ متصلا). ([65]) اهـ.
قلت: والحديث بجملته مضطرب، في أسانيده وألفاظه كما ترى، ولذلك: أعله أئمة الحديث بالاضطراب، وبمخالفة الأصول، واستنكروه، منهم: الإمام البخاري، والإمام مسلم، والإمام مالك، والإمام النسائي، والإمام الترمذي، والإمام أبو عوانة، والإمام ابن أبي عاصم، وغيرهم.
واختلف على مالك بن أنس فيه:
أ) فرواه الشافعي، وابن وهب؛ كلاهما: عن مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة؛ مختصرا ومرسلا. (فجعله مرسلا؛ من قول عروة).
وهو: حديث مضطرب، تقدم تخريجه.
ب) ورواه أصحاب الموطآت، والشافعي، وعبد الرزاق، عن مالك، عن الزهري، عن عروة؛ مطولا ومرسلا. (فأرسله، وتغيرت ألفاظه كثيرا؛ فقال: «أن سالما ابنا لأبي حذيفة بالتبني»، وأنه: «يقال لسالم مولى لأبي حذيفة أيضا»، وقال: «أنكح أبو حذيفة سالما؛ ابنة أخيه: فاطمة بنت الوليد بن عتبة»، بدلا من: «ابنة أخيه: هند بنت الوليد بن عتبة»).
هكذا: روي مرسلا.
أخرجه مالك في «الموطأ» (2247)، و(ق/409/ط)، ومن طريقه: ابن حبان في «صحيحه» (4215)، وأبو مصعب الزهري في «الموطأ» (1749)، ومحمد بن الحسن في «الموطأ» (627)، والجوهري في «مسند الموطأ» (175)، والحدثاني في «الموطأ» (388)، والشافعي في «المسند» (ص307)، وفي «الموطأ» (ص720)، وفي «الأم» (ج5 ص29)، والطبراني في «المعجم الكبير» (6377)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (14376)، وفي «معرفة السنن» (15472)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (3439)، وابن وهب في «الموطأ» (ص227)، و(ق/53/ط)، وابن القاسم في «الموطأ» (ص227)، و(ق/53/ط)، وابن بكير في «الموطأ» (ج2 ص691)، وابن حزم في «المحلى بالآثار» (ج10 ص205) من طريق هؤلاء الجماعة: عن مالك، عن ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير: (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وكان من أصحاب رسول الله r، وكان قد شهد بدرا، وكان قد تبنى سالما الذي يقال له سالم مولى أبي حذيفة، كما تبنى رسول الله r: زيد بن حارثة، وأنكح أبو حذيفة: سالما؛ وهو يرى أنه ابنه، ابنة أخيه: فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهي يومئذ من المهاجرات الأول، وهي يومئذ أفضل أيامى قريش، فلما أنزل الله تعالى في زيد بن حارثة ما أنزل، فقال: ]ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم[ [الأحزاب: 5]، رد كل واحد ممن تبنى أولئك إلى أبيه، فإن لم يعلم أبوه رد إلى مولاه، فجاءت سهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة وهي من بني عامر بن لؤي إلى رسول الله r، فقالت: يا رسول الله، كنا نرى سالما ولدا، وكان يدخل علي، وليس لنا إلا بيت واحد، فماذا ترى في شأنه؟، فقال رسول الله r: أرضعيه خمس رضعات فيحرم بلبنك، ففعلت، وكانت تراه ابنا من الرضاعة، فأخذت بذلك عائشة فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر وبنات أخيها أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال، وأبى سائر أزواج رسول الله r أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس، وقلن: ما نرى الذي أمر به رسول الله r سهلة بنت سهيل إلا رخصة في سالم وحده من رسول الله r، لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد، فعلى هذا من الخبر كان رأي أزواج رسول الله r في رضاعة الكبير).
قلت: وهذا كسابقه منكر، ومضطرب، وقد رواه الثقات الأثبات بهذا الإسناد المرسل، والمتن المختلف، فلا يحتج به.
وهو حديث: غير محفوظ.
قال الحافظ الدارقطني في «الأحاديث التي خولف فيها مالك بن أنس» (ص51): (روى مالك في «الموطأ»، عن الزهري، عن عروة: «أن أبا حذيفة بن عتبة: كان قد تبنى: سالما، وأنكحه بنت أخيه: فاطمة بنت الوليد».
* لم يذكر في إسناده: عائشة ڤ، وقال: «بنت أخيه: فاطمة».
* خالفه: جماعة من أصحاب الزهري؛ منهم: يونس، وعقيل، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، ومعمر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن أخي الزهري، وشعيب بن أبي حمزة، وهبار بن عقيل، وغيرهم؛ فرووه: عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ڤ.
* ومنهم: من أضاف: إلى عروة: «رجلا»، وأسندوه: عن عائشة ڤ.
* وأسنده: شعيب عن: «عائشة، وأم سلمة ﭭ».
* وخالفوه أيضا: في اسم: بنت أخي: «أبي حذيفة بن عتبة»؛ فسموها: «هند بنت الوليد»، وهو الصواب). اهـ.
ج) ورواه عثمان بن عمر، قال: أخبرنا مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فذكر عائشة في الإسناد، ولم يبين حال سالم من التبني أو الولاء، ولم يذكر أن عائشة كانت تدخل عليها من تشاء بإرضاع بنات أخواتها).
أخرجه أحمد في «المسند» (26179)، وابن عبد البر في «التمهيد» (ج8 ص250)، وفي «الاستذكار» (ج6 ص253) من طريق أحمد بن حنبل، ويزيد بن سنان؛ كلاهما: عن عثمان بن عمر، قال: أخبرنا مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ڤ: (أن رسول الله r أمر امرأة أبي حذيفة، فأرضعت سالما خمس رضعات، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة).
هكذا: روي متصلا!.
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب كسابقه، ورواته كلهم ثقات، وقد ذكر في الإسناد عائشة، ولكن لم يذكر عنها الإفتاء برضاع الكبير، وكل هذا من الاضطراب في أسانيد وألفاظ هذا الحديث، وعثمان بن عمر وهو ثقة لكن لا يقاوم من رواه عن مالك؛ مرسلا، وهم الجماعة من أصحاب مالك، فالقول قولهم.
فهو: حديث غير محفوظ.
د) ورواه عبد الرزاق، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فقال: «أن سالما ابنا لأبي حذيفة بالتبني»، وأنه: «يقال لسالم مولى لأبي حذيفة»، وقال: «أنكح أبو حذيفة سالما؛ ابنة أخيه: فاطمة بنت الوليد بن عتبة»، بدلا من: «ابنة أخيه: هند بنت الوليد بن عتبة»، وشك في قول الزهري فيما أرسله).
أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (13886)، ومن طريقه الدارقطني في «السنن» (ج8 ص251-التمهيد) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ڤ: (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة وكان بدريا، وكان قد تبنى سالما الذي يقال له: سالم مولى أبي حذيفة، كما تبنى النبي r زيدا، وأنكح أبو حذيفة سالما وهو يرى أنه ابنه؛ ابنة أخيه: فاطمة بنت الوليد بن عتبة، وهي من المهاجرات الأول، وهي يومئذ من أفضل أيامى قريش، فلما أنزل الله عز وجل ذلك ما أنزل: ]ادعوهم لآبائهم[ [الأحزاب: 5]؛ رد كل واحد من أولئك إلى أبيه، فإن لم يعلم أبوه رد إلى مواليه، فجاءت سهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة وهي من بني عامر بن لؤي، فقالت: يا رسول الله، كنا نرى أن سالما ولد، وكان يدخل علي، وأنا فضل، وليس لنا إلا بيت واحد، فماذا ترى؟ - قال الزهري: فقال لها فيما بلغنا والله أعلم -: أرضعيه خمس رضعات، فتحرم بلبنها، وكانت تراه ابنا من الرضاعة، فأخذت بذلك عائشة، فيمن كانت تريد أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أم كلثوم ابنة أبي بكر، وبنات أخيها يرضعن لها من أحبت أن يدخل عليها من الرجال، وأبى سائر أزواج النبي r أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة، قلن: والله ما نرى الذي أمر النبي r به سهلة إلا رخصة في رضاعة سالم وحده).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب جدا، وقد تغيرت ألفاظه كما ترى، وشك الزهري فيما أرسله من الألفاظ، وتغيرت الأسماء، فهذا الحديث مضطرب جدا لا يحتج بشيء من ذلك، وعبد الرزاق لا يقاوم ما رواه الجماعة من أصحاب مالك؛ لهذا الحديث؛ مرسلا عن عروة، فالقول قولهم.
* وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، له أوهام في الحديث، وهذه منها. ([66])
4) ورواه يزيد بن أبي حبيب، وعقيل؛ كلاهما: عن الزهري، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أمه: زينب. (فلم يذكر: «أم سلمة»، وجعل: «سالما مولى لأبي حذيفة»).
أخرجه ابن ماجة في «سننه» (1947) من طريق محمد بن رمح المصري، قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، وعقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أمه زينب بنت أبي سلمة، أنها أخبرته: (أن أزواج النبي r كلهن خالفن عائشة، وأبين أن يدخل عليهن أحد بمثل رضاعة سالم، مولى أبي حذيفة، وقلن: وما يدرينا، لعل ذلك كانت رخصة لسالم وحده).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب جدا، وقد جعله من قول زينب، تروي القصة بين أزواج النبي r، فخالف ما روته زينب عن أمها: أم سلمة، وخالف مرة أخرى: أن زينب ترويه عن عائشة، إلى غير ذلك من الاضطراب في أسانيد هذا الحديث، وفيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف، سيئ الحفظ([67])، فلا يحتج به.
فهو: حديث منكر.
5) ورواه جعفر بن ربيعة، أن ابن شهاب الزهري، كتب يذكر أن عروة بن الزبير، أخبره عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فقال: «إن سالما متبنى، وهو مع ذلك مولى لأبي حذيفة»، وأنه يقال: «أن سالما اعتقته امرأة من الأنصار»، ولم يجزم بذلك).
أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (5426)، وابن بشكوال في «غوامض الأسماء المبهمة» (ج1 ص132) من طريق الربيع بن سليمان بن داود، قال: حدثنا أبو الأسود واسمه النضر بن عبد الجبار، وإسحاق بن بكر بن مضر، قالا: حدثنا بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، أن ابن شهاب، كتب يذكر أن عروة بن الزبير، أخبره عن عائشة ڤ قالت: (كان أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: تبنى سالما، مولى أبي حذيفة، ويقال أعتقته امرأة من الأنصار حتى نزل فيهم ما نزل: ]ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله[ [الأحزاب: 5]؛ فجاءت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة؛ رسول الله r فقالت: يا رسول الله إنا تبنينا سالما، وقد أنزل الله فيه ما قد علمت، وأنه يدخل علي، وأنا فضل، وليس لنا إلا بيت واحد، فقال رسول الله r: أرضعيه، فأرضعته خمس رضعات فكان يدخل عليها، وكان سالما يومئذ رجلا).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، وإن كان رواته ثقات، إلا أن فيه جعفر بن ربيعة لم يسمع من الزهري([68])، وقد جاء بألفاظ مختلفة، منها: «أن سالما ابنا بالتبني، ومع ذلك هو مولى لأبي حذيفة»، وكذلك لم يجزم: «أنه مولى لامرأة من الأنصار»، وكل هذا من الاضطراب في هذا الحديث المنكر، فلا يحتج بشيء من ذلك.
فهو: حديث غريب جدا.
6) ورواه ابن جريج، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ مرفوعا. (فلم يذكر البتة: «أن عائشة كانت تدخل عليها من تشاء بإرضاعه من بنات أخواتها»، وذكر: «أن سالما ابنا بالتبني لأبي حذيفة»، وأنه: «مولى لامرأة من الأنصار»).
أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (13887)، ومن طريقه: أحمد في «المسند» (25650)، وإسحاق بن راهويه في «المسند» (706)، والطبراني في «المعجم الكبير» (ج24 ح737)، وابن حزم في «المحلى بالآثار» (ج10 ص197) من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنا ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة ڤ: (أن أبا حذيفة، تبنى سالما - وهو مولى لامرأة من الأنصار - كما تبنى النبي r زيدا، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس ابنه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله عز وجل: ]ادعوهم لآبائهم، هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم، فإخوانكم في الدين ومواليكم[ [الأحزاب: 5]، فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب، فمولى وأخ في الدين، فجاءت سهلة فقالت: يا رسول الله كنا نرى سالما ولدا يأوي معي، ومع أبي حذيفة ويراني فضلا، وقد أنزل الله عز وجل فيهم ما قد علمت، فقال: أرضعيه خمس رضعات، فكان بمنزلة ولده من الرضاعة).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، وهو كسابقه، إلا أنه لم يذكر في حديث عروة: «أن عائشة كانت تدخل عليها من تشاء بعدما يرضع من بنات أخواتها»، كما أورده غير ابن جريج، إلى غير ما هنالك من الاختلاف في الألفاظ، والحديث في جملته مضطرب جدا في الأسانيد والألفاظ كما ترى، فلا يحتج به.
* وابن جريج: يخطئ أحيانا في الحديث، على الزهري، إذا توسع في الرواية، وهذه منها.
* وهذا الحديث: من خطئه عليه؛ لنكارة ألفاظه، ومخالفته للثقات.
قال الإمام ابن معين في «التاريخ» (ج1 ص55)؛ عن رواية: ابن جريج، عن الزهري: (ليس بشيء في الزهري).
وعن ابن جريج قال: (ما سمعت من الزهري شيئـا، إنما أعطاني الزهري جزءا فكتبته، وأجازه لي). ([69])
وقال الحافظ الذهبي في «السير» (ج6 ص331): (كان ابن جريج يرى الرواية: بالإجازة وبالمناولة، ويتوسع في ذلك.
* ومن ثم دخل عليه الداخل في رواياته عن الزهري، لأنه حمل عنه مناولة، وهذه الأشياء يدخلها التصحيف، ولا سيما في ذلك العصر). اهـ.
7) ورواه معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ مرفوعا. (فجعل: «سالما ابنا لأبي حذيفة»، وأن سبب التحرج: «نزول آية تحريم التبني»، وزاد أن: «البيت كان ضيقا»، وأرسل الزهري: «قصة الإفتاء من عائشة برضاع الكبير دون بقية أزواج النبي r»).
أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (13885)، ومن طريقه: أحمد في «المسند» (25913)، وابن حبان في «صحيحه» (4214)، وإسحاق بن راهويه في «المسند» (704)، و(707)، وأبو عوانة في «المستخرج» (4867)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (312) من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ڤ قالت: (جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي r فقالت: إن سالما كان يدعى لأبي حذيفة، وإن الله عز وجل قد أنزل كتابه: ]ادعوهم لآبائهم[ [الأحزاب: 5]؛ فكان يدخل علي وأنا فضل، ونحن في منزل ضيق، فقال: أرضعي سالما تحرمي عليه).
قال الزهري: «قالت بعض أزواج النبي r لا ندري لعل هذه كانت رخصة لسالم خاصة، وكانت عائشة تفتي بأنه يحرم الرضاع بعد الفصال حتى ماتت».
قلت: وهذا كسابقه منكر، ومضطرب، وقد زاد فيه أن سبب التحرج هو أن البيت كان ضيقا، مع نزول آية تحريم التبني، لأن سالما كان يدعى لأبي حذيفة أنه ابنه، بينما أرسل الزهري: «قصة إفتاء عائشة برضاع الكبير، دون بقية أزواج النبي r اللاتي كن يرين أنه حكم خاص بسالم»، بدلا من أن: «عروة، أو أزواج النبي من كان ينقلها»، ورواته كلهم ثقات.
وكل هذا: من الاضطراب في أسانيد وألفاظ الحديث، وقد صرح بإعلاله الإمام ابن أبي عاصم، فلا يحتج بشيء من ذلك.
قال الإمام ابن أبي عاصم: (ورواه عن الزهري: عقيل، وعبد الرحمن بن خالد، وأبو منيع؛ فقالوا: عروة، وأبو عابد يعقوب بن حميد، وقالوا: ابن عيينة، وقد بينا اختلافهم في كتاب علل الحديث).
فهو: حديث معلول.
واختلف على معمر فيه:
أ) فرواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ڤ.
وهو: حديث منكر، تقدم تخريجه.
ب) ورواه الشافعي، عن الثقة، عن معمر، عن الزهري، عن أبي عبيدة بن عبد الله يعني ابن زمعة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أمها أم سلمة؛ مرفوعا. (فتغير إسناده).
أخرجه البيهقي في «معرفة السنن» (15476) من طريق المزني، أن الشافعي قال: أخبرني الثقة، عن معمر، عن الزهري، عن أبي عبيدة بن عبد الله يعني ابن زمعة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أمها أم سلمة، أنها ذكرت حديث سالم، عن النبي r، وقالت في الحديث: «كانت رخصة لسالم خاصة».
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، وفيه: من لم يسم، فلا يحتج به.
* وقول الإمام الشافعي: حدثني الثقة.
فهناك أحاديث أخرى: من طريق الشافعي، لم يصرح بذكر شيخه، إنما أبهمه، مع تنوع ألفاظ الإبهام.
* فقال مثلا الشافعي: «أخبرنا الثقة»، أو «أخبرني رجل»، أو «أخبرنا بعض أصحابنا»، أو «أخبرني من لا أتهم»، أو «عن الثقة»، وهكذا.
وقد اختلف أهل العلم في محاولتهم لفك ألفاظ الإمام الشافعي المبهمة، ووضحوا ما أبهمه.
* بحيث: إن الإمام الشافعي إذا روى عن شيخه المبهم، عن: «فلان بعينه»؛ فإن شيخه، هو «فلان»، وسموه.
* فمنهم: من جزم بقوله: فأطلق كلامه، ومنهم: من فسر ووضح، ومنهم: من قلد، وكل أدلى بدلوه. ([70])
* وحقيقة الأمر، أن من كان له ملكة في دراسة الأسانيد، خاصة: طريقة الإمام الشافعي، واستعماله: لفظ الأداء مع شيوخه، عرف أن كلام الذين بينوا مراد الإمام الشافعي، أنه غير مسلم في أصول الحديث. ([71])
قلت: فيعتبر ما أبهمه الإمام الشافعي، ولم يسمه، أنه مجهول، حتى يعرف بعينه من طريق أخرى.
قال أبو الحسن الآبري في «مناقب الشافعي» (ص148): (إذا قال الشافعي في كتبه: أخبرنا الثقة، عن ابن أبي ذئب، فهو: ابن أبي فديك.
* وإذا قال: أخبرنا الثقة، عن الليث بن سعد، فهو: يحيى بن حسان التنيسي.
* وإذا قال: أخبرنا الثقة، عن الوليد بن كثير، فهو: أبو أسامة، حماد بن أسامة.
* وإذا قال: أخبرنا الثقة، عن الأوزاعي، فهو: عمرو بن أبي سلمة.
* وإذا قال: أخبرنا الثقة، عن صالح مولى التوأمة، فهو: إبراهيم بن أبي يحيى). اهـ.
وقال الربيع بن سليمان: (كان الشافعي؛ إذا قال: أخبرني: من لا أتهم، يريد به: إبراهيم بن أبي يحيى.
* وإذا قال: أخبرنا الثقة، يريد به: يحيى بن حسان.
* وإذا قال: أخبرنا من لا أتهم، يريد به: إبراهيم بن أبي يحيى.
* وإذا قال: بعض الناس، يريد به: أهل العراق.
* وإذا قال: بعض أصحابنا، يريد به: أهل الحجاز). ([72])
وقال عبد الله بن أحمد: (كل شيء في كتاب: الشافعي: «أخبرنا الثقة»؛ فهو عن أبي). ([73])
قلت: ومنهم من قال غير ذلك.
* فكلامهم هذا غير مسلم له، والصحيح: أنه لا يعرف اسم شيخ الإمام الشافعي بالضبط، إلا إذا بين اسم شيخه في موضع آخر، وصرح بعينه.
قال الحافظ البيهقي في «معرفة السنن» (ج5 ص201): (ولا يكاد يعرف ذلك باليقين؛ إلا أن يكون قد أطلقه في موضع، وسماه في موضع آخر). اهـ.
وقد توبع عليه؛ تابعه: محمد بن عمر الواقدي.
أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (ج3 ص87)، و(ج8 ص271) من طريق محمد بن عمر، حدثني معمر، ومحمد بن عبد الله، عن الزهري، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أمه، عن أم سلمة ڤ قالت: (أبى أزواج النبي r أن يأخذن بهذا، وقلن إنما هذه رخصة من رسول الله r لسهلة بنت سهيل).
قلت: وهذا إسناده منكر، فيه محمد بن عمر الواقدي، وهو متروك([74])، فلا يلتفت لهذا الإسناد.
8) ورواه محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فجعل الرضعات: «عشرا» بدلا من: «خمس»، وقال: «إن سالما ولد لأبي حذيفة»).
أخرجه أحمد في «المسند» (26315)، ومن طريقه: ابن حزم في «المحلى بالآثار» (ج10 ص193) من طريق يعقوب هو ابن إبراهيم بن سعد القرشي، قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني الزهري، عن عروة، عن عائشة ڤ قالت: (أتت سهلة بنت سهيل رسول الله r فقالت له: يا نبي الله إن سالما كان منا حيث قد علمت، أنا كنا نعده ولدا، فكان يدخل علي كيف شاء لا نحتشم منه، فلما أنزل الله فيه وفي أشباهه ما أنزل أنكرت وجه أبي حذيفة إذا رآه يدخل علي، قال: فأرضعيه عشر رضعات، ثم ليدخل عليك كيف شاء، فإنما هو ابنك، فكانت عائشة تراه عاما للمسلمين، وكان من سواها من أزواج النبي r يرى أنها كانت خاصة لسالم مولى أبي حذيفة الذي ذكرت سهلة من شأنه رخصة له).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، فيه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي، وهو ليس بحجة، بمثل روايته لهذا الحديث.([75])
قال أحمد: «لم يكن يحتج به في السنن»، وقال أيضا: «ابن إسحاق ليس بحجة»، وقال ابن معين: «محمد بن إسحاق: ليس بذاك، ضعيف»، وقال أيضا: «ليس بحجة»، وقال النسائي: «ليس بالقوي».([76])
وقال الحافظ الدارقطني في «سؤالات السلمي» (ص282): (اختلف الأئمة في محمد بن إسحاق: وليس بحجة، وإنما يعتبر به).
وقد اختلفت ألفاظه: فجعل الرضعات المحرمات: «عشرا» بدلا من: «خمس»، وقال: «إن سالما ولد لأبي حذيفة»، وكل هذا من الاضطراب في هذا الحديث، فلا يحتج به.
9) ورواه صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فجعل: «سهلة هي من أرضعته خمسا»، وأن سبب التحرج: نزول آية تحريم التبني).
أخرجه إسحاق بن راهويه في «المسند» (705) من طريق النضر بن شميل، نا صالح بن أبي الأخضر، عن ابن شهاب أن عروة أخبره، أن عائشة ڤ قالت: (جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله r فقالت: إن أبا حذيفة تبنى سالما فأرى أنه ابني، وكان يأوي مع أبي حذيفة، وكان يراني فضلا وقد أنزل الله ما ترى، فقال: أرضعيه، فأرضعته خمس مرات).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، وفيه صالح بن أبي الأخضر اليمامي ضعيف، منكر الحديث، لا يحتج به.
قال عنه ابن معين: «ليس بالقوي»، وقال الجوزجاني: «اتهم في أحاديثه»، وقال العجلي: «ليس بالقوي»، وقال البخاري: «ضعيف»، وقال أبو زرعة: «ضعيف الحديث»، وقال النسائي: «ضعيف»، وقال الساجي: «يهم، ليس بحجة». ([77])
* وصالح بن أبي الأخضر اليمامي أيضا، يهم في روايته عن الزهري، وهذه منها.
قال الإمام ابن معين، في رواية: الدارمي، في «التاريخ» (ص46)؛ عن صالح بن أبي الأخضر: (ليس بشيء في الزهري).
وقال الإمام ابن معين، في رواية: ابن أبي مريم؛ عن صالح بن أبي الأخضر: (ليس حديثه عن الزهري: بشيء). ([78])
قلت: فلا يحتج بصالح بن أبي الأخضر عن الزهري، لأنه اختلط عليه حديثه، فلم يتميز.
