الرئيسية / سلسلة نسف شبهات وسرابات عثمان الخميس الإخواني الكويتي في المنهج والعلم والسيرة والتاريخ / رجم الغبي عثمان الخميس لافترائه على صحابة النبي
رجم الغبي عثمان الخميس لافترائه على صحابة النبي
رجم الغبي
عثمان الخميس لافترائه على صحابة النبي ﷺ
وهو:
رد على عثمان الخميس؛ حيث زعم أن الفتنة قد هاجت بين صحابة النبي ﷺ، في معركة الجمل، ووقع بينهم قتال في التاريخ الإسلامي، وكل ذلك من الكذب في الدين
تأليف
فضيلة الشيخ المحدث الفقيه
أبي عبد الرحمن فوزي بن عبد الله الحميدي الأثري
حفظه الله ورعاه
رب يسر ولا تعسر
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
]يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون[ [آل عمران:102].
]يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا[ [النساء: 1].
]يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما[ [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد r، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
* لا تخفى أهمية علم الرجال والعلل في الحفاظ على السنة النبوية، وحمايتها من أن يدخل فيها ما ليس منها، فهو الميزان الذي تعرض عليه أحوال الناقلين لأحاديث رسول الله r، وبه يميز الصادق من الكاذب، والثقة من الضعيف، والضابط من غير الضابط.([1])
قال الإمام علي بن المديني /: (التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم).([2])
قلت: فيعد علم علل الحديث من أهم أنواع علوم الحديث، وأشرفها على الإطلاق؛ ذلك لما له من وظيفة غاية في الدقة والأهمية، وهي الكشف عما يعتري الثقات من أوهام.
قال الحافظ الخطيب / في «الجامع» (ج2 ص294): (معرفة العلل أجل أنواع علم الحديث).اهـ.
وقال الحافظ الحاكم / في «معرفة علوم الحديث» (ص112): (هذا النوع منه معرفة علل الحديث، وهو علم بـرأسـه غير الصحيح والسقيم، والجرح والتعديل). اهـ.
قلت: وهذا العلم يعد من أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غائصا، واطلاعا حاويا، وإدراكا لمراتب الرواة الثقات، ومعرفة ثاقبة في علل الحديث.([3])([4])
قال الحافظ ابن رجب / في «شرح العلل الصغير» (ج4 ص662): (اعلم أن معرفة صحة الحديث وسقيمه يحصل من وجهين:
أحدهما: معرفة رجاله، وثقتهم وضعفهم، ومعرفة هذا هين: لأن الثقات والضعفاء قد دونوا في كثير من التصانيف، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التآليف.
الوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع، ونحو ذلك.
* وهذا هو الذي يحصل من معرفته وإتقانه، وكثرة مـمـارسـتـه الوقوف على دقائق علل الحديث). اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب / أيضا في «شرح العلل الصغير» (ج4 ص662): (ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عدم المذاكرة به، فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين به؛ كيحيى بن سعـيـد القطان، ومن تلقى عنه؛ كأحمد بن حنبل، وابن معين، وغيرهما.
* فمن رزق مطالعة ذلك وفهمه وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة، صلح له أن يتكلم فيه). اهـ.
قلت: لأن علم العلل هو أدق علوم الحديث، وأغمض أنواع الحديث، ولا يقوم به إلا من فهمه الله تعالى هذا العلم الثاقب.
قال الحافظ ابن حجر / في «النكت» (ج2 ص711): (وهذا الفن أغمض أنواع الحديث، وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غائصا، واطلاعا حاويا، وإدراكا لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد من أئمة هذا الشأن وحذاقهم، وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك).اهـ.
قلت: ولأن هذا العلم بحاجة إلى إحاطة تامة بالرواة والأسـانـيـد، فقد قل المتكلمون فيه في كل عصر.
قال الإمام ابن مندة /: (إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفرا يسيرا من كثير ممن يدعي علم الحديث).([5]) اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر / في «النكت» (ج2 ص711): (لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم). اهـ.
