الرئيسية / سلسلة أصول علم الحديث / جزء فيه إعلال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ من عرض عليه ريحان
جزء فيه إعلال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ من عرض عليه ريحان
جزء فيه؛
إعلال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله في «صحيحه»؛ لحديث: أبي هريرة رضي الله عنه؛ بلفظ: «من عرض عليه ريحان»
للعلامة المحدث الفقيه
فوزي بن عبد الله بن محمد الحميدي الأثري
حفظه الله ورعاه وجعل الجنة مثواه
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
ذكر الدليل
على تعليل الإمام مسلم رحمه الله في «صحيحه»؛ لحديث: أبي هريرة رضي الله عنه؛ بلفظ: «من عرض عليه ريحان»
عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: (من عرض عليه ريحان ([1])، فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح).
حديث معلول؛ بهذا اللفظ
أخرجه مسلم في «صحيحه» (2253) من طريق ابن أبي شيبة، وزهير بن حرب؛ كلاهما: عن المقرئ، قال أبو بكر: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبيد الله بن أبي جعفر، عن عبد الرحمن الأعرج ([2])، عن أبي هريرة t به.
وأخرجه أبو يعلى في «المسند» (6253)، وضياء الدين المقدسي في «المنتقى من الأحاديث الصحاح والحسان» (ص691) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة وحده؛ بهذا الإسناد، بلفظ: «من عرض عليه ريحان».
هكذا: قال ابن أبي شيبة عن المقرئ؛ بلفظ: «من عرض عليه: ريحان».
* وقد أخطأ ابن أبي شيبة في ذكره هذا اللفظ: «ريحان»، وهو الصحيح: «من عرض عليه: طيب».
* الخطأ متعين من ابن أبي شيبة، فإنه أحيانا يخطئ في الأسانيد، والمتون، خطأه الإمام أحمد، والإمام أبو زرعة، والإمام الخطيب، وغيرهم.
* وخطؤه على سبيل المثال:
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (ج1 ص337): (قيل لأبي زرعة: بلغنا عنك أنك قلت: لم أر أحدا أحفظ من ابن أبي شيبة؟ فقال: نعم، في الحفظ، ولكن في الحديث، كأنه لم يحمده، فقال: روى مرة حديث، حذيفة t: «في الإزار»؛ فقال: حدثنا أبو الأحوص([3])، عن أبي إسحاق، عن أبي معلى، عن حذيفة t، فقلت: له، إنما هو: أبو إسحاق، عن مسلم بن نذير، عن حذيفة t، وذاك الذي ذكرت: عن أبي إسحاق، عن أبي المعلى، عن حذيفة t، قال: «كنت ذرب اللسان»([4])، فبقي، فقلت: للوراقين، أحضروا المسند، فأتوا بمسند([5]) حذيفة t، فأصابه كما قلت).
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (ج1 ص338): (سمعت أبا زرعة يقول: كنا عند أبي بكر بن أبي شيبة، ومعنا كيلجة، فقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أنس t، أنه قال: «يتبع الميت ثلاث»، فقال كيلجة([6]): هو عن عبيد الله بن أبي بكر، فقال: عن عبيد الله بن أبي بكر!، فقلت: يا أبا بكر، تركت الصواب، وتلقنت الخطأ، إنما: روى هو عن عبد الله بن أبي بكر([7])، وسفيان: لم يلق عبيد الله بن أبي بكر، فقال: لقنني هذا، فقلت: كلما لقنك هذا تريد أن تقبله).
وعن الميموني قال: (تذاكرنا يوما شيئا، اختلفوا فيه، فقال رجل: ابن أبي شيبة يقول: عن: «عفان»، قال أبو عبد الله –يعني: أحمد بن حنبل- دع ابن أبي شيبة في ذا، انظر أيش يقول: غيره، يريد أبو عبد الله: كثرة خطئه). ([8]) يعني: كثرة خطأ ابن أبي شيبة في الأسانيد.
قال الحافظ الخطيب في «تاريخ بغداد» (ج10 ص68): (وأرى أن أبا عبد الله، لم يرد ما ذكره الميموني، من أن أبا بكر: كثير الخطأ).