قال البرذعي في «السؤالات» (ص477)؛ عن أبي زرعة: (أما صالح بن أبي الأخضر، فعنده عن الزهري: كتابان: أحدهما: عرض، والآخر: مناولة، فاختلطا جميعـا، وكان لا يعرف هذا، من هذا).
وقال البرقاني في «السؤالات» (ص88)؛ عن الدارقطني؛ عن حديث صالح بن أبي الأخضر عن الزهري: قال: (حديثه عن ابن شهاب: عرض، وكتاب، وسماع، فقيل له: يميز بينهما، فقال: لا).
وقال الحافظ البخاري عن صالح بن أبي الأخضر: (ليس بشيء عن الزهري).([79])
10) ورواه محمد بن عبد الله الزهري، ابن أخي ابن شهاب، عن عمه: ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فقال: «إن سالما ابنا بالتبني لأبي حذيفة»، وكذلك: «هو مولى لأبي حذيفة»، وخالف من قال: «أنه مولى لامرأة من الأنصار»).
أخرجه أحمد في «المسند» (26330)، وابن الجارود في «المنتقى» (690)، وأبو عوانة في «المستخرج» (4868) من طريق أحمد بن حنبل، ومحمد بن يحيى، ومحمد بن أحمد بن الجنيد؛ جميعهم: عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه: ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة ڤ قالت: (أتت سهلة بنت سهيل بن عمرو -وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة- رسول الله r فقالت: إن سالما مولى أبي حذيفة يدخل علينا، وإنا فضل، وإنا كنا نراه ولدا، وكان أبو حذيفة تبناه كما تبنى رسول الله r زيدا، فأنزل الله: ]ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله[ [الأحزاب: 5]؛ فأمرها رسول الله r عند ذلك أن ترضع سالما، فأرضعته خمس رضعات، وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة تأمر أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيرا خمس رضعات، ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي r أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد، وقلن لعائشة: والله ما ندري لعلها كانت رخصة من رسول الله r لسالم من دون الناس).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب كسابقه، وقد قال فيه: «أن سالما ابنا بالتبني لأبي حذيفة»، وكذلك: «هو مولى لأبي حذيفة»، وخالف من قال: «أنه مولى لامرأة من الأنصار»، وذكر فيه إفتاء عائشة برضاع من يريد الدخول عليها دون بقية أزواج النبي r، وكل هذا من الاضطراب في هذا الحديث.
* ومحمد بن عبد الله بن مسلم الزهري، يضطرب أحيانا في حديثه عن الزهري، وهذا ظاهر في حديث: «رضاع الكبير»، فهو: حديث ضعيف. ([80])
قال عنه ابن معين: «ضعيف لا يحتج بحديثه»، وقال أبو حاتم: «ليس بالقوي، يكتب حديثه»، وقال: «صدوق: تفرد عن عمه، بأحاديث، لم يتابع عليها»، وقال النسائي: «ليس بذاك القوي»، وقال ابن المديني: «ليس بذاك القوي».([81])
وقال الحافظ ابن حبان في «المجروحين» (ج2 ص249): (وكان ردئ الحفظ، كثير الوهم).
11) ورواه عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن الزهري؛ مقطوعا عليه. (ولم يزد أن أوقفه على الزهري).
أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (ج8 ص271) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن الزهري: (أن سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة سألت رسول الله فقالت: يا رسول الله إنا كنا نعد سالما ولدا وإنه يدخل علي وأنا فضل ويرى مني، فقال رسول الله: أرضعيه خمس رضعات وليدخل عليك). قال الزهري: «وكانت عائشة تفتي بهذه الفتيا». ([82])
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب جدا، ورواته كلهم ثقات، وقد أوقفوه من قول الزهري، وكل هذا من الاضطراب الشديد في هذا الحديث في أسانيده وألفاظه، فلا يحتج به.
فهو: مرسل عن الزهري، لا يصح.
* ثم إن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، لم يسمع هذا الحديث، من الزهري، وهذا ظاهر.
قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (ج5 ص386): أخبرنا: أحمد بن سنان قال: لي سمعت عبد الرحمن بن مهدي قال: قال بشر بن السري: «لم يسمع ابن أبي ذئب، ولا الماجشون من الزهري، قال أحمد بن سنان: معناه: عندي: أنه عرض».
* وكذا قال الحافظ الذهبي في «السير» (ج7 ص311).
فالحديث هذا: مرسل.
12) ورواه هشام بن الغاز، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ مرفوعا. (واختلفت ألفاظه، وفيه: «أن الرضعات: خمس»، وأن: «سالما مولى لأبي حذيفة»).
أخرجه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (7664) من طريق محمد بن المظفر، ثنا أحمد بن يحيى بن أبي كثير، ثنا جعفر بن أحمد بن سليمان بن حبيب بن ميمون العبدي، ثنا الخليل بن ميمون الكندي، ثنا عبد الله بن أذينة، عن هشام بن الغاز، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ڤ قالت: (لما رخص رسول الله r لسهلة بنت سهيل بن عمرو، أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة، بخمس رضعات، فكان يدخل عليها بذلك الرضاع).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، وفيه عبد الله بن أذينة منكر الحديث، ومتهم بالوضع، فلا يلتفت له.
قال الدارقطني: «متروك الحديث»، وقال الحاكم: «روى أحاديث موضوعة»، وقال النقاش: «روى أحاديث موضوعة»، وقال ابن حرب: «ضعيف الحديث».([83])
وأما الطريق الثاني: عن عائشة ڤ؛ فيرويه: القاسم بن محمد عنها:
أخرجه مسلم في «صحيحه» (1453)، والنسائي في «السنن الكبرى» (5457)، وفي «المجتبى» (3323)، وأبو نعيم في «المستخرج» (3403)، وإسحاق بن راهويه في «المسند» (938)، وابن الأثير في «أسد الغابة» (ج2 ص382)، وابن حزم في «المحلى بالآثار» (ج10 ص209) من طريق إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه، ومحمد بن أبي عمر، وعمرو بن علي، وقتيبة؛ جميعا: عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة ڤ: (أن سالما، مولى أبي حذيفة، كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت - تعني ابنة سهيل - النبي r، فقالت: إن سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا، فقال لها النبي r: أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة، فرجعت فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، والاضطراب في متنه ظاهر جدا، ولذلك أورده الإمام مسلم في «صحيحه»، ليبين هذه العلة في هذا الحديث، وكذلك فعل الإمام النسائي، فإن الرواة لم يضبطوه.
ولذلك: قالوا هنا؛ أن سبب التحرج هو: «بلوغ سالم»، بينما في الأحاديث الأخرى كان سبب التحرج: «هو نزول الآيات في تحريم التبني، وكان سالما قد تبناه أبو حذيفة».
وكذلك: جعلوا سالما: «مولى لأبي حذيفة»، بينما هو: «مولى لامرأة من الأنصار»، وكل هذا من الاضطراب في نفس القصة، والتي لم يضبطها الرواة، فاضطربوا في ألفاظها وفي أسانيدها، فلا يحتج بشيء منها.
* وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، كان إذا حدث من غير كتابه، يخطئ ويهم، وهو قد اختلط، فلا يحتج به في هذا الحديث. ([84])
وخطؤه، واختلاطه، واضح في روايته، لهذا الحديث في: «رضاع الكبير».
فهو: حديث منكر.
وقد اختلف على القاسم بن محمد فيه أيضا اختلافا شديدا:
1) فرواه ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فجعلوا: «سالما مولى لأبي حذيفة»، وأن سبب التحرج: «أن سالما قد بلغ»، بدلا من: «أن أبا حذيفة تبنى سالما، وهو مولى لامرأة من الأنصار ليس بمولى لأبي حذيفة»، وبدلا من أن سبب التحرج هو: «نزول آيات تحريم التبني»!).
قلت: تقدم تخريجه، والحكم عليه أنه منكر، ومضطرب، وأن الإمام مسلمـا: إنما أخرجه ليعله.
واختلف على ابن أبي مليكة فيه أيضا:
أ) فرواه أيوب السختياني، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا.
قلت: تقدم تخريجه، والحكم عليه أنه منكر، ومضطرب.
وقد توبع ابن أبي مليكة على هذا الإسناد؛ تابعه: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري
أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (5456)، وفي «المجتبى» (3321)، وابن حبان في «صحيحه» (4213)، والحاكم في «المستدرك» (6903)، وأبو عوانة في «المستخرج» (4866)، وابن غيلان في «الغيلانيات» (566)، والمخلص في «المخلصيات» (2594) من طريق أحمد بن يحيى بن الوزير، وحرملة، والربيع بن سليمان؛ جميعهم: عن ابن وهب، قال: أخبرني سليمان هو ابن بلال، عن يحيى، وربيعة، عن القاسم، عن عائشة ڤ قالت: (أمر رسول الله r سهلة امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة حتى تذهب غيرة أبي حذيفة، فأرضعته وهو رجل). قال ربيعة: «فكانت رخصة سالم».
قلت: وهذا إسناده كسابقه منكر، ومضطرب، وفيه أن سالما مولى لأبي حذيفة، وليس أنه ابنا لهم بالتبني، وكل هذا من الاضطراب في هذا الحديث، كما تقدم بيان ذلك.
قال الحافظ ابن شاهين في «تاريخ أسماء الثقات» (ص146)؛ عن سليمان بن بلال المدني: (قال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به، وليس ممن يعتمد على حديثه).
قلت: فلا يعتمد على حديث: سليمان بن بلال المدني، في حديث: «رضاع الكبير»، وقد اضطرب فيه، فلا يحتج به.
فمرة: يرويه: عن يحيى بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم، عن عائشة.
ومرة: يرويه: عن يحيى بن سعيد، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، وابن عبد الله بن ربيعة، عن عائشة، وأم سلمة.
ومرة: يرويه: عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن؛ مرسلا عنها.
فهو: حديث مضطرب.
وأورده الحافظ الحاكم في «المستدرك»، وقال الحافظ الذهبي: (صحيح).
قلت: وفي ذلك نظر، فإنه حديث مضطرب في أسانيده وألفاظه.
وقد اختلف على سليمان بن بلال فيه أيضا:
*) فرواه ابن وهب، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى، وربيعة، عن القاسم، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا.
وهو: حديث مضطرب، تقدم تخريجه.
وقد توبع ابن وهب عليه؛ تابعه: سعيد، وعبد الملك: ابنا مسلمة الأموي.
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (6375)، و(ج24 ح739)، وفي «المعجم الأوسط» (8815) من طريق المقدام، عن سعيد وعبد الملك([85])، ثنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، وربيعة بن عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ڤ: (أن النبي r أمر سهلة بنت سهيل، أن ترضع سالما ليذهب ما في نفس أبي حذيفة).
قلت: وهذا إسناده كسابقه منكر، فيه المقدام بن داود الرعيني: ليس بالقوي تكلموا فيه([86])، وسعيد([87]) وعبد الملك([88]): ضعفاء، فلا يلتفت لهذا الإسناد.
فهو: حديث منكر، لا يصح.
**) ورواه يحيى بن حسان، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فجعل الرضعات: «عشرا»).
أخرجه ابن غيلان في «الغيلانيات» (567) من طريق الهيثم بن خلف الدوري، ثنا الحسن بن عبد العزيز، ثنا يحيى بن حسان، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ڤ قالت: (لم يكن يدخل على عائشة إلا من أرضع عشر رضعات، وأمر رسول الله r امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالما فأرضعته وهو رجل).
كذا: قال: «عن عائشة ڤ»، لوحدها.
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، مع أن رواته كلهم ثقات، إلا أنه قد جعل عائشة ڤ تقول بأن: «الرضعات عشرا»، وهو مخالف من أن الرضعات المحرمات هي: «خمس»، فلا يلتفت لهذا الحديث مع كل هذا الاضطراب.
***) ورواه أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، قال: قال يحيى، وأخبرني ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، وابن عبد الله بن ربيعة، عن عائشة، وأم سلمة ﭭ؛ جميعـا. (فزاد في الإسناد: «مع عروة، ابن عبد الله بن ربيعة»، وزاد أيضا: «مع عائشة: أم سلمة»).