قلت: وقد اشتكى العلماء قديما من ندرة المؤهلين للنظر في هذا العلم، بل في وجودهم أصلا في بعض العصور.
قال الإمام أبو حاتم الرازي /؛ لما مات أبو زرعة الرازي /: (ذهب الذي كان يحسن هذا المعنى – أي: التعليل – يعني: أبا زرعة، ما بقي بمصر، ولا بالعراق أحد يحسن هذا).([6])
وقال الإمام أبو حاتم الرازي /: (جرى بيني، وبين أبي زرعة يوما تمييز الحديث ومعرفته؛ فجعل يذكر أحاديث، ويذكر عللها.
وكذلك كنت أذكر أحاديث خطأ وعللها، وخطأ الشيوخ.
فقال أبو زرعة، لي: يا أبا حاتم، قل من يفهم هذا، ما أعز هذا، إذا رفعت هذا من واحد واثنين؛ فما أقل من تجد من يحسن هذا، وربما أشك في شيء، أو يتخالجني شيء في حديث، فإلى أن ألتقي معك، لا أجد من يشفيني منه!). ([7])
وقال الحافظ ابن الجوزي / في «الموضوعات» (ج1 ص31): وهو يتكلم عن نقاد الحديث: (غير أن هذا النسل قد قل في هذا الزمان فصار أعز من عنقاء مغرب). اهـ.
وقال الحافظ ابن الجوزي / في «الموضوعات» (ج1 ص31): (فكان الأمر متحاملا إلى أن آلت الحال إلى خلف لا يفرقون بين صحيح وسـقـيـم، ولا يعرفون نسرا من ظليم). اهـ.
قلت: يرحم الله أئمة الحديث، كيف لو أدركوا زماننا؛ ماذا عسى هؤلاء أن يقولوا؛ اللهم غفرا.
* ونظرا لوظيفته في الكشف عن الأوهام نجد ناقد العلل يفرح لظفره بعلة حديث عنده أكثر من فرحه بأحاديث جديدة يضيفها إلى رصيده.
قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي /: (لأن أعرف علة حديث هو عندي أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثا ليست عندي).([8])
* وتقديرا لأهمية هذا العلم لكشف الأوهام في الأحاديث؛ فإن كبار المحدثين إذا شك أحدهم في رواية جمع طرقها، ونظر في اختلافها؛ ليعرف علتها.
قلت: لأن هذا هو السبيل لكشفها.
قال الحافظ الخطيب / في «الجامع» (ج2 ص295): (والسبيل إلى معرفة علة الحديث([9]) أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، وتعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان، والضبط). اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر / في «النكت» (ج2 ص711): (مدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف). اهـ.
قلت: ونص نقاد الحديث على مبادئ هذا العلم، ووسائل معرفته.
فقال الحافظ الحاكم / في «معرفة علوم الحديث» (ص113): (والحجة فيه عندنا: الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير). اهـ.
قلت: فالأمر هذا إذن يأتي بالمذاكرة والحفظ، والبحث والتخريج، وملازمة أصحاب الحديث، والاطلاع الواسع على الأسانيد، والمداومة على قراءة مصنفات أهل الحديث.
قال العلامة المعلمي / في «مقدمته للفوائد المجموعة» (ص9): (القواعد المقررة في مصطلح الحديث، منها: ما يذكر فيه خلاف، ولا يحقق الحق فيه تحقيقا واضحا، وكثيرا ما يختلف الترجيح باختلاف العوارض التي تختلف في الجزئيات كثيرا، وإدراك الحق في ذلك يحتاج إلى مـمـارسـة طويلة لكتب الحديث، والرجال والعلل، مع حسن الفهم وصلاح النية). اهـ.
وقال الحافظ العلائي /: (إن التعليل أمر خفي لا يقوم به إلا نقاد أئمـة الحديث، دون من لا اطلاع له على طرقه وخفاياها).([10]) اهـ.