وخالفه: أصحاب؛ عبد الله بن يزيد المقرئ، فقالوا: «من عرض عليه: طيب»، منهم: أحمد بن حنبل، وهارون بن عبد الله الحمال، وعبد الله بن أحمد بن أبي ميسرة، وأحمد بن منصور بن سيار، والحسن بن علي الخلال، وأحمد بن الوليد، وعبيد الله بن فضالة، والسري بن خزيمة، وعباس بن عبد الله الترقفي، وعبد الرحمن بن الحسين الجعفي، وأبو حاتم، وزهير بن حرب؛ جميعهم: عن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب الخزاعي، حدثني عبيد الله بن أبي جعفر المصري، عن عبد الرحمن بن سعد الأعرج، عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: (من عرض عليه طيب ([9])؛ فلا يرده؛ فإنه خفيف المحمل: طيب الريح). وفي رواية: (طيب([10]) الرائحة).
أخرجه مسلم في «صحيحه» (2253)، وأبو داود في «سننه» (4172)، والنسائي في «السنن الكبرى» (9411)، وفي «المجتبى» (ج8 ص189)، وأحمد في «المسند» (ج2 ص320)، وأبو عوانة في «المسند الصحيح» (ج15 ص200-إتحاف المهرة)، والمهرواني في «المهروانيات» (159)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ج3 ص245)، وفي «شعب الإيمان» (6070)، وفي «الآداب» (ص409)، وابن البخاري في «مشيخته» (ج1 ص188 و189)، وضياء الدين المقدسي في «المنتقى من مسموعاته بمرو» (ج2 ص659)، و(ق/53/ط)، والحنائي في «الحنائيات» (ج2 ص817)، و(ق/21/ط)، والترقفي في «جزئه» (ص128)، والذهبي في «معجم الشيوخ» (ج2 ص133)، والبزار في «المسند» (8855).
قال الحافظ البزار في «المسند» (ج15 ص318): (وهذا الحديث: لا نعلمه يروى، عن أبي هريرة؛ بهذا اللفظ؛ إلا من هذا الوجه).
وقال الحافظ الذهبي في «المعجم الكبير» (ج2 ص33): (حديث صحيح، غريب: فرد، أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أصحاب عبد الله المقرئ، عنه).
وأورده الحافظ ابن الأثير في «جامع الأصول» (ج4 ص767).
وتابع: عبد الله بن يزيد المقرئ: عبد الله بن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبيد الله بن أبي جعفر، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة t، مرفوعا؛ بلفظ: «من عرض عليه طيب».
أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (5109).
وإسناده صحيح.
* والصواب: رواية الجماعة؛ بلفظ: «طيب».
وأخطأ: ابن أبي شيبة في متن الحديث، فقال: «من عرض عليه ريحان»، فهذا اللفظ، لا يصح.
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (ج5 ص209): (أخرجه مسلم: من هذا الوجه، لكن قال: «ريحان»، بدل: «طيب».
* ورواية الجماعة أثبت، فإن أحمد، وسبعة أنفس معه: رووه، عن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، بلفظ: «الطيب»، ووافقه: ابن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، والعدد الكثير: أولى بالحفظ من الواحد). اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (ج10 ص371): (مخرج الحديث: واحد، والذين رووه بلفظ: «الطيب»، أكثر عددا، وأحفظ؛ فروايتهم: أولى). اهـ.
وقال الإمام ابن القيم / في «زاد المعاد» (ج1 ص177): (وثبت عنه في صحيح مسلم؛ أنه قال: «من عرض عليه ريحان فلا يرده»، وبعضهم: يرويه: «طيب»، وليس بمعناه). اهـ.
وأخرجه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (ج1 ص196) من طريق عمرو بن عثمان، ثنا بقية بن الوليد، عن عبد الله بن بجير، عن الأصبحي، عن محمد بن شرحبيل قال: قال رسول الله r: (لا تردوا الطيب، ولا شربة عسل، على من جاءكم به).
قال أبو نعيم: «الصحيح: محمود بن شرحبيل، وسنده ضعيف».
وعن محمد بن شرحبيل: أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (ج5 ص312) من طريق عمرو بن عثمان، نا بقية بن الوليد، بهذا الإسناد: وسنده فيه: الأصبحي هذا: لا يعرف.
* ومحمد بن شرحبيل، قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (ج6 ص267): «لا يعرف له صحبة».
فلا يصح: بهذا اللفظ، وبهذا الإسناد، وفيه بقية بن الوليد، وهو مدلس. ([11])
وأورده الهندي في «كنز العمال» (ج6 ص674)، والسيوطي في «جمع الجوامع» (ج1 ص886)، وعزاه: لأبي نعيم في «معرفة الصحابة».