كذا: قال: «عن عائشة، وأم سلمة»!.
أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (5315)، وفي «المجتبى» (3224)، وابن عبد البر في «التمهيد» (ج8 ص251) من طريق محمد بن نصر، ومحمد بن إسماعيل؛ كلاهما: عن أيوب بن سليمان بن بلال، قال: حدثني أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان هو ابن بلال، قال: قال يحيى، وأخبرني ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، وابن عبد الله بن ربيعة، عن عائشة، زوج النبي r، وأم سلمة زوج النبي r: (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله r تبنى سالما، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله r زيد بن حارثة، وأنكح أبو حذيفة بن ربيعة سالما ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكانت هند بنت الوليد بن ربيعة من المهاجرات الأول، وهي يومئذ من أفضل أيامى قريش، فلما أنزل الله في زيد بن حارثة ]ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله[ [الأحزاب: 5]؛ رد كل أحد ينتمي من أولئك إلى أبيه، فإن لم يكن يعلم أبوه رد إلى مواليه).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، وهذا واضح فقد زاد في الإسناد، وتغير متنه، ورواته كلهم ثقات، وكل هذا من الاضطراب في أسانيد وألفاظ هذا الحديث.
وهذا الاضطراب: من سليمان بن بلال المدني، فلا يحتج به بمثل هذا الحديث، كما تقدم.
****) ورواه خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن؛ من قولها. (فجعله من قول: عمرة؛ مرسلا).
هكذا: روي مرسلا.
أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (ج8 ص271) من طريق خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن: (أن امرأة أبي حذيفة بن عتبة ذكرت لرسول الله r سالما مولى أبي حذيفة ودخوله عليها فأمرها رسول الله r أن ترضعه فأرضعته وهو رجل كبير بعد ما شهد بدرا).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، وفيه خالد بن مخلد القطواني وقد تكلموا فيه، وهو منكر الحديث([89])، وقد أوقفه من قول عمرة؛ مرسلا، وكل هذا من الاضطراب في هذا الحديث.
* وخالد بن مخلد القطواني، قال عنه أحمد: «له أحاديث مناكير»، وقال ابن سعد: «كان متشيعا، منكر الحديث»، وقال أبو حاتم: «أحاديثه مناكير، لا يحتج به»، وقال الأزدي: «في حديثه بعض المناكير».([90])
* وحديث: «رضاع الكبير»، من مناكير، خالد بن مخلد، فلا يحتج به.
ب) ورواه ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (وزاد في آخره: «التأكيد على سماعه الخبر بهذا اللفظ»، ولم يقل: «إن سالما ابنا بالتبني»، وإنما: «مولى لأبي حذيفة»، وأن التحرج بسبب: «بلوغ سالم»، ليس بسبب: «نزول آية تحريم التبني»).
أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (13884)، ومن طريقه: مسلم في «صحيحه» (1453)، والطبراني في «المعجم الكبير» (6373)، والنسائي في «السنن الكبرى» (5452)، وفي «المجتبى» (3322)، وأحمد في «المسند» (25649)، وأبو عوانة في «المستخرج» (4861)، و(4862)، و(4863)، و(4864)، وأبو نعيم في «المستخرج» (3404)، في «معرفة الصحابة» (3440)، وابن غيلان في «الغيلانيات» (569)، وإسحاق بن راهويه في «المسند» (939) من طريق عبد الرزاق، وسفيان بن حبيب، وروح بن عبادة، وأبي عاصم؛ جميعهم: عن ابن جريج، أخبرنا ابن أبي مليكة، أن القاسم بن محمد بن أبي بكر، أخبره أن عائشة ڤ أخبرته: (أن سهلة بنت سهيل بن عمرو جاءت النبي r فقالت: يا رسول الله إن سالما - لسالم مولى أبي حذيفة - معنا في بيتنا، وقد بلغ ما يبلغ الرجال، وعلم ما يعلم الرجال، قال: أرضعيه تحرمي عليه). وفي لفظ: (وعقل ما يعقل الرجال). وفي لفظ: (أرى ابني؛ يعني: سالما قد بلغ).
قال: «فمكثت سنة أو قريبا منها لا أحدث به وهبته ثم لقيت القاسم فقلت له: لقد حدثتني حديثا ما حدثته بعد. قال: فما هو؟ فأخبرته قال فحدثه عني، أن عائشة أخبرتنيه». وفي لفظ: «فمكثت حولا لا أحدث به، فلقيت القاسم، فقال: حدث به ولا تهبه».
قلت: وهذا إسناده كسابقه منكر، ومضطرب، وهو شبيه بما سلف من حديث ابن أبي مليكة، سوى هذه الزيادة التي زادها ابن جريج في آخره، وتفرد بها ابن جريج عن الجماعة؛ وهم: أيوب السختياني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، فهؤلاء الجماعة الثقات المتقنون لم يذكروها عن القاسم، فهي زيادة شاذة من ابن جريج، ناهيك أن حديث القاسم مضطرب، فمرة يرويه الثقات: هكذا، ومرة يرويه الثقات: عن القاسم مرسلا، ومرة يرويه الثقات: مع تلك الزيادة الشاذة، ومرة: من دونها، ومرة: بألفاظ أخرى، والحديث مضطرب جملة وتفصيلا، لا يحتج به.
وأعل هذه الزيادة الشاذة: الحافظ أبو نعيم الأصبهاني؛ بقوله: (لم يذكر: إسحاق بن راهويه؛ قوله: «فبقيت سنة... إلى آخر الحديث»).
فهو: حديث مضطرب.
ج) ورواه معقل بن عبيد الله، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم؛ مرسلا. (فجعله مرسلا من قول: «القاسم»، ولم يذكر: «عائشة» في الإسناد).
أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (ج3 ص86) من طريق الفضل بن دكين، قال: أخبرنا معقل بن عبيد الله، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد: (أن سهلة بنت سهيل بن عمرو؛ أتت رسول الله r، وهي امرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول الله، سالم مولى أبي حذيفة معي، وقد أدرك ما يدرك الرجال، فقال: أرضعيه، فإذا أرضعته فقد حرم عليك ما يحرم من ذي المحرم).
هكذا: روي مرسلا، عن القاسم بن محمد.
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، وفيه معقل بن عبيد الله الجزري([91]) وهو صدوق، يخطئ.
قال الحافظ ابن حبان في «الثقات» (ج7 ص491): «كان يخطئ، ولم يفحش خطؤه، فيستحق الترك».
وقال أبو الحسن ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (ج2 ص486): (معقل: عندهم: مستضعف).
* وحديث: «رضاع الكبير»؛ من خطأ: معقل الجزري.
فهو: حديث منكر.
وقد توبع على إرساله: معقل بن عبيد الله؛ تابعه: عبيد الله بن أبي زياد، وعبد الرحمن بن القاسم.
أما حديث: عبيد الله بن أبي زياد:
أخرجه إسحاق بن راهويه في «المسند» (708) من طريق الفضل بن موسى، نا عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم بن محمد: (أنه ذكر حديث سالم مولى أبي حذيفة في الرضاعة، قال ثم لم يرخص رسول الله r في رضاع على فرق لأحد بعده).
قلت: وهذا كسابقه منكر، ومضطرب، وقد رواه مرسلا عن القاسم، وعبيد الله بن أبي زياد القداح ليس بالقوي. ([92])
هكذا: روي مرسلا، عن القاسم بن محمد.
* وعبيد الله بن أبي زياد القداح، منكر الحديث.
قال عنه أبو داود: «أحاديثه مناكير»، وقال النسائي: «ليس بالقوي»، وقال أبو أحمد الحاكم: «ليس بالقوي عندهم»، وقال الدارقطني: «ضعيف». ([93])
وقال الحافظ ابن حبان في «المجروحين» (ج2 ص32): (كان ممن يتفرد عن القاسم بن محمد، بما لا يتابع عليه، وكان رديء الحفظ، كثير الوهم).
* فحديث: «رضاع الكبير»، هذا من مناكير عبيد الله بن أبي زياد، فإنه يتفرد عن القاسم بن محمد، فلا يحتج به.
واختلف على عبيد الله بن أبي زياد فيه:
*) فرواه الفضل بن موسى، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم بن محمد؛ مرسلا. (فجعله من قول: القاسم، مرسلا).
وهو: حديث منكر، فيه عبيد الله بن أبي زياد القداح، وهو سيئ الحفظ. ([94])
**) ورواه محمد بن بكر البرساني، وعيسى بن يونس، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد؛ جميعهم: عن عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ڤ. (مسندا، واختلفت ألفاظه، فجعل سهلة هي التي كانت: «تجد في نفسها الحرج»، وليس أنه: «زوجها أبو حذيفة من يجد في نفسه»، وأنها: «كانت تضع ثوبها»، ولم يبين حال سالم من التبني أو أنه مولى).
هكذا: روي متصلا.
أخرجه أحمد في «المسند» (26115)، وابن غيلان في «الغيلانيات» (565)، و(568)، والطبراني في «المعجم الكبير» (6374)، و(ج24 ح738)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (6738) من طريق محمد بن بكر البرساني، وعيسى بن يونس، وأبي عاصم الضحاك بن مخلد؛ جميعهم: عن عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ڤ: (أتت سهلة ابنة سهيل بن عمرو فقالت: يا رسول الله إن سالما كان يدخل علي وأنا واضعة ثوبي، ثم إنه يدخل علي الآن بعدما شب وكبر، فأجد في نفسي من ذلك قال: فأرضعيه، فإن ذلك يذهب بالذي تجدين في نفسك).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، وفيه عبيد الله بن أبي زياد وهو ليس بالقوي([95]) كما تقدم، وقد زاد في الحديث أن سهلة: «كانت تضع ثوبها»، وأنها هي التي كانت: «تجد في نفسها الحرج»، بدلا من: «زوجها أبي حذيفة أنه يجد في نفسه ويغار»، أيضا لم يبين حال سالم من التبني أو أنه مولى، فاختلفت ألفاظه، وكل هذا من الاضطراب في هذه القصة المنكرة، فلا يحتج بها.
فهو: حديث غريب.
2) ورواه عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: القاسم بن محمد؛ مرسلا. (فأرسله، ولم يذكر: «عائشة» في الإسناد).
أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (5451) من طريق محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: (أن النبي r قال لسهلة: أرضعيه، قالت: إنه رجل). فساق الحديث.
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، وهو مرسل، لا يصح.
قال الحافظ النسائي: (خالفه: سفيان الثوري، فأرسل الحديث).
وقال الحافظ العراقي في «طرح التثريب» (ج7 ص133): (قال النسائي: «خالفه سفيان الثوري؛ فأرسل الحديث»؛ ثم رواه من طريق: الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه؛ مرسلا).
واختلف على عبد الرحمن بن القاسم فيه:
أ) فرواه سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: القاسم؛ مرسلا. (فأرسله، ولم يذكر: «عائشة»، في الإسناد).
قلت: تقدم تخريجه، والحكم عليه بالنكارة، والاضطراب.
ب) ورواه حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن سهلة بنت سهيل. (فجعله من مسند: «سهلة امرأة أبي حذيفة»).
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (ج24 ح742)، وابن عبد البر في «التمهيد» (ج8 ص258)، وأحمد في «المسند» (27005)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (3372)، وابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» (ج2 ص846-السفر الثاني)، وابن الجوزي في «جامع المسانيد» (7130) من طريق عفان بن مسلم، وسريج بن النعمان، ويونس بن محمد؛ جميعهم: عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن سهلة بنت سهيل بن عمرو، امرأة أبي حذيفة أنها قالت: (يا رسول الله، إن سالما مولى حذيفة يدخل علي وهو ذو لحية، فقال رسول الله r: أرضعيه، فقلت: كيف أرضعه وهو ذو لحية؟، فقال: أرضعيه، فأرضعته، فكان يدخل عليها).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، ورواته كلهم ثقات، وقد جعلوه من مسند: «سهلة امرأة أبي حذيفة».
فهو: حديث مضطرب.
قال الحافظ أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (ج6 ص3346): (ورواه حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن سهلة؛ من دون: عائشة).
وقال الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» (ج4 ص261): (رواه أحمد، والطبراني في الثلاثة، ورجال أحمد: رجال الصحيح؛ إلا أن الجميع رووه: «عن القاسم بن محمد، عن سهلة»؛ فلا أدري: سمع منها، أم لا).