قلت: ومنهج جمع الروايات ومقارنتها؛ لتمييز الصواب من الخطأ فيها، هو منهج أهل الحديث القويم. ([11])
* فيستنكر النقاد أحيانا بعض ما ينفرد فيه الثقات من الحديث، ويردون غرائب رواياتهم، بالرغم من ثقتهم، واشتهارهم بالعلم.
قال الحافظ ابن رجب / في «شرح العلل الصغير» (ج2 ص582): (وأما أكثر الحفاظ المتقدمين؛ فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه أنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه؛ كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه).اهـ.
قلت: فيعد وهم الراوي وما يتابعه من مسائل، من أكثر قضايا علوم الحديث، التي شغلت بال النقاد، ونجد إعلالهم لكثير من الروايات بهذه العلة واضحا متوافرا في كتب الرجال والعلل، كما أنهم عنوا بمعرفة وحصر كل راو ثبت أنه عانى من الوهم، والخطأ، والخلط، وصنفت في ذلك كتب من قبل الحفاظ ولا يستغني مشتغل بالحديث وعلله عن معرفة هؤلاء؛ المختلطين والمخطئين، وما لكل واحد منهم من روايات دخلها الوهم والغلط.
* ولهذا كان النقاد يجدون مشقة بالغة، وهم يفتشون في أسانيد مختلفي الأمصار ويتفحصونها.
قلت: ولأجل هذه الصعوبة التي ذكرت، ينبغي للناقد الذي يريد اكتشاف الوهم في روايات مختلفي الأمصار، أن يكون ذا دراية تامة، وإحاطة شاملة بالمختلطين والمخطئين وأخبارهم، وأساليبهم في ذلك، وعمن أخطئوا، وعدد رواياتهم الشاذة إلى غير ذلك من قضايا تساعد في تجلية هذه المشكلة حتى يتسنى له اكتشاف الوهم في الروايات. ([12])
* ولذلك على المسلم الحق أن يطلب العلم، ويسلك سبيله، ويعمل بحقه؛ لكي يضبط أصول الكتاب الكريم، والسنة النبوية.
قلت: فيعمل جادا في البحث([13]) عما يستنبط منهما من معان، وأحكام فقهية؛ لكي يتعبد الله تعالى بما شرعه في دينه، وفيما ثبت وصح عن النبي r، لأنه لا يجوز لأحد كائنا من كان أن يتعبد الله تعالى؛ إلا بما شرعه في دينه، ولذلك يحرم على المسلم أن يتعبد الله تعالى بالأحاديث الضعيفة، أو الألفاظ الشاذة، أو المنكرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «قاعدة جليلة» (ص162): (لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة، التي ليست صحيحة ولا حسنة). اهـ.
وقـال الــعــلامـة الــشــوكــانـي / في «إرشـــاد الـــفــــحــــول» (ص48): (الضعيف الذي يبلغ ضعفه إلى حد لا يحصل معه الظن لا يثبت به الحكم، ولا يجوز الاحتجاج به في إثبات شرع عام، وإنما يثبت الحكم بالصحيح والحسن لذاته، أو لغيره، لحصول الظن بصدق ذلك، وثبوته عن الشارع). اهـ.
قلت: والتعبد لله تعالى بغير ما شرعه من أخطر الأمور على العبد؛ لما يجعله يحاد الله تعالى، ورسوله r.([14])
* لأن التشريع من الله تعالى لهذه الأمة الإسلامية ينزل على الرسول r عـن طريق الوحيين: «الكتاب والسنة»، ]وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى[ [النجم: 3-4]، ولم يقبض الله تعالى رسول الله r إليه إلا بعد أن أكمل له ولأمته هذا الدين؛ فأنزل عليه قبل وفاته بأشهر في حجة الوداع، قوله تعالى: ]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا[ [المائدة: 3].