وأخرجه ابن قتيبة في «عيون الأخبار» (ج1 ص304)، والدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (ج6 ص394 و395) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هريرة t، عن النبي r قال: (لا تردوا الطيب، فإنه طيب الريح، خفيف المحمل).
وإسناده صحيح.
وبهذا اللفظ: أخرجه مسدد في «المسند» (ج2 ص429-المطالب العالية) من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن عم؛ أبيه: عمر بن الحكم قال: إن رسول الله r قال: (لا تردوا الطيب، فإنه خفيف المحمل، طيب الريح).
وهذا: مرسل، لا يصح، عمر بن الحكم بن رافع الأنصاري، وهو تابعي، لم يدرك النبي r. ([12])
وأورده الحافظ البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (ج6 ص122)، وعزاه لمسدد في «المسند».
وذكره الحافظ البوصيري في «مختصر إتحاف الخيرة المهرة» (2/ق 73/ط)، ثم قال: «رواه مسدد؛ مرسلا».
وأخرجه ابن العالي في «الفوائد» (ص93 و94) من طريق محمد بن عبد الرحمن القشيري، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﭭ قال: «رأى ابن عمر: رجلا ناول رجلا ريحانة، فردها، فأخذها ابن عمر، فقبلها ووضعها على عينه، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن هذه الرياحين الطيبة من نبت الجنة، فإذا نوول أحدكم منها شيئا فلا يرده».
حديث موضوع
قلت: وهذا سنده واه بمرة، فيه محمد بن عبد الرحمن القشيري، كذبوه.([13])
ومن هذا الوجه: أخرجه الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (ج16 ص350)، وفي «تذكرة الأئمة البررة والحفاظ المهرة» (ج3 ص1003).
وقال الحافظ الذهبي: «هذا حديث منكر، والقشيري: تالف».
* وفي هذا الحديث: بيان يفيد، أن رد الطيب فيه مخالفة للسنة، وقد نهى النبي r عن ذلك.
* ثم أعقب النهي، بعلة تفيد انتفاء موجبات الرد، لأنه باعتبار ذاته: خفيف، لا يثقل حامله، وباعتبار عرضه طيبا، لا يتأذى به من يعرض عليه، فلم يبق حامل على الرد.
* فإن كل ما كان بهذه الصفة محبب إلى كل قلب، وهو مطلوب لكل نفس. ([14])
وقال الحافظ البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (ج6 ص122)؛ باب: استحباب الطيب، وما جاء فيمن عرض عليه طيب فلا يرده.
* والإمام مسلم، ساق الحديث هذا، لبيان علته، فقد أورده في مقدمة الباب، ثم ذكر بعده، الأسانيد الصحيحة المشهورة فأورد؛ رواية: ابن أبي شيبة؛ أولا: بلفظ: «من عرض عليه ريحان».
وجمع رواية: ابن أبي شيبة، مع رواية: زهير بن حرب، عن أبي عبد الرحمن المقرئ.
ثم فصل رواية: ابن أبي شيبة، عن رواية: زهير بن حرب؛ مع ذكر الحديث، وإسناده؛ وأنه بلفظ: «من عرض عليه ريحان»، ليبين ويوضح، تفرد ابن أبي شيبة؛ بهذا اللفظ، من دون بقية الرواة.
فقال الإمام مسلم في «صحيحه» (2254)؛ (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب كلاهما: عن المقرئ، قال أبو بكر: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبيد الله بن أبي جعفر، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة t، فذكر الحديث).
ثم أردف الإمام مسلم: ما يفيد أن ابن أبي شيبة، أخطأ في لفظ الحديث، وخالف الجماعة.
والمحفوظ، أنه بلفظ: «من عرض عليه طيب»، من رواية: زهير بن حرب؛ كما سوف يأتي.
قلت: فأورد رواية: ابن أبي شيبة، الأولى: لبيان علة هذه الرواية؛ لمخالفتها: الرواة الثقات، الأثبات.
* والإمام مسلم /: له طرق، في ذكر الروايات الصحيحة، والروايات المعلولة.
وقد أشار الإمام مسلم / إلى هذه العلل في «صحيحه» في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص8)؛ فقال /: (وسنزيد، إن شاء الله تعالى، شرحا، وإيضاحا في مواضع من الكتاب، عند ذكر الأخبار المعللة، إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح، والإيضاح). اهـ
قلت: وهذا صريح في أنه يورد في «صحيحه» أحاديث معللة؛ أي: ضعيفة، يبين ضعفها في أبوابها.