* وحماد بن سلمة البصري، ساء حفظه لما كبر، فيخطئ ويخالف أحيانا. ([96])
قال الحافظ ابن حجر في «التقريب» (ص269) عن حماد بن سلمة: «وتغير حفظه بآخره».
وقال الحافظ الذهبي في «المغني في الضعفاء» (ج1 ص189): (حماد بن سلمة: إمام ثقة، له أوهام وغرائب، وغيره أثبت منه).
وقال الحافظ البيهقي / في «السنن الكبرى» (ج4 ص93): (وحماد بن سلمة: وإن كان من الثقات إلا أنه ساء حفظه في آخر عمره؛ فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه، ويتجنبون ما يتفرد به، عن قيس بن سعد خاصة وأمثاله).
وقال الإمام أحمد بن حنبل /: (كان حماد بن سلمة: يخطئ، وخطأ كثيرا).([97])
وقال الحافظ البيهقي في «الخلافيات» (ج2 ص50)؛ عن حماد بن سلمة: (لما طعن([98]) في السن ساء حفظه، فلذلك ترك البخاري الاحتجاج بحديثه... فالاحتياط لمن راقب الله أن لا يحتج بما يجد في أحاديثه، مما يخالف الثقات).
قال الإمام مسلم في «التمييز» (ص218): (وحماد بن سلمة: يعد عندهم إذا حدث عن غير ثابت، -كحديثه هذا: وأشباهه-... فإنه يخطئ في حديثهم كثيرا).
وقد توبع عبد الرحمن بن القاسم عليه؛ تابعه: عبد الله بن عثمان بن خثيم
أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (7178)، وفي «المعجم الصغير» (894) من طريق محمد بن أحمد الرقام، نا محمد بن معمر البحراني، ثنا حبان بن هلال، ثنا وهيب بن خالد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن القاسم بن محمد، عن سهلة بنت سهيل ڤ: (أن سالما، مولى أبي حذيفة كان يدخل عليها، وقد وضعت ثيابها، فذكرت ذلك لرسول الله r، فقال: أمصيه، تحرمي عليه).
قلت: وهذا إسناده منكر كسابقه، ومضطرب، وقد تابع عبد الله بن عثمان: حماد بن سلمة، على جعله من مسند: «سهلة».
ج) ورواه سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: القاسم بن محمد، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فجعله من مسند: «عائشة»، ووقع فيه اختلاف في الألفاظ أيضا، فجعل سالما: «حليفا لأبي حذيفة»، بدلا من: «أنه ابنا بالتبني»، وقال: «أن سالما هو من شهد بدرا»، بدلا من: «أن أبا حذيفة هو ممن شهد بدرا»، ومرة يقال: «تبسم النبي»، ومرة: «ضحك»).
أخرجه مسلم في «صحيحه» (1453)، ومن طريقه: ابن حزم في «المحلى بالآثار» (ج10 ص208) من طريق عمرو الناقد، وابن أبي عمر، كلاهما قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ڤ قالت: (جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي r، فقالت: يا رسول الله، إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، وهو حليفه، فقال النبي r: أرضعيه، قالت: وكيف أرضعه؟، وهو رجل كبير، فتبسم رسول الله r، وقال: قد علمت أنه رجل كبير).
زاد عمرو في حديثه: «وكان قد شهد بدرا».
وفي رواية ابن أبي عمر: «فضحك رسول الله r».
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب، وقد وقع اختلاف في ألفاظه، ولم يضبطه الرواة، فتغيرت ألفاظه، فقالوا: «سالم وهو حليفه»، بدلا من: «أنه تبناه»، وأن عمرو الناقد قد زاد: «أن سالما قد شهد بدرا»، بدلا من: «أن أبا حذيفة هو من شهد بدرا»، وأحيانا يقال أن النبي r: «تبسم»، ومرة: «أنه ضحك»، وإيراد مسلم له في «صحيحه»؛ إنما ليبين علته، من الاضطراب في الألفاظ والأسانيد، وكذلك المخالفة للأصول من الكتاب والسنة، وهذا واضح من ألفاظه، وقد تقدم بيان ذلك عنه.
فهو: حديث مضطرب.
وسفيان بن عيينة، قد يهم في الحديث.
فقد وهم: سفيان بن عيينة، في أحاديث؛ منها: ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (ج3 ص1312) من طريق يحيى بن يحيى، وإسحاق بن إبراهيم، وابن أبي عمر، واللفظ: ليحيى بن يحيى، قال ابن أبي عمر: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة ڤ قالت: (كان رسول الله r، يقطع السارق في ربع دينار؛ فصاعدا).
حديث منكر، بهذا: اللفظ، يعني: جعله من فعل النبي r، والصحيح: من قوله r.
وأخرجه إسحاق بن راهويه في «المسند» (983)، والترمذي في «سننه» (1445)، والنسائي في «السنن الكبرى» (7408)، وفي «المجتبى» (ج8 ص451) من طريق علي بن حجر.
وأخرجه أبو داود في «سننه» (4383)، وأحمد في «المسند» (ج6 ص36)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (ج3 ص163)، وأبو عوانة في «المسند الصحيح» (6207) من طريق يونس بن عبد الأعلى.
وأخرجه ابن الجارود في «المنتقى» (824) من طريق محمد بن عبد الله المقرئ، وعبد الله بن هاشم بن حيان.
وأخرجه النسائي في «المجتبى» (ج8 ص45) من طريق قتيبة بن سعيد.
وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (4459) من طريق عبد الجبار بن العلاء.
وأخرجه ابن المبارك في «المسند» (150)، وابن عبد البر في «التمهيد» (ج23 ص380) من طريق أبي طاهر: أحمد بن عمرو.
وأخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (ج8 ص254)، وأبو عوانة في «المسند الصحيح» (6207) من طريق أحمد بن شيبان الرملي.
كلهم: عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة ڤ به.
* هكذا: قال سفيان بن عيينة عن الزهري به: (كان رسول الله r، يقطع السارق في ربع دينار؛ فصاعدا).
* فجعله من فعل النبي r، والصواب: ثبت الحديث من قول النبي r.
* فوهم: سفيان بن عيينة في هذا الحديث.
وخالف: سفيان بن عيينة، الثقات، الأثبات: فجعلوه من قول النبي r؛ منهم: معمر بن راشد الأزدي، ويونس بن يزيد الأيلي، وسليمان بن كثير العبدي، وإبراهيم بن سعد، ومالك، وعبد الرحمن بن خالد، والأوزاعي، وزمعة بن صالح، وابن أخي الزهري؛ فرووه عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة ڤ قالت: قال النبي r: (تقطع اليد في ربع دينار، فصاعدا). وفي رواية: (القطع في ربع دينار).
حديث صحيح
أخرجه البخاري في «صحيحه» (6789)، و (6790)، ومسلم في «صحيحه» (1684)، والطيالسي في «المسند» (1582)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (ج8 ص397)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (1023)، و (1910)، وابن حجر في «تغليق التعليق» (ج5 ص231).
* فجعلوه من قول النبي r.
وهو الصواب. ([99])
* هكذا: يهم سفيان بن عيينة أحيانا.
ومنه: قال الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد» (ج15 ص15): (وقال ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن سهل t، أن رسول الله r: «فرق بين المتلاعنين»، وأنكروه على ابن عيينة). اهـ
ومنه: قال الحافظ الدارقطني في «العلل» (ج10 ص280): (وكان ابن عيينة يضطرب في هذا الحديث).
واختلف على سفيان بن عيينة فيه أيضا:
*) فرواه عمرو الناقد، وابن أبي عمر، كلاهما: عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (وقد زاد عمرو في حديثه: «وكان قد شهد بدرا»، وقال: «تبسم النبي r»، بينما قال ابن أبي عمر: «فضحك رسول الله r»).
قلت: تقدم تخريجه، والحكم عليه بالنكارة والاضطراب.
**) وخالفهما: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، فرواه عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: القاسم، عن عائشة؛ مرفوعا. (ولم يذكر: «تبسم النبي r»، أو: «ضحكه»، ولم يذكر: «أن سالما حليفا لأبي حذيفة»).
أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (5450)، وفي «المجتبى» (3320) من طريق عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعناه من عبد الرحمن وهو ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ڤ قالت: (جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله r فقالت: إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم علي، قال: فأرضعيه، قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟، فقال: ألست أعلم أنه رجل كبير؟، ثم جاءت بعد، فقالت: والذي بعثك بالحق نبيا ما رأيت في وجه أبي حذيفة بعد شيئا أكره).
قلت: وهذا إسناده كسابقه منكر، ومضطرب، ولم يذكر: «تبسم النبي r»، أو: «ضحكه»، ولم يذكر: «أن سالما حليفا لأبي حذيفة»، أو: «ابنا له بالتبني»، ناهيك أنه لم يذكر: «الخمس الرضعات»، ولم يذكر: «أن عائشة كانت تفتي بإرضاع من تشاء أن يدخل عليها»، وكل هذا من الاضطراب في ألفاظ هذا الحديث المنكر، فلا يحتج به.
***) ورواه هشام بن عمار، والحميدي، وابن أبي عمر؛ جميعهم: عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: القاسم بن محمد، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فلم يذكر: «أن سالما حليفا لأبي حذيفة»، وجعل: «سالما هو من شهد بدرا»، بدلا من: «أن أبا حذيفة هو من شهد بدرا»، وقال: «تبسم النبي r»).
أخرجه ابن ماجة في «سننه» (1943)، والحميدي في «المسند» (280)، ومن طريقه: أبو عوانة في «المستخرج» (4865)، وأبو نعيم في «المستخرج» (3402)، وفي «معرفة الصحابة» (7663) من طريق هشام بن عمار، والحميدي، وابن أبي عمر؛ جميعهم: عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ڤ قالت: (جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي r فقالت: يا رسول الله، إني أرى في وجه أبي حذيفة الكراهية من دخول سالم علي، فقال النبي r: أرضعيه، قالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟، فتبسم رسول الله r، وقال: قد علمت أنه رجل كبير، ففعلت، فأتت النبي r، فقالت: ما رأيت في وجه أبي حذيفة شيئا أكرهه بعد، وكان شهد بدرا). وفي لفظ الحميدي: (قال سفيان: قال عبد الرحمن: وقد شهد بدرا).
قلت: وهذا إسناده كسابقه منكر، ومضطرب، وقد تابع هشام بن عمار، والحميدي، وابن أبي عمر: عمرو الناقد على غالب متنه، عدا أنه لم يذكر: «أن سالما كان حليفا لأبي حذيفة»، وكل هذا من الاضطراب في هذا الحديث.
فمنهم: من يذكر: «أن سالما ابنا بالتبني لأبي حذيفة».
ومنهم: من يقول: «أنه مولى لأبي حذيفة».
ومنهم: من يقول: «أنه مولى لامرأة من الأنصار».
ومنهم: من يقول: «أنه حليفا لأبي حذيفة».
ومنهم: من يقول: «هو رجل كان يدخل بيت أبي حذيفة، ولم يبين كونه مولى أو ابنا بالتبني، أو غير ذلك».
ومنهم: من يقول: «أنه رجل كبير».
ومنهم: من يقول: «أنه بلغ لتوه».
ومنهم: من يقول: «أنه شهد بدرا»، بدلا من: «أن أبا حذيفة هو من شهد بدرا».
وهذا الاختلاف: في حال سالم أدى بهم إلى الاختلاف في سبب التحرج من دخوله على بيت أبي حذيفة.
فمنهم: من يقول: «بسبب نزول آية تحريم التبني».
ومنهم: من يقول: «بسبب بلوغه».
ومنهم: من يقول: «لغيرة أبي حذيفة، وأن سالما شيخ كبير!».
وغير ذلك: مما تراه في هذا الحديث المضطرب في أسانيده وألفاظه.
****) ورواه أحمد بن حنبل، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني؛ كلاهما: عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: القاسم بن محمد، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فلم يذكر: «أن سالما حليفا لأبي حذيفة»، وقال: «ضحك رسول الله r»، بدلا من: «تبسم»).