قلت: فكان كمال الدين من نعم الله تعالى العظيمة على هذه الأمة الإسلامية، ولذا كانت اليهود تغبط المسلمين على هذه الآية؛ لما أخرجه البخاري في «صحيحه» (ج1 ص105)، ومسلم في «صحيحه» (ج4 ص2362): (أن رجلا من اليهود جاء إلى عمر t فقال: آية في كتابكم تقرؤونها لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال أي آية قال: ]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا[ [المائدة: 3]).
قلت: فإذا تقرر ذلك؛ فإنه لا يجوز لمسلم أن يزيد في دين الله تعالى ما ليس منه، ولا يعبد الله تعالى؛ إلا بما شرع الله تعالى، ورسوله r، بل يجب على المسلمين جميعا أن يخضعوا لأمر الله تعالى، ورسوله r، وأن لا يتبعوا في الدين ما لم يأذن به الله تعالى، ولم يشرعه رسوله r مهما رأوه حسنا؛ لأن الدين قد كمل.
قلت: وبعد استعراض هذه الفوائد العلمية؛ لعلم أصول الحديث، فإنه يظهر من خلالها ما تعود به من الخير على طلبة العلم، وعليه فإنهم مطالبون بإتقان أدوات هذا العلم([15])، والتمرس فيه، وإلا وقعوا في أوهام فاحشة هي عكس هذه الفوائد الحديثية.
هذا وأسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب جميع الأمة الإسلامية، وأن يتقبل مني هذا الجهد، وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون، وأن يتولانا بعونه ورعايته، إنه نعم المولى، ونعم النصير، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
أبو عبد الرحمن
فوزي بن عبد الله بن محمد الحميدي الأثري
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
ذكر الدليل على ضعف أثر محمد بن سيرين /، في فتنة مقتل عثمان بن عفان t، وليس هذا الأثر في فتنة: «معركة الجمل»، ولا في فتنة: «معركة صفين».
عن محمد بن سيرين / قال: (هاجت الفتنة، وأصحاب رسول الله r، عشرة آلاف، فما حضر فيها منهم: مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين).
أثر ضعيف، مرسل
هكذا: هذه الرواية: «بل لم يبلغوا ثلاثين»، على الجزم.
* ولم يقل: «قيل: لا يبلغون ثلاثين»، بصيغة: التمريض، كما في الرواية: الثانية.
* وقد اضطرب الرواة في هذا الأثر في سنده، وفي متنه:
فأخرجه عبد الله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (ج3 ص182)، والخلال في «السنة» (ج2 ص469) من طريق أحمد، حدثنا إسماعيل بن علية، قال: حدثنا أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين به.
هكذا: قال أيوب السختياني: «عن محمد بن سيرين».
* كأنه، لم يسمع منه هذا الأثر، وليس هذا الإسناد من قبيل المدلس، لكنه: من قبيل: المرسل.
* وهذا الإسناد، لعله: غلط من الرواة، كعادتهم.
وأورده ابن تيمية في «منهاج السنة» (ج6 ص236)، وابن كثير في «البداية والنهاية» (ج7 ص253).
* وقد أنكر الإمام محمد بن سيرين /، بمثل هذه الأخبار، التي تروى عنه، في أحداث الصحابة y، وهي مدسوسة من أهل النفاق، في التاريخ الإسلامي.
قال عبد الله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (ج1 ص155): حدثني أبي، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب السختياني، قال: (كان الرجل يحدث محمد بن سيرين، بالحديث، فيقول: إني والله ما أتهمك، ولا أتهم ذاك -يعني: الرجل الذي من أصحاب النبي r- ولكن أتهم من بينكما).
* لذلك: في الأصل أننا نأخذ ما صح في التاريخ، ونترك ما أخطأ فيه الرواة، لأنهم: غير معصومين.
* ولا يلزم من الراوي، أنه غير مدلس؛ بأنه سمع من شيخه كل أحاديثه([16])، بل ممكن أنه لم يسمع لعدد من الأحاديث عن شيخه.
* وذلك: بسبب ضعف الراوي الذي روى عن التلميذ، أو وقع وهم في السند، أو ثبوت غلط في السند، وما شابه ذلك.
