الرئيسية / مقالات عامة / كشف البهتان في دعوى الحشو بلا برهان
كشف البهتان في دعوى الحشو بلا برهان
كشف البهتان
في دعوى الحشو بلا برهان
من المآخذ التي أثارها المدعو الخليفي على الشيخ بزعمه، قوله إن الشيخ يطيل في مقدمات كتبه ويضخم الردود على المخالفين، حتى في المسائل الجزئية، وكأن الغرض من ذلك تسمين الكتاب أو الإيهام بطول الرد. وهذه دعوى تنم عن جهل بمنهج العلماء في التأليف، وسطحية في فهم طبيعة الردود العلمية.
فالشيخ حين يكتب مقدمة طويلة لمسألة واحدة، فإنما يفعل ذلك تأسيسا وتأصيلا، لا تزويقا ولا تطويلا بلا فائدة.
فالمقدمة عنده ليست خارجة عن صلب الموضوع، بل هي جزء لا يتجزأ من الرد، إذ يمهد فيها لتضعيف الحديث أو بيان خطأ المخالف، من خلال عرض الأصول العلمية التي بنى عليها حكمه، أو ذكر من سبقه في هذا التضعيف، أو بيان ما يترتب على تصحيح الحديث من لوازم فاسدة، أو ما ينبني عليه من مسائل عقدية أو فقهية.
وكذلك في الرد على المخالف، قد يبدأ الشيخ بمقدمة مطولة حول خطورة الكذب على الله ورسوله، إذا كان المخالف قد أول صفة من صفات الله أو حرفها، فيبين الشيخ في هذه المقدمة أن هذا التأويل ليس مجرد خطأ علمي، بل هو افتراء على الله، فيعالج هذه الآفة من جذورها، ويستعرض الأحاديث والآثار التي تحذر من الكذب على الله، فتكون المقدمة في حقيقتها معالجة للسبب الذي أوقع هذا المؤلف أو المحرف في الخطأ، لا مجرد حشو أو إطالة.
ومن هنا يتضح أن الشيخ لا يكتب مقدماته عبثا، بل يضعها في سياق علمي متكامل، يعالج فيه الشبهة من أصلها، ويفكك بنيتها الفكرية، ويبين خطرها على العقيدة والمنهج. أما من لم يدرك هذا المنهج، كالخليفي التياري، فقد يظن أن المقدمة ليست من صلب الرد، فيسارع إلى الطعن في نية الشيخ حفظه الله ورعاه، دون أن يفرق بين الإطالة العلمية والإطالة الإنشائية.
وهذا مثال واحد من أمثلة كثيرة، يبين كيف أن الرد العلمي لا يقتصر على تفنيد الشبهة، بل يشمل أيضا بيان أسبابها، ومآلاتها، وخطرها، وكل ذلك يحتاج إلى تأسيس وتأصيل، لا إلى اختزال وتبسيط مخل.
ومن العجيب أن يؤخذ على الشيخ كثرة المقدمات أو الإطالة في الرد، وكأن ذلك عيب في ذاته، دون النظر إلى الغاية من هذا التأليف. وهنا يقال: وما يضيرك إن كان الكتاب طويلا أو قصيرا، أو احتوى على ما تسميه "حشوا"، إذا كان يحقق الهدف العلمي والشرعي؟ فالعبرة ليست بعدد الصفحات، بل بالفائدة المرجوة، وبما يقدمه من بيان لمسألة حديثية أو فقهية أو عقدية.
ثم إن هذه المقدمات ليست في تخصص بعيد عن المجال، كأن يتحدث الشيخ في تقنية السيارات أو علوم الحاسوب، بل هي في صميم العلم الشرعي، ومن صلب الموضوع الذي يعالج فيه. فلو سلمنا جدلا أنها "حشو"، فإنها لا تخلو من فائدة شرعية، بل قد تكون هي مفتاح الفهم الصحيح للمسألة، أو مدخلا لتفكيك الشبهة، أو بيانا لخطر الانحراف في التأويل أو الفهم.
وهل يعد تخريج الأحاديث، ونقل كلام العلماء، والاستدلال بالآيات القرآنية، وتوضيح الأصول العلمية، من الحشو؟! إن كان هذا هو الحشو عند الخليفي التياري، فليته يدرك أن هذا "الحشو" هو ما يبنى عليه العلم، ويفهم به الدين، ويرد به على أهل الأهواء والبدع أمثاله.
ثم إن هذا المنهج ليس بدعا من القول، بل هو ديدن أهل العلم قديما وحديثا، إذ قد يتكلم العالم في المسألة الواحدة أو يفتي في نفس القضية، فيطيل في موضع ويختصر في آخر، بحسب ما تقتضيه الحاجة. فالكلام مع الموافق ليس كالكلام مع المخالف، والكلام مع المخالف ليس كالكلام مع المعاند، ولكل مقام مقال. وهذا من فقه الخطاب، وحكمة البيان، التي درج عليها الأئمة في مصنفاتهم، فربما أطالوا في الرد على شبهة ضعيفة لأنها انتشرت، أو اختصروا في مسألة عظيمة لأنها لم تنازع، وكل ذلك بحسب المقام والسامع والسياق.