* فهل نصدق الإمام مسلما، أم نصدق المقلدة المتعصبة في علل الأحاديث في «صحيحه».
قلت: وهذا التعليل من الإمام مسلم /، لا يعرفه، إلا أهل الشأن، ولا يفهم هذا المأخذ الدقيق، إلا أهل الحديث في كل زمان.
* فكتاب الإمام مسلم /، جمع فيه الأحاديث الصحيحة، وذكر أحاديث ذات علل خفية؛ بقصد إعلالها، لا يدركها؛ إلا المتأمل لها من أهل الحديث، العارف بطريقته في كتابه.
وقد أشار الإمام مسلم / في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص47)؛ إلى أنه يورد أخبارا معللة في «صحيحه» ليبين أنها منتقدة.
* وذكر أنه سيذكر أخبارا معللة في مواضع من كتابه، سيبينها، ويشرحها؛ فمنها: أن يورد الحديث؛ بإسناد، ثم يذكر أسانيد له، مبينا فيها الاختلاف في الرواية.
* إذا فلا غرابة، أن يعل الأئمة حديثا في «صحيح مسلم»، وذلك أن الإمام مسلما نفسه: أعل بعض الأحاديث بحسب ما ذكر في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص17)، وطبق ذلك التعليل في الأبواب من كتابه، والله المستعان.
قال الحافظ مسلم / في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص17): (قد شرحنا من مذهب الحديث وأهله، بعض ما يتوجه به، من أراد سبيل القوم، ووفق لها.
* وسنزيد إن شاء الله تعالى، شرحا، وإيضاحا، في مواضع من الكتاب، عند ذكر الأخبار المعللة، إذا أتينا عليها في الأماكن، التي يليق بها الشرح، والإيضاح، إن شاء الله تعالى). اهـ
قلت: وهذا يدل على أن الإمام مسلما، يذكر في أبواب كتابه، أحاديث معلولة، ليميز في الأبواب، بين الأحاديث الثابتة، والأحاديث المعلولة؛ حرصا منه على تنقية السنة النبوية، مما أدخل فيها من الأحاديث الضعيفة.
* وهذا التعليل من الإمام مسلم /، لا يعرفه؛ إلا أهل الشأن.
قلت: وهذا يبين الفرق بين ما ساقه الإمام مسلم / في الأصول والاحتجاج به، وما ذكره للإعلال!. ([15])
وقال الشيخ إبراهيم اللاحم في «مقارنة المرويات» (ج2 ص481): (فإن بعض ما انتقد عليهما -يعني: الإمام البخاري، والإمام مسلما- لا عتب عليهما في إخراجه.
* إذ غرضهما تعليله فيما يظهر([16])... ويظهر جدا من سوق مسلم لأسانيدها، ومتونها؛ أن غرضه كان بيان ما فيها من علل). اهـ
* والإمام مسلم / له طرق في ذكر الروايات في «صحيحه» على حسب الباب، فمثلا: أحيانا، يروي أول الأمر أصح حديث لديه في الباب، وهو المروي من طريق الحفاظ الثقات الأثبات.
قلت: وقد ذكر القاضي عياض / في «إكمال المعلم» (ج1 ص105)؛ أن الإمام مسلما، ذكر العلل في الأبواب([17]) من: «صحيحه»، مما يدل أن ليس كل حديث في كتابه: يحتج به في السنة، لأنه ذكر أحاديث ضعيفة، فلا بد من التمييز بين ما احتج بها على شرطه، وبين ما لم يحتج به([18])، بل ذكرها للتعليل ليعرفها الناس، فيتركوها، ولا يحتج بها.
* وقد بين الإمام مسلم لهم ذلك.
فقال الإمام مسلم / في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص8): (فلولا الذي رأينا من سوء صنيع كثير ممن نصب نفسه محدثا، فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة، والروايات المنكرة، وتركهم الاقتصار على الأحاديث الصحيحة المشهورة، مما نقله الثقات المعروفون بالصدق والأمانة). اهـ
* والقوم ينشرون الأحاديث المعللة بين العوام، ثم يقولون إن هذه الأحاديث أخرجها الإمام مسلم في «صحيحه»!، وهي ليست كذلك، بل هي خرجت من أكياسهم.