* فهذه طريقة الإرسال، ليس التدليس، لانتشار الإرسال، بين التلميذ، وبين شيخه في عصور التحديث، وهذا الأصل يعرفه أهل الشأن، من أهل الحديث فقط.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر / في «النكت على كتاب ابن الصلاح» (ج2 ص77) قول الإمام ابن الصلاح في قبول عنعنة من لم يعرف بالتدليس بدون النظر إلى الإرسال، قال: (فذكر أنه إنما قبل العنعنة لما ثبت عنده أن المعنعن غير مدلس، وإنما يقول: «عن» فيما سمع؛ فأشبه ما ذهب إليه البخاري: من أنه إذا ثبت اللقي، ولو مرة حملت عنعنة غير المدلس على السماع، مع احتمال أن لا يكون سمع بعض ذلك -أيضا- والحامل للبخاري: على اشتراط ذلك تجويز أهل ذلك العصر للإرسال، فلو لم يكن مدلسا، وحدث عن بعض من عاصره، لم يدل ذلك على أنه سمع منه، لأنه وإن كان غير مدلس، فقد يحتمل أن يكون أرسل ([17]) عنه لشيوع الإرسال بينهم، فاشترط أن يثبت أنه لقيه، وسمع منه، ليحمل ما يرويه عنه بالعنعنة على السماع، لأنه لو لم يحمل على السماع لكان مدلسا، والغرض السلامة من التدليس، فتبين رجحان مذهبه!). اهـ.
وأخرجه ابن شبة في «تاريخ المدينة» (ج4 ص1271)؛ «في أحاديث مقتل عثمان بن عفان t»؛ قال: حدثنا سعيد بن عامر، قال: حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين قال: (وقعت الفتنة، وبالمدينة: عشرة آلاف، أو قال: أكثر من عشرة آلاف من أصحاب رسول الله r، فما دخل الفتنة منهم كلهم؛ إلا ثلاثون).
أثر ضعيف، مرسل
هكذا: روي بالشك في العدد.
قلت: وهذا إسناده مضطرب، وهو مرسل أيضا، فإن ابن سيرين لم يدرك فتنة مقتل عثمان t، فلم يكن ليعرف عدد الصحابة حين ذاك، ولا عدد من دخل في هذه الفتنة.
ويؤيد ذلك: كما في الرواية التالية؛ حيث صرح فيها بأنه قيل له ذلك، فهو من مراسيل ابن سيرين.
وكذلك: فقد ذكر في هذا المتن: «المدينة»، مما يدل على أن الكلام عن فتنة مقتل عثمان t، وهذا ظاهر، وهشام بن حسان من أثبت الناس في ابن سيرين([18])، فلينتبه لذلك.
* ثم قال ابن شبة في «تاريخ المدينة» (ج4 ص1271): حدثنا محمد بن حاتم، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين قال: (هاجت الفتنة، وأصحاب رسول الله r: عشرة آلاف، فما خف فيها منهم مائة، قيل: لا يبلغون ثلاثين).
أثر ضعيف، مرسل
هكذا: روي بصيغة التمريض: «قيل: لا يبلغون ثلاثين».
قلت: وهذا سنده كسابقه مضطرب، ومرسل، وقد جاء التصريح في هذا اللفظ؛ بقوله: «قيل: لا يبلغون ثلاثين»؛ فالخبر مرسل.
* ثم قال ابن شبة في «تاريخ المدينة» (ج4 ص1271): حدثنا ابن أبي خداش الموصلي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام، عن ابن سيرين قال: (لقد قتل عثمان t؛ وإن في الأرض عشرة آلاف، من أصحاب الرسول r، من رآه، فيمن لم يكن له صحبة).
أثر ضعيف، مرسل
قلت: وهذا إسناده كسابقه مضطرب، ومرسل، وهو اللفظ المحفوظ، والمفسر لما سلف، فلينتبه لذلك، فرواته كلهم ثقات، عدا ابن أبي خداش، وهو عبد الله بن عبد الصمد بن خداش وهو صدوق؛ كما في «التقريب» لابن حجر (ص523)، وفي «الكاشف» للذهبي (ج1 ص570).