أخرجه أحمد في «المسند» (24108)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (15647)، وفي «السنن الصغير» (2868)، وابن الجوزي في «جامع المسانيد» (ج8 ص308) من طريق أحمد بن حنبل، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني؛ كلاهما: عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة ڤ: (جاءت سهلة بنت سهيل فقالت: يا رسول الله r، إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم علي، فقال: أرضعيه، فقالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟، فضحك رسول الله r، قال: ألست أعلم أنه رجل كبير؟، ثم جاءت فقالت: ما رأيت في وجه أبي حذيفة شيئا أكرهه).
قلت: وهذا إسناده كسوابقه منكر، ومضطرب، وقد تابع أحمد بن حنبل، والزعفراني: ابن أبي عمر على غالب متنه، فقيل: «ضحك رسول الله r»؛ عدا أنه لم يذكر: «أن سالما كان حليفا لأبي حذيفة»، وكل هذا من الاضطراب في هذا الحديث.
*****) ورواه عبد الله بن عبد الحكم، أنا سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: القاسم، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (ولم يذكر شيئـا عن سالم، ولكن ذكر: «تبسم النبي r»).
أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (6376)، و(ج24 ج740) من طريق أبي يزيد القراطيسي، ثنا عبد الله بن عبد الحكم، أنا سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ڤ، قالت: (جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله r، فقالت: يا رسول الله، إني لأرى في وجه أبي حذيفة من أمر سالم، فقال النبي r: أرضعيه، فقالت: إنه كبير، فتبسم رسول الله r، فقال: أو ليس أعلم أنه رجل؟، ثم جاءت، فقالت: والذي أكرمك بما أكرمك به ما رأيت في وجه أبي حذيفة شيئا بعد).
قلت: وهذا كسوابقه منكر، ومضطرب.
******) ورواه محمد بن عباد: عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: القاسم بن محمد، عن عائشة ڤ؛ مرفوعا. (فذكر: «أن سالما حليفا لأبي حذيفة»، وزاد أيضا: «أن أبا حذيفة قد تبناه، وأنه شهد بدرا»، وقال: «فتبسم رسول الله r»).
أخرجه المخلص في «المخلصيات» (1198)، ومن طريقه: أبو بكر المراغي في «مشيخته» (ص 348) من طريق محمد بن عباد: حدثنا سفيان: حدثنا عبد الرحمن، وسمعته يخبر عن أبيه، عن عائشة ڤ قالت: (جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله r فقالت: إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم علي - قال: وكان حليفا لأبي حذيفة، وكان قد تبناه – فقال رسول الله r: اذهبي فأرضعيه، قالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟، قالت: فتبسم رسول الله r، وقال: ألست أعلم أنه رجل كبير، -قال عبد الرحمن: وكان قد شهد بدرا مع رسول الله r-، قالت: ثم جاءت فقالت: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، ما رأيت في وجه أبي حذيفة بعد شيئا أكرهه).
قلت: وهذا إسناده كسوابقه منكر، ومضطرب، وهو على شرط مسلم، ومحمد بن عباد بن الزبرقان صدوق يهم([100])، وقد زاد على من سلف بقوله: «وكان قد تبناه، وأنه قد شهد بدرا»؛ يعني: سالما، وكل هذا من الاضطراب في الألفاظ في هذا الحديث.
فهو: حديث منكر.
*******) ورواه علي بن حرب، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ڤ. (فقال: «وسالم شيخ كبير»!، ولم يذكر حال سالم، ولا: «تبسم النبي r»، أو: «ضحكه»).
أخرجه علي بن حرب الطائي في «حديثه عن سفيان» (86-المدونة الكبرى للمخطوطات، ط الثانية، المجموعة «4»، إعداد أهل الأثر بمملكة البحرين)، ومن طريقه: ابن عبد البر في «التمهيد» (ج8 ص258) من طريق علي بن حرب، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ڤ قالت: (جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي r فقالت إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم علي كراهية، قال: فأرضعيه، قالت: وهو شيخ كبير؟، فقال النبي r: أو لست فاعلم أنه شيخ كبير، فأرضعيه، ثم أتته بعد فقالت: يا رسول الله، ما رأيت في وجه أبي حذيفة شيئا أكرهه).
قلت: وهذا إسناده منكر، ومضطرب جدا، ورواته ثقات، وقد جعلوا: «سالما، وهو شيخ كبير»، وهذا يعني أنه كبير في العمر جدا، فهو مخالف لما قيل من قبل: «أنه بلغ»، وغير ذلك من حال سالم، وكل هذا من الاضطراب في هذا الحديث المنكر، فلا يحتج به.
* الخلاصة: أن هذا الحديث في «رضاع الكبير»؛ لا يثبت، بل هو حديث منكر جدا، لمخالفته للأصول من القرآن، والسنة، والآثار، ولاضطرابه الشديد في الأسانيد والألفاظ.
فلا يصح: عن عائشة ڤ في هذه القصة عن سالم مولى أبي حذيفة، ولا يصح عنها أنها كانت تفتي برضاع الكبير، بل الثابت عنها برواية الثقات الأثبات والذي اعتمده الشيخان وأصحاب السنن والمصنفات عنها: أنها لا ترى الرضاع إلا للطفل في الحولين، لحديثها عن النبي r: «إنما الرضاعة من المجاعة».
وبهذا الحديث: أعل الشيخان وجماعة من أئمة الحديث: «حديث رضاع الكبير»، كما هو ظاهر صنيعهم، فلا يقال أنهم أخرجوه، بل إنهم أعلوه واستنكروه، وقد تقدم بيان ذلك عنهم بالتفصيل، والحمد لله رب العالمين.
هذا آخر ما وفقني الله سبحانه وتعالى إليه، سائلا ربي جل وعلا أن يكتب لي به أجرا، ويحط عني فيه وزرا، وأن يجعله لي عنده يوم القيامة ذخرا... وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
فهرس الموضوعات
|
الرقم |
الموضوع |
الصفحة |
|
1) |
المقدمة.....................................................................................................
|
5 |
|
2) |
ذكر الدليل على ضعف؛ حديث: «رضاع الكبير»، وأنه لم يثبت: أن النبي قال: «لسهلة بنت سهيل، عن أمر سالم مولى حذيفة، أرضعيه، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة»............. |
17 |
|
3) |
ذكر الدليل على إعلال الإمام البخاري؛ لحديث: رضاع الكبير....... |
27 |
|
4) |
ذكر الدليل على إعلال الإمام الترمذي؛ لحديث: رضاع الكبير...... |
33 |
|
5) |
ذكر الدليل على إعلال الإمام مسلم؛ لحديث: رضاع الكبير............ |
36 |
|
6) |
ذكر الدليل على إعلال الإمام النسائي؛ لحديث: رضاع الكبير......... |
46 |
|
7) |
ذكر الدليل على إعلال الإمام مالك؛ لحديث: رضاع الكبير............ |
50 |
|
8) |
ذكر الدليل على ضعف؛ حديث: رضاع الكبير.................................. |
55 |
[1]) انظر: «الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم» للرفاعي (ص18).
[2]) أثر صحيح.
أخرجه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (ص310)، والخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» (1634) بإسناد صحيح.
[3]) انظر: «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر (ج2 ص711)، و«الوهم في روايات مختلفي الأمصار» للوريكات (ص83).
[4]) ومعرفة مناهج النقاد، وفهم عباراتهم في علم علل الحديث.
[5]) انظر: «شرح العلل الصغير» لابن رجب (ج1 ص339).
[6]) أثر صحيح.
أخرجه ابن أبي حاتم في «مقدمة الجرح والتعديل» (ص356). بإسناد صحيح.
[7]) أثر صحيح.
أخرجه ابن أبي حاتم في «مقدمة الجرح والتعديل» (ص356)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (ج2 ص417 و418)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ج52 ص11). بإسناد صحيح.
[8]) أثر صحيح.
أخرجه ابن أبي حاتم في «العلل» (ج1 ص9)، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص112)، والخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» (ج2 ص295)، بإسناد صحيح.
[9]) قلت: أو يعرضه على المؤهلين لهذه المهمة من أهل الحديث.
* وهذا الأمر الذي أشرت إليه من حيث اعتماد العلماء على أهل العلل؛ كمرجعية علمية... لأن هؤلاء كانوا أعلم بهذا العلم من غيرهم.
[10]) انظر: «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر (ج2 ص782).
[11]) قلت: فوضعوا لصيانة الحديث من القواعد والضوابط، التي بها يكون التحاكم إليها عند اختلاف الناس، للحكم على الحديث بالصحة أو الضعف.
[12]) قلت: والكلام في وهم الرواة، ودخول الوهم في الرواية طويل متشعب، وضرورة النقاد التنبيه على مثل هذه الأوهام.
[13]) قلت: ولا ينظر إلى شهرة الأحاديث، والأحكام بين المسلمين؛ بدون نظر في هذه الأحاديث، هل هي صحيحة أو غير صحيحة، وإن صدرت من العلماء رحمهم الله تعالى، لأنهم بشر، ومن طبيعة البشر يخطئون ويصيبون، فافهم هذا ترشد.
قال العلامة الشوكاني / في «نيل الأوطار» (ج1 ص15): (ما وقع التصريح - يعني: الحديث- بصحته أو حسنه جاز العمل به، وما وقع التصريح بضعفه لم يجز العمل به، وما أطلقوه ولم يتكلموا عليه، ولا تكلم عليه غيرهم، لم يجز العمل به؛ إلا بعد البحث عن حاله إن كان الباحث أهلا لذلك). اهـ.
[14]) قلت: وهؤلاء المقلدة المتعصبة أكثرهم مقلدون لا يعرفون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون بين «صحيحه» من «سقيمه»، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبئون بما يبلغهم منه أن يحتجوا به، والله المستعان.
* وعلى هذا عادة أهل التقليد في كل زمان ومكان، ليس لهم إلا آراء الرجال أصابوا أم أخطئوا، ألا إن عذر العالم ليس عذرا لغيره إن تبين: الحق، أو بين له» وقد وردت أقوال العلماء تؤكد هذا الشيء، وتبين موقفهم من تقليدهم، وأنهم تبرءوا من ذلك جملة، وهذا من كمال علمهم، وتقواهم حيث أشاروا بذلك إلى أنهم لم يحيطوا بالسنة كلها.
انظر: «هداية السلطان» للمعصومي (ص19)، وكتابي «الجوهر الفريد في نهي الأئمة الأربعة عن التقليد».
والله ولي التوفيق.
[15]) وكيف كان أهله ينقدون الروايات.
([16]) فهذا الحديث لا يدخل في العقل أبدا، بل العقل السليم يرفضه، ولا يقبله البتة، وأنه ليس من الإسلام.
([18]) ويقال: أن هذه المرأة اسمها: «ثبيتة بنت يعار الأنصارية»، وقيل غير ذلك، وقيل: أنها زوجة أبي حذيفة، وهذا غير صحيح، ولا تصح الآثار في ذلك، فلو كانت زوجته لما أطلق في الحديث عليها: «وسالم مولى لامرأة من الأنصار»، هكذا بالإبهام، وليبينوا أنها زوجته، كما بينوا أن: «سهلة امرأة أبي حذيفة»، فلينتبه لذلك.
* لذلك: قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (ج8 ص60)؛ في ترجمة ثبيتة: (وفي قوله: «إنها امرأة أبي حذيفة»؛ نظر، فقد تقدم في ترجمة: «أبي حذيفة»؛ أن اسم امرأته: «سهلة بنت سهل الأنصارية»؛ إلا أن يقال: كانت له امرأتان!؛ التي أعتقت سالما، والتي أمرت أن ترضعه، فيحتمل على بعد!). اهـ.
([19]) قال الشيخ محمد الهرري في «الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج» (ج16 ص82): (والمراد بالحليف: مولى الموالاة، لا مولى العتق). اهـ.
([20]) قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (ج9 ص133): (وسالم: هو ابن معقل؛ «مولى أبي حذيفة»، ولم يكن: مولاه، وإنما كان يلازمه، بل كان من حلفائه؛ كما وقع في رواية لمسلم). اهـ.
([21]) قال الإمام عبد العزيز بن باز / في «الإفهام في شرح عمدة الأحكام» (ص 667): (حديث عائشة ڤ، أن الرسول r قال: «فإنما الرضاعة من المجاعة»؛ أي: إنما الرضاعة تعتبر: من المجاعة، في حال حاجة الطفل إلى الرضاعة، وذلك في الحولين، فإذا جاوز الحولين، فقد «استغنى عن الرضاعة»، وصار في الغالب يأكل، ويعيش بغير الرضاعة). اهـ.