ومن الأمثلة على ذلك ما نراه عند الإمام ابن حجر رحمه الله في كتابه فتح الباري مثلا، فقد يطيل في شرح حديث في موضع، ثم يكتفي بالإشارة إليه إذا تكرر في موضع آخر، فلا يقال إنه اختصر اختصارا مخلا، ولا يعاب عليه أنه أطال في الموضع الأول، بل كل موضع وما يحتاج إليه من بيان. وكذلك المفتي قد يفتي المستفتي في مسألة فيقول: "يجوز" أو "لا يجوز"، ثم يفصل في نفس المسألة إذا اقتضى المقام، ويفند ويذكر الأدلة، وهذا كله من فقه المقام، لا من التناقض أو الحشو.
ويضاف إلى ذلك أن طبيعة المسألة نفسها تؤثر في حجم الرد وطوله، فليست كل المسائل سواء. فقد تكون المسألة محل خلاف ضعيف، أو القول المخالف فيها غير معتبر، أو الخلاف فيها بين طرفين متناقضين لا يعتد بأحدهما، فحينها لا يحتاج الرد إلى تطويل. أما إذا كانت المسألة محل خلاف قوي، والخلاف فيها بين أهل السنة أنفسهم، فهنا يختلف المقام اختلافا جذريا، ويحتاج إلى مزيد من التأصيل والبيان والتفنيد، وهذا ما يفعله الشيخ وغيره من أهل العلم.
ومن المناسب أيضا أن يفصل الشيخ في بعض
الموضوعات التي لم يتطرق إليها سابقا، أو ذكرها دون تفصيل في مواضع أخرى، فيرى أن هذا الموضع هو الوقت والمكان المناسبان للتفصيل فيها، كموضوع الظلم مثلا، الذي قد يكون أصلا في معالجة الشبهة المطروحة، فيفصل فيه الشيخ في مقدمة الرد، ويبين خطره وآثاره، ويستدل عليه من الكتاب والسنة، ويربط بينه وبين الانحراف في التأويل أو التحريف، كما سبق لنا بيانه. وهذا ليس خروجا عن الموضوع، بل هو تعميق له، وتوسيع في معالجته، بما يحقق المقصود الشرعي والعلمي.
ولا يغفل في هذا السياق أن حجم الطرح وتفصيله أو اختصاره يتأثر كذلك بـالفئة المستهدفة، فالكلام الموجه للعوام يختلف عن الكلام الموجه لطلبة العلم، ويختلف بدوره عن الخطاب الموجه للعلماء أو المتخصصين. فلكل فئة ما يناسبها من الأسلوب والطرح، وهذا مما يراعيه الشيخ في كتاباته، فيبسط حيث يحتاج التبسيط، ويفصل حيث يطلب التفصيل، ويعمق حيث يكون المقام مقام تحقيق وتحرير.
ويضاف إلى ما سبق أن من منهج أهل العلم أيضا تكرار الحديث أو كلام العلماء في أكثر من موضع، لا عبثا ولا حشوا، بل لمناسبة المقام، وحاجة السياق، وارتباط المسألة. فقد يكرر الشيخ الحديث أو الأثر أو النقل العلمي في أكثر من موضع، لأن كل موضع له دلالته، وكل سياق له حاجته، ولا تخلو هذه الزيادة من فائدة، بل قد تكون هي مفتاح الفهم أو موضع الاستشهاد.
وقد يشمل الحديث الواحد أو كلام أحد الأئمة أكثر من وجه استدلال، فيكرره الشيخ في المواضع المناسبة، كل بحسب ما يقتضيه المقام. وهذا منهج معروف عند أهل العلم، كما فعله الإمام البخاري في صحيحه، حيث كرر الحديث الواحد في أبواب متعددة، لكل باب وجه من الاستدلال، ولم يقل أحد من أهل الفقه أو الحديث إن هذا حشو أو تطويل، بل هو من تمام الفقه، ودقة التصنيف، وحسن البيان.
فمن زعم أن هذا تكرار لتطويل الكتاب أو زيادة الصفحات، فقد جهل طريقة أهل العلم في الاستدلال، وغابت عنه حكمة التكرار المحتاج إليه في موضعها.
وختاما نقول:
فشبهتك يا خليفي للشيخ لا عليه، وحقدك لا ينقص من علمه ولا يثنيه، فما ضر السحاب نباح الكلاب، ولا قل قدر البحر إن رماه التراب، فالعظيم يبقى عظيما، والصغير يبقى صغيرا وحقيرا.
الشيخ يكتب بعلم، ويؤصل بحكمة، ويفصل حيث يجب، ويختصر حيث تغني الكلمة، فإن أطال فلفائدة، وإن اختصر فلبصيرة، لكن الشيخ جمع بين البيان والسداد، فنال بذلك التوفيق من رب العباد.
فدع عنك الظنون، وارجع إلى المنهج القويم، فما هكذا يكون النقد، ولا هكذا يرد على العلماء الراسخين، وإن كنت لا تدري فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.
وما هكذا تورد الإبل يا خليفي، فليس كل من أمسك القلم يحسن الرد، ولا كل من خالف يعد من أهل النقد، فالعلم له أهله، والبيان له رجاله، والإنصاف زينة طالب الحق، فأنت لست من فرسان هذا الميدان، ولا من رواد هذا الشأن، فاعرف قدرك، وقف حيث يناسبك المقام، وإلا أتاك ما يسوؤك، فتنزل عليك صواعق البرهان، وتصيبك شهب البيان، وتلاحقك كواكب مشتعلة من النيران، ليس لك سبيل لصدها، ولا مهرب من لهيبها، فأنت أشعلتها، فتحملها يا فتان.