* وهشام بن حسان من أثبت الناس في ابن سيرين([19])، وفيه التصريح: أن توافر الصحابة، وأن هذا: كان في مقتل عثمان t، ثم لم يذكر اللفظ المرسل الآخر، وهو قوله: «فما خف فيها منهم مائة، قيل: لا يبلغون ثلاثين»، فهو من مراسيل ابن سيرين، فترد.
عن الحافظ سعيد بن أبي عروبة، قال: (ما رأيت أحفظ، عن محمد بن سيرين، من هشام بن حسان). ([20])
وقال الحافظ ابن حجر في «التقريب» (ص2020): (هشام بن حسان الأزدي: ثقة؛ من أثبت الناس في ابن سيرين).
وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (8358) من طريق محمد بن علي الصنعاني، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: (ثارت الفتنة، وأصحاب رسول الله r عشرة آلاف، لم يخف فيها منهم إلا أربعون رجلا، وقف مع علي مائتان وبضعة وأربعون رجلا من أهل بدر، فيهم أبو أيوب، وسهل بن حنيف، وعمار بن ياسر).
أثر ضعيف، مرسل
قلت: وهذا إسناده كسابقه مضطرب، ومرسل، وقد جعل عددهم: «أربعين»، بدلا من: «ثلاثين»، وزاد فيه: «وقف مع علي مائتان وبضعة وأربعون رجلا من أهل بدر»، وهذا منكر في نفس المتن، فكيف يقول لم يخف فيه إلا أربعون، ثم يقول أنه وقف مائتان وبضعة وأربعون مع علي t؛ فهذا تناقض، ثم هذا لم يكن، فإنه لم يبق من أهل بدر أحد في ذلك الوقت، وكل هذا من الاضطراب في هذا الخبر، وهو مع ذلك مرسل، فإن ابن سيرين لم يدرك مقتل عثمان بن عفان t.
قال الإمام البخاري في «التاريخ الصغير» (ج1 ص245): (حدثني أحمد -ابن حنبل- قال: سمعت ابن علية قال: كنا نسمع أن ابن سيرين ولد في سنتين بقيتا من إمارة عثمان).
ولذلك قال عن هذا الخبر: شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة» (ج6 ص236): (محمد بن سيرين: من أورع الناس في منطقه، ومراسيله: من أصح المراسيل).
قلت: فأثبت أنه من مراسيل ابن سيرين، فهو منقطع، ناهيك أنه مضطرب، ومخالف للثابت في هذه الفتنة، وهذه علل توهن هذا الخبر، بل وترده.
* بل إن الإمام ابن سيرين بنفسه: أنكر الأخبار المرسلة التي كانت تروى له عن الصحابة.
قال عبد الله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (ج1 ص155): (حدثني أبي قال: حدثنا إسماعيل، عن أيوب قال: كان الرجل يحدث محمد بن سيرين بالحديث، فيقول: إني والله ما أتهمك، ولا أتهم ذاك -يعني: الرجل الذي من أصحاب النبي r- ولكن أتهم: من بينكما!).
أثر صحيح
وإسناده صحيح.
* وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، يخطئ ويهم. ([21])
قال الحافظ ابن حبان في «الثقات» (ج8 ص412): (وكان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه).
وقال الحافظ الذهبي في «المغني في الضعفاء» (ج2 ص393): (لعبد الرزاق أحاديث ينفرد بها، قد أنكرت عليه).
وقال الحافظ الدارقطني في «السؤالات» (ص75): (ثقة: يخطئ، على معمر في أحاديث، لم تكن في الكتاب).