([22]) قال الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد» (ج8 ص254): (في رواية يحيى بن سعيد لهذا الحديث: «عشر رضعات»، وفي رواية مالك: «خمس رضعات»). اهـ.
([23]) قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (ج9 ص133): (زوجه: «هندا»، كذا في هذه الرواية، ووقع عند مالك: «فاطمة»، فلعل لها اسمين!). اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد» (ج8 ص254): (في هذه الرواية: «هند بنت الوليد بن عتبة»، وفي رواية مالك: «فاطمة ابنة الوليد بن عتبة»؛ وهو: الصواب). اهـ.
قلت: بل هو من الاضطراب في هذا الحديث؛ المضطرب في ألفاظه وأسانيده، فلا يترجح شيء.
لذلك: قال الحافظ الرافعي في «شرح مسند الشافعي» (ج4 ص57): (فاطمة بنت الوليد بن عتبة: وذكرنا هناك أن البخاري رواها في «الصحيح»، لكن قال: «أن أبا حذيفة أنكحه ابنة أخيه: هند بنت الوليد بن عتبة»؛ فربما: أنكحه ابنتين!، وبتقدير أن تكون المنكحة واحدة؛ فيحتمل: أن يكون لها اسمان!، ويحتمل أن يكون الاسم واحدا واختلفت فيه الرواية). والأخير: هو الصواب، أن الروايات اختلفت، واضطربت في ذكر اسمها.
([24]) فالحافظ البخاري قد اطلع على هذه العلل، ولذلك: لم يورده في «صحيحه»، على شرط الصحيح، بل ذكره ليعله.
* هذا يعني: أن الإمام البخاري: كان لديه معايير عالية لصحة الأحاديث.
* وإذا لم يستوف الحديث تلك المعايير، فإنه لا يورده في «صحيحه»، إلا أحيانا يذكره في «صحيحه» ليبين علته، وهذا واضح في ذكره لحديث: «رضاع الكبير».
([25]) قال تعالى: ]والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة[ [البقرة: 233].
وقال تعالى: ]وحمله وفصاله ثلاثون شهرا[ [الأحقاف: 15].
* ثلاثون شهرا: هي سنتان ونصف، ويدخل فيها أقل مدة الحمل: ستة أشهر، فتضاف هذه الستة أشهر من الحمل مع: سنتين للرضاعة، فتصير سنتين ونصفا، هكذا؛ على أن أقل الحمل: هو ستة أشهر.
قال الحافظ البغوي في «شرح السنة» (ج9 ص84): (قوله تعالى: ]والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين[ [البقرة: 233]؛ فدل على أن الحولين تمام مدتها، فإذا انقضت، فقد انقطع حكمها، يروى معناه عن: عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأم سلمة، وهو قول: سفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ويحكى عن مالك أنه جعل حكم الزيادة على الحولين، إذا كان يسيرا؛ حكم الحولين، وقال أبو حنيفة: مدة الرضاع ثلاثون شهرا، لقوله عز وجل: ]وحمله وفصاله ثلاثون شهرا[ [الأحقاف: 15]، وهو عند الأكثرين لأقل مدة الحمل، وأكثر مدة الرضاع، والفصال: الفطام، ومنه قوله عز وجل: ]فإن أرادا فصالا[ [البقرة: 233]؛ أي: فطاما). اهـ.
([26]) قال القاضي عياض في «إكمال المعلم بفوائد مسلم» (ج4 ص640): (قول الله تعالى: ]والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين[ [البقرة: 233]؛ وتمامها: بالحولين على ظاهر القرآن، وهذا: ينفي رضاعة الكبير، وقد قال r في: «صحيح مسلم»: «إنما الرضاعة من المجاعة»، وفي بعض الأحاديث في غير: «كتاب مسلم»: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء والثدي وكان قبل الفطام»؛ وهذا: ينفي رضاعة الكبير). اهـ.
([27]) قال الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد» (ج8 ص260): (وممن قال: «رضاع الكبير: ليس بشيء»؛ ممن رويناه لك عنه، وصح لدينا: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وابن عمر، وأبو هريرة، وابن عباس، وسائر أمهات المؤمنين، وجمهور التابعين، وجماعة فقهاء الأمصار؛ منهم: الثوري، ومالك وأصحابه، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، والطبري، ومن حجتهم: قوله r: «إنما الرضاعة من المجاعة»، و«لا رضاع إلا ما أنبت اللحم والدم»). اهـ.
([28]) فعن عائشة ڤ قالت: (دخل علي رسول الله r وعندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه. قالت: فقلت: يا رسول الله، إنه أخي من الرضاعة. فقال r: انظرن إخوتكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة).
أخرجه البخاري في «صحيحه» (2647)، و(5102)، ومسلم في «صحيحه» (1455)، وغيرهما، من طريق: غندر ومعاذ العنبري وأبي الوليد وبهز وغيرهم، عن شعبة، ومن طريق: وكيع وابن مهدي والفريابي وغيرهم، عن سفيان الثوري، ومن طريق: زائدة، وأبي الأحوص؛ جميعهم: شعبة، والثوري، وزائدة بن قدامة، وأبو الأحوص: يروونه عن أشعث بن أبى الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة ڤ به.
([29]) قال الحافظ العيني في «عمدة القاري» (ج20 ص85): (وقال القاضي: «لعلها حلبته، ثم شربه من غير أن يمس ثديها، ولا التقت بشرتاهما»؛ هذا الذي قاله: حسن، وقال النووي: «يحتمل أنه عفي عن مسه للحاجة، كما خص بالرضاعة مع الكبر»!، وبهذا قالت: عائشة، وداود). اهـ.
* وهذا قول العيني: أن ظاهر الأحاديث الواردة في: «رضاع الكبير»: مباشرة المس، وبهذا قال: داود الظاهري، وعائشة كما يزعم؛ ولكن حديث عائشة ڤ في «رضاع الكبير»: لا يصح، ولم يثبت عنها، فإنه معلول، فلا ينسب لها هذا القول بذلك.
وقال الشيخمحمد الإثيوبي في «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى» (ج27 ص330): (قال النووي: «قال القاضي: لعلها حلبته، ثم شربه من غير أن يمس ثديها، ولا التقت بشرتاهما، وهذا الذي قاله القاضي: حسن، ويحتمل أنه عفي عن مسه للحاجة، كما خص بالرضاعة مع الكبر». انتهى؛ قال الإثيوبي: الاحتمال الثاني هو القوي؛ وأما ما أخرجه ابن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري، عن أبيه قال: «كانت تحلب في مسعط، أو إناء، قدر رضعة، فيشربه في كل يوم، حتى مضت خمسة أيام، فكان بعد يدخل عليها، وهي حاسر، رخصة من رسول الله r، لسهلة»؛ ففي إسناده: الواقدي وهو شديد الضعف، وهو أيضا: مرسل). اهـ.
* قلت: وقد جاء في أحد ألفاظ الحديث: «أمصيه، تحرمي عليه»، وهو ظاهر في ذلك.
([30]) هكذا رواه الإمام البخاري / في كتاب: «المغازي»، من «صحيحه»؛ عند ذكره: «لمن شهد بدرا»، ولم يتم الحديث، فاقتطع منه قصة: «رضاع الكبير»، ولم يذكرها، إعلالا منه لها، وبيانا لنكارتها.
* ومنه: ما قاله العلامة الشيخ المعلمي / في «مجموع آثاره» (ج2 ص301)؛ عند إعلاله لحديث: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب،... الحديث»؛ الذي أخرجه البخاري في «صحيحه»؛ فقال الشيخ: (ومما ينبغي التنبه له: أن الشيخين، أو أحدهما؛ قد يوردان في «الصحيح»: حديثا ليس بحجة في نفسه، وإنما يوردانه لأنه: شاهد لحديث آخر ثابت، ثم قد يكون في هذا الحديث الذي ذكراه: شاهدا زيادة، لا شاهد لها، فيجيء من بعدهما: يحتج به!، بالنسبة لتلك الزيادة، وربما حمل الحديث على آثار معنى آخر، غير المعنى الذي فهمه صاحب الصحيح، وبنى عليه أنه: شاهد للحديث الآخر، وبالجملة، فمن أراد الاحتجاج بالحديث لا يستغني عن النظر في إسناده، بعد أن يكون له من المعرفة ما يؤهله لهذا الأمر، وإلا أوشك أن يضل ويضل). اهـ.
قلت: فيتبين أن الشيخين قد يوردان حديثـا معلولا، لكن مقصدهما منه: شاهد في هذا الحديث الذي أورداه، أو جملة واحدة فيه، وهي موضع الشاهد، وليس مقصدهما الاحتجاج بالحديث كله، هذا مع ذكرهما للحديث بأكمله؛ فكيف لو حذف منه الألفاظ المنكرة، وتعمد اقتطاعها، فهذا ظاهر في إعلاله لما تعمد حذفه، ولهذا أمثلة؛ وخاصة عند البخاري /.
* ومنه: قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (ج9 ص142): (قد أخرجه البخاري عنه، لكن «حذف هذا الاسم-درة بنت أبي سفيان-»، وكأنه: عمدا، وكذا وقع في هذه الرواية: «زينب بنت أم سلمة»، و«حذفه البخاري» أيضا منها). اهـ.
قلت: وإنما تعمد البخاري الإعراض عنها وحذفها؛ لما يرى أنها ألفاظ منكرة أو معلة في الحديث، فافطن لهذا ترشد.
* ولمزيد من الفائدة في طرق إعلال الإمام البخاري للأحاديث في «صحيحه»؛ فليراجع كتابي: «تنبيه أولي الأبصار على أن الإمام البخاري قد ذكر في صحيحه أحاديث معللة، لا تصح في عدة من الأبواب».
([31]) قال الحافظ العراقي في «طرح التثريب» (ج7 ص132): (وأخرجه البخاري في المغازي من «صحيحه» من طريق عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة «أن أبا حذيفة،... قال: فذكر الحديث»: ولم يسق البخاري بقيته، وساقها البيهقي في «سننه»، من هذا الوجه، كرواية أبي داود، ورواه البخاري أيضا: من رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عروة عن عائشة، وساق منه إلى قوله: «وقد أنزل الله ما قد علمت، وقال: فذكر الحديث»، وعزو البيهقي هذه الرواية، والتي قبلها: للبخاري؛ يوهم أنه: أخرج منه «رضاع الكبير»، الذي بوب عليه البيهقي؛ وليس كذلك، ولهذا اقتصر الشيخ في النسخة الكبرى من الأحكام: على عزو الحديث لمسلم، لأن المقصود منه: «لم يخرجه البخاري»، لكنه سكت عليه في الصغرى، ومقتضاه اتفاق الشيخين عليه، والمراد حينئذ: أصل الحديث). اهـ.
([33]) كما سيأتي تخريجها، وبيان الاختلاف في الأسانيد والألفاظ بالتفصيل.
فمرة: يذكره مسلم: «أن سالما قد تبناه أبو حذيفة، وهو مولى لامرأة من الأنصار».
ومرة: أورده مسلم: «بأن سالما مولى أبي حذيفة ولم يذكر تبنيه».
ومرة: «أن سبب التحرج من دخوله عليهم هو بلوغ سالم لأنه حليف أبي حذيفة»، ومرة: «أن سبب التحرج من دخوله عليهم هو نزول آيات تحريم التبني لأنه كان ابنا لهم»، وغير ذلك مما سيأتي بيانه مفصلا في ثنايا البحث.
([36]) فمما رواه مسلم من الألفاظ في قصة رضاع الكبير: «أن أم سلمة، قالت لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع، الذي ما أحب أن يدخل علي، قال: فقالت عائشة: أما لك في رسول الله r أسوة؟... فذكرت: قصة سالم مولى أبي حذيفة».
* وأيضا روى مسلم هذه القصة بلفظ: «أن أم سلمة، قالت لعائشة: والله ما تطيب نفسي أن يراني الغلام قد استغنى عن الرضاعة!، فقالت: لم، قد جاءت سهلة... فذكرت: قصة سالم مولى أبي حذيفة».