ومنه: قال عبد الله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (ج1 ص156): حدثني أبي، قال: حدثنا وكيع: وذكر علي بن عاصم، فقال: (خذوا من حديثه ما صح، ودعوا ما غلط، أو ما أخطأ فيه، قال أبو عبد الرحمن: كان أبي: يحتج بهذا؛ وكان يقول: كان يغلط، ويخطئ، وكان فيه لجاج([22])، ولم يكن متهما بالكذب). ([23])
* وهذه المراسيل التي ذكرت في «معركة الجمل»، كلها غلط في غلط، لا يحتج بها، ولا يعتمد عليها في التاريخ.
* وعلى فرض صحته: فسر الفقهاء: أن الفتنة ([24])، من كلام محمد بن سيرين /، بمقتل عثمان بن عفان t، وخروج الخوارج على علي بن أبي طالب t، ومعاوية بن أبي سفيان t، بعد ذلك. ([25])
* وفتنة مقتل عثمان بن عفان t، هي الفتنة الأولى وأعظمها، وانفتح باب الفتن بعدها. ([26])
* فعلى فرض صحة هذا الأثر: فالمقصود فتنة مقتل عثمان بن عفان t، وما حدث بعدها من أمور.
* ولا يعني: هذا الكلام، أن الصحابة t، قد اشترك عدد منهم في قتل عثمان t، أو اشتركوا في التحريض عليه، مع الناقمين على عثمان t؛ فهم: لم يشتركوا في هذه الفتنة، بل هم كانوا من الساعين في إطفاء هذه الفتنة، ومن القامعين لأهلها، من الخوارج، والمنافقين، وغيرهم. ([27])
قال الإمام الآجري / في «الشريعة» (ج4 ص1750): (ولقد أنكر أصحاب رسول الله r، قتل عثمان t: إنكارا شديدا، وبكوا عليه). اهـ.
* فأثر محمد بن سيرين ونقله، لا يصح.
والأولى: أن الصحابة هم: الذين ينقلون؛ بمثل هذا الكلام عن منهج الصحابة في الفتن، وهم: لم ينقل عنهم ذلك.
* فهذه الآثار: مراسيل، مركبة في أحداث الصحابة t، وهي مشتبهة في المعنى، لما فيها من الطعن في الصحابة y.
* فهي مشتبهة؛ ويعني: ملتبسة غير واضحة، أو فيها شك، لما فيها من الاشتباه، التي يصعب التمييز في اختلاط أحداثها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «منهاج السنة» (ج4 ص547): (وذلك: أن الله تعالى، بعث محمدا r، بالهدى، ودين الحق.
* فبالهدى يعرف الحق، وبدين الحق يقصد الخير، ويعمل به.
* فلا بد من علم بالحق، وقصد له، وقدرة عليه، والفتنة: تضاد ذلك، فإنها تمنع معرفة الحق، أو قصده، أو القدرة عليه.
* فيكون فيها من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل، حتى لا يتميز لكثير من الناس أو أكثرهم، ويكون فيها من الأهواء، والشهوات ما يمنع قصد الحق وإرادته، ويكون فيها من ظهور قوة الشر، ما يضعف القدرة على الخير.
* ولهذا: ينكر الإنسان قلبه عند الفتنة، فيرد على القلوب ما يمنعها من معرفة الحق، وقصده، ولهذا: يقال: فتنة: عمياء صماء، ويقال: فتن كقطع الليل المظلم، ونحو ذلك، من الألفاظ التي يتبين ظهور الجهل فيها، وخفاء العلم). اهـ.
ﭑ ﭑ ﭑ
|
الرقم |
الموضوع |
الصفحة |
|
1) |
المقدمة..................................................................................................... |
5 |
|
2) |
ذكر الدليل على ضعف أثر محمد بن سيرين، في فتنة مقتل عثمان بن عفان t، وليس هذا الأثر في فتنة: «معركة الجمل»، ولا في فتنة: «معركة صفين»....................................................................................... |
17 |
[1]) انظر: «الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم» للرفاعي (ص18).
[2]) أثر صحيح.
أخرجه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (ص310)، والخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» (1634) بإسناد صحيح.