* قلت: وأنت ترى هذا اللفظ فيه: «أنه طفل صغير قد استغنى عن الرضاعة»، وهذا أمر غير مستنكر أن يراها، فكيف تستنكر أم سلمة ذلك، وكيف تستدل لها عائشة بحديث رضاع الكبير!؟، مما يدل أن الحديث مضطرب وألفاظه منكرة، ومختلفة، بل ومخالفة للأحاديث الصحيحة الصريحة عن عائشة ڤ: في أن الرضاعة من المجاعة، يعني: أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة هي حيث يكون الرضيع: طفلا يسد اللبن جوعته، لأنه لا يطعم الطعام، وليس الرضاع للكبير؛ فإنه ليس لسد جوع، فلينتبه لطريقة الأئمة في تعليل الأحاديث، وليس أنهم يحتجون بها، فتنبه.
([37]) فإذا كنت أيها المقلد المتعالم لا تستطيع التفريق، ولا معرفة هذا العلم، فبأي حق تتطاول على أهل الحديث في هذا الزمان، إذا بينوا علة حديث في «الصحيحين»، ومراعاة لأصول الحديث، وحفظا للسنة الصحيحة.
* فإذا عرضوا لك حديثا معلولا في «الصحيحين»، أو في غيرهما، ولم يستسغه عقلك الشارد، وفهمك السقيم، فلم تبادر بجهلك الفاضح إلى اتهام أهل الحديث بتضعيف الأحاديث؟.
([40]) قال الإمام مسلم في «صحيحه» (ج1 ص4): (ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام، إلا بأن يوقفه على التمييز غيره). اهـ
([41]) وانظر: «إكمال المعلم» للقاضي عياض (ج1 ص105)، و(ج5 ص369)، و«إكمال إكمال المعلم» للأبي (ج5 ص607)، و«مكمل إكمال الإكمال» للسنوسي (ج5 ص607)، و«مقدمة الإلزامات والتتبع» للشيخ الوادعي (ص13)، و«التعليق على صحيح مسلم» لشيخنا ابن عثيمين (ج1 ص19)، و«مقارنة المرويات» للشيخ اللاحم (ج2 ص481).
([42]) وانظر: «شرح العلل الصغير» لابن رجب (ج1 ص436)، و«لسان الميزان» لابن حجر (ج1 ص264)، و «التمهيد» لابن عبد البر (ج1 ص364 و366)، و«فتح المغيث» للسخاوي (ج3 ص68)، و«تصحيفات المحدثين» للعسكري (ج1 ص10)، و«تقييد المهمل» للغساني (ج1 ص8).
([43]) يبين الإمام النسائي أن الحديث: يرويه الثقات الأثبات؛ مرة: موصولا، ومرة: مرسلا، فهو مضطرب معلول، لا يثبت من ذلك شيء، فتنبه.
([44]) قلت: يبين الإمام النسائي الاضطراب أيضا في هذه الأسانيد.
فمرة: يروى من الثقات: «عن الزهري، عن عروة؛ أنه قال ذلك».
ومرة: يرويه الثقات: «عن الزهري، عن أبي عبيدة!، عن أمه زينب، عن أم سلمة؛ أنها من قالت ذلك».
ومرة: يرويه الثقات: «عن زينب، عن عائشة»، فكلها أسانيد مضطربة، لا يصح منها شيء، والإمام النسائي يعلها بذلك، فتنبه.
([45]) قلت: وقد روي عن مالك أيضا متصلا، ولكنه معلول بمخالفة الجماعة من أصحاب مالك وهم كثر، يروونه مرسلا عن عروة، كما سيأتي تفصيل ذلك في ثنايا البحث.
ولو فرضنا: أن الرواية المتصلة صحيحة، فهذا أكبر دليل على إعلال الإمام مالك لها، فأورد في «الموطأ»: المرسل فقط، وأعرض عن الموصول، ليبين أن هذا الحديث: معلول بالإرسال، فإنه مضطرب جدا في أسانيده، ثم أعله بمخالفة الأصول من السنة والآثار، كما هو ظاهر.
([46]) وهذا يعني أنه طفل صغير، وهذه الأحاديث اختلطت على الرواة بأحاديث: «رضاع الكبير»، ولم يضبطوها، فإنها متشابهة في ألفاظها جدا، كما سيأتي بيان ذلك في ثنايا البحث.
([47]) قلت: ومن هذا يتبين أن الأمر ليس خاصا بعائشة ڤ؛ كما يقال: أنها انفردت من دون سائر أزواج النبي r، وإنما هذه الآثار في رضاع الطفل الرضيع، ولكن الرواة لم يضبطوها فاختلطت عليهم بالكبير، وخاصة في حديث عائشة ڤ، ولا يصح في ذلك شيء.
([48]) ولا زال يذكر الإمام مالك هذا في: باب إرضاع الطفل الصغير، مما يتبين أن هذه الأحاديث اختلطت على الرواة بأحاديث: «رضاع الكبير»، ولم يضبطوها، فإنها متشابهة جدا.
([49]) وهذا هو قول الإمام مالك / المعتمد، وذكر بعد ذلك مباشرة: حديث: «رضاع الكبير»؛ ليعله، فافطن لهذا ترشد.
([53]) قال الحافظ النووي في «شرح صحيح مسلم» (ج10 ص30): (فقالت عائشة، وداود-الظاهري-: تثبت حرمة الرضاع برضاع البالغ، كما تثبت برضاع الطفل؛ لهذا الحديث -حديث سالم مولى أبي حذيفة-، وقال سائر العلماء: من الصحابة، والتابعين، وعلماء الأمصار إلى الآن: لا يثبت؛ إلا بإرضاع من له دون سنتين،... واحتج الجمهور: بقوله تعالى: ]والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة[ [البقرة: 233]، وبالحديث الذي ذكره مسلم: «إنما الرضاعة من المجاعة»، وبأحاديث مشهورة). اهـ.، وكما علمت: فإن عائشة ڤ لم يثبت عنها ذلك، فإنه حديث معلول، لا يصح عنها، وهي مع إجماع الصحابة في ذلك.
([55]) انظر: «الثقات» لابن حبان (ج9 ص11)، و«الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة» لقطلوبغا (ج7 ص537).
* وفياض بن زهير، هذا لا يعرف في الحديث، والضعف بين عليه في ذكره لهذا الحديث.
([57]) قلت: وإن كان يذكر عن سالم أنه شهد بدرا في أحاديث أخرى، ولكن هذا الحديث لم يأت فيه ذلك، وإنما ذكر فيه عن أبي حذيفة؛ أنه ممن شهد بدرا، كما رواه من سلف بهذا اللفظ.
([59]) قال الإمام عبد العزيز بن باز / في «الإفهام في شرح عمدة الأحكام» (ص 667): (حديث عائشة ڤ، أن الرسول r قال: «فإنما الرضاعة من المجاعة»؛ أي: إنما الرضاعة تعتبر: من المجاعة، في حال حاجة الطفل إلى الرضاعة، وذلك في الحولين، فإذا جاوز الحولين، فقد «استغنى عن الرضاعة»، وصار في الغالب يأكل، ويعيش بغير الرضاعة). اهـ.
([60]) انظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج12 ص615 و616)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (ج8 ص363)، و«التاريخ» برواية: الدوري (ج2 ص234 و553).
([65]) قلت: ولا يلزم من هذه العبارة، أن يكون الحديث المتصل: صحيحا، بل مراد الحافظ الدارقطني /: أرجحه، وهو غير محفوظ، لاضطرابه، فانتبه.
([66]) انظر: «التقريب» لابن حجر (ص607)، و«التاريخ الكبير» للبخاري (ج6 ص130)، و«الضعفاء والمتروكين» للنسائي (ص154)، و«تهذيب الكمال» للمزي (ج18 ص52)، و«الضعفاء» للعقيلي (ج3 ص107).
([67]) انظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج5 ص373)، و«تهذيب الكمال» للمزي (ج15 ص487)، و«الضعفاء والمتروكين» لابن الجوزي (ج2 ص136)، و«الضعفاء» للعقيلي (ج2 ص364).
([76]) انظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج11 ص302)، و«تاريخ بغداد» للخطيب (ج2 ص29 و31)، و«التاريخ» برواية: الدوري (ج3 ص225)، و«التاريخ الكبير» لابن أبي خيثمة (ج2 ص324)، و«التاريخ» لأبي زرعة الدمشقي (ج2 ص460)، و«السؤالات» للبرقاني (ص58).
([77]) انظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج5 ص762)، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر (ج23 ص309)، و«الكامل في الضعفاء» لابن عدي (ج5 ص25 و26)، و«التاريخ» برواية: الدوري (ج2 ص189)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (ج4 ص395)، و«أحوال الرجال» للجوزجاني (ص113).
([80]) انظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج11 ص735)، و«الضعفاء» للعقيلي (ج4 ص88)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (ج7 ص304)، و«تعليقات الدارقطني على المجروحين» (ص232)، و«المجروحين» لابن حبان (ج2 ص249).
([81]) انظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج11 ص735)، و«التاريخ» برواية: الدارمي (ص48)، و«التاريخ» برواية: الدوري (ج3 ص167)، و«التاريخ الكبير» لابن أبي خيثمة (ج2 ص349)، و«الضعفاء» للعقيلي (ج4 ص88)، و«المجروحين» لابن حبان (ج2 ص249)، و«السؤالات» لابن أبي شيبة (ص123)، و«السنن الكبرى» للنسائي (ج9 ص222)، و«العلل» للدارقطني (ج1 ص171).
([82]) وقال الزهري في هذا الإسناد: «وأخبرني سالم أنه دخل على أم كلثوم بنت أبي بكر لترضعه خمس رضعات ليدخل على عائشة فيسمع منها فأرضعته رضعتين أو ثلاثا ثم مرضت فلم يدخل عليها».
قلت: وهو كما تقدم إسناد منكر، ومضطرب، ولا أدل على ذلك؛ من أن سالم بن عبد الله بن عمر قد رواه: في أن ذلك كان له وهو: «رضيع»، يعني: طفل يرضع، وليس وهو كبير، مما يتبين أن الأحاديث قد تداخلت على الرواة فلم يضبطوها، فهي مضطربة جدا، فلا يحتج بشيء من ذلك.
أخرجه الإمام مالك في «الموطأ» (ج4 ص867) عن نافع؛ أن سالم بن عبد الله أخبره: (أن عائشة أم المؤمنين ڤ، أرسلت به وهو «يرضع»، إلى أختها أم كلثوم بنت أبي بكر، فقالت: أرضعيه عشر رضعات، حتى يدخل علي، قال سالم: فأرضعتني أم كلثوم ثلاث رضعات، ثم مرضت، فلم ترضعني غير ثلاث مرار، فلم أكن أدخل على عائشة، من أجل أن أم كلثوم، لم تتم لي عشر رضعات).
قلت: وكل هذا من الاضطراب كما ترى، وإن كان رجاله ثقات.
([84]) انظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج8 ص516 و517)، و«تاريخ بغداد» للخطيب (ج12 ص273)، و«الضعفاء» للعقيلي (ج3 ص564)، و«الطبقات الكبرى» لابن سعد (ج9 ص290 و291)، و«رجال البخاري» للكلاباذي (ج2 ص495)، و«السؤالات» للآجري (ص208)، و«أجوبة: أبي زرعة الرازي على أسئلة البرذعي» (ج2 ص634)، و«التعديل والتجريح» للباجي (ج3 ص1036).
([90]) انظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج4 ص14)، و«العلل ومعرفة الرجال» برواية: عبد الله (ج2 ص18)، و«الطبقات الكبرى» لابن سعد (ج6 ص406)، و«التعديل والتجريح» للباجي (ج2 ص554)، و«الضعفاء» للعقيلي (ج1 ص581).
([93]) انظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج8 ص582)، و«الضعفاء والمتروكين» للنسائي (ص156)، و«الأسامي والكنى» لأبي أحمد الحاكم (ج4 ص100)، و«المجروحين» لابن حبان (ج2 ص32).
([96]) وانظر: «ميزان الاعتدال» للذهبي (ج1 ص590)، و«المغني في الضعفاء» له (ج1 ص189)، و«تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج3 ص11).