[3]) انظر: «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر (ج2 ص711)، و«الوهم في روايات مختلفي الأمصار» للوريكات (ص83).
[4]) ومعرفة مناهج النقاد، وفهم عباراتهم في علم علل الحديث.
[5]) انظر: «شرح العلل الصغير» لابن رجب (ج1 ص339).
[6]) أثر صحيح.
أخرجه ابن أبي حاتم في «مقدمة الجرح والتعديل» (ص356). بإسناد صحيح.
[7]) أثر صحيح.
أخرجه ابن أبي حاتم في «مقدمة الجرح والتعديل» (ص356)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (ج2 ص417 و418)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ج52 ص11). بإسناد صحيح.
[8]) أثر صحيح.
أخرجه ابن أبي حاتم في «العلل» (ج1 ص9)، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص112)، والخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» (ج2 ص295)، بإسناد صحيح.
[9]) قلت: أو يعرضه على المؤهلين لهذه المهمة من أهل الحديث.
* وهذا الأمر الذي أشرت إليه من حيث اعتماد العلماء على أهل العلل؛ كمرجعية علمية... لأن هؤلاء كانوا أعلم بهذا العلم من غيرهم.
[10]) انظر: «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر (ج2 ص782).
[11]) قلت: فوضعوا لصيانة الحديث من القواعد والضوابط، التي بها يكون التحاكم إليها عند اختلاف الناس، للحكم على الحديث بالصحة أو الضعف.
[12]) قلت: والكلام في وهم الرواة، ودخول الوهم في الرواية طويل متشعب، وضرورة النقاد التنبيه على مثل هذه الأوهام.
[13]) قلت: ولا ينظر إلى شهرة الأحاديث، والأحكام بين المسلمين؛ بدون نظر في هذه الأحاديث، هل هي صحيحة أو غير صحيحة، وإن صدرت من العلماء رحمهم الله تعالى، لأنهم بشر، ومن طبيعة البشر يخطئون ويصيبون، فافهم هذا ترشد.
قال العلامة الشوكاني / في «نيل الأوطار» (ج1 ص15): (ما وقع التصريح - يعني: الحديث- بصحته أو حسنه جاز العمل به، وما وقع التصريح بضعفه لم يجز العمل به، وما أطلقوه ولم يتكلموا عليه، ولا تكلم عليه غيرهم، لم يجز العمل به؛ إلا بعد البحث عن حاله إن كان الباحث أهلا لذلك). اهـ.
[14]) قلت: وهؤلاء المقلدة المتعصبة أكثرهم مقلدون لا يعرفون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون بين «صحيحه» من «سقيمه»، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبئون بما يبلغهم منه أن يحتجوا به، والله المستعان.
* وعلى هذا عادة أهل التقليد في كل زمان ومكان، ليس لهم إلا آراء الرجال أصابوا أم أخطئوا، ألا إن عذر العالم ليس عذرا لغيره إن تبين: الحق، أو بين له» وقد وردت أقوال العلماء تؤكد هذا الشيء، وتبين موقفهم من تقليدهم، وأنهم تبرءوا من ذلك جملة، وهذا من كمال علمهم، وتقواهم حيث أشاروا بذلك إلى أنهم لم يحيطوا بالسنة كلها.
انظر: «هداية السلطان» للمعصومي (ص19)، وكتابي «الجوهر الفريد في نهي الأئمة الأربعة عن التقليد».
والله ولي التوفيق.
[15]) وكيف كان أهله ينقدون الروايات.
([16]) وإلا لصرح بالتحديث عن شيخه في مثل هذا الموطن، للأهمية، فهذا يدل على أن الإسناد: من قبيل المرسل.
([17]) وقد خفيت علة الإرسال على المقلدة في سند حديث: «صوم يوم عرفة»، بين ابن معبد، وأبي قتادة، لكن هذه العلة لا تخفى على أهل الحديث، والله المستعان.
([18]) انظر: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (ج9 ص54 و55)، و«تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج13 ص847 و848)، و«التاريخ» برواية: الدارمي (ص224).