* ولقد بين الإمام مسلم حال هذا الصنف من الناس.
فقال الإمام مسلم / في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص8): (ولكن من أجل ما أعلمناك من نشر القوم الأخبار المنكرة؛ بالأسانيد الضعاف المجهولة، وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها). اهـ
قلت: وهذا يظهر أن الإمام مسلما، أورده لبيان الاختلاف في الحديث؛ متنا، وسندا، وبيان العلل التي في الحديث، كما هي عادته في «صحيحه»، في عدد من الأبواب، وهو الصواب. ([19])
وقد نبه الإمام مسلم / في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص8)؛ على مثل هذه العلل، وقد وفى بذلك، كما هو واضح في هذا الحديث، وغيره من الروايات.
ومنه:
قال الحافظ الرشيد العطار / في «غرر الفوائد» (ص512): (وإنما أورده مسلم: من الوجهين المذكورين عن أيوب، لينبه على الاختلاف عليه في إسناده). اهـ
وقال القاضي عياض / في «إكمال المعلم» (ج5 ص369): (وقد أدخل هذه الآثار كلها مسلم: وأرى مسلما، أدخل هذه الروايات، ليبين الخلاف فيها.
وهي وشبهها: عندي من العلل التي وعد بذكرها في مواضعها.
وظن ظانون: أنه يأتي بها مفردة، فقالوا: توفي قبل تأليفها).اهـ
وقال العلامة الأبي / في «إكمال إكمال المعلم» (ج5 ص607): (وإنما ذكر مسلم: هذه الرواية المختلفة، في وصله، وإرساله، ليبين اختلاف الرواة في ذلك.
* وهذا وشبهه من العلل التي وعد مسلم في خطبة كتابه، أن يذكرها في مواضعها.
* وظن ظانون أنه يأتي بها مفردة، وأنه توفي قبل ذكرها، والصواب: أنه ذكرها في تضاعيف كتابه، كما أوضحناه في أول هذا الشرح). اهـ
وقال العلامة السنوسي / في «مكمل إكمال الإكمال» (ج5 ص607): (وإنما ذكر مسلم هذه الرواية المختلفة، في وصله، وإرساله؛ ليبين اختلاف الرواة في ذلك.
* وهذا وشبهه من العلل التي وعد مسلم في خطبة كتابه، أن يذكرها في مواضعها.
وظن ظانون: أنها يؤتى بها مفردة، وأنه توفي قبل ذكرها، والصواب: أنه ذكرها في تضاعيف كتابه). اهـ
* إذا من ذا الذي لا يخطئ، ومن ذا يسلم من الوهم. ([20])
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج13 ص352): (وكما أنهم يستشهدون، ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ؛ فإنهم أيضا يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها، بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا: علم علل الحديث). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج18 ص42): (وقد يترك من حديث الثقة ما علم أنه أخطأ فيه). اهـ
ﭑ ﭑ ﭑ
(2) وهو عبد الرحمن بن سعد الأعرج، وليس هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وقد أخطأ من قال ذلك، وهو: وهم منه.
وانظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج7 ص658).
(1) فأخطأ ابن أبي شيبة في هذا الإسناد، بذكره، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي معلى، عن حذيفة t، فذكره: لأبي معلى، عن حذيفة؛ هنا: خطأ.
* إنما حدث ابن أبي شيبة في «المصنف» (ج8 ص202) عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن مسلم بن نذير، عن حذيفة.
* وهذا الإسناد: هو الصحيح، عن مسلم بن نذير، عن حذيفة.
(1) ذرب اللسان: تقال، لمن كان حاد اللسان، لا يبالي ما قال.
انظر: «النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير (ج1 ص601).
(3) كيلجة: هو محمد بن صالح الحافظ، وكيلجة: لقب له.
وانظر: «الألقاب» لابن الفرضي (ص298)، و«كشف النقاب» لابن الجوزي (ج2 ص384).
(4) وهو في «المصنف» لابن أبي شيبة (ج13 ص366) من طريق ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر به.
* فأخطأ ابن أبي شيبة في ذكر: عبيد الله بن أبي بكر في الإسناد.
(1) فإذا كنت أيها المقلد المتعالم لا تستطيع التفريق، ولا معرفة هذا العلم، فبأي حق تتطاول على أهل الحديث في هذا الزمان، إذا بينوا علة حديث في «الصحيحين»، ومراعاة لأصول الحديث، وحفظا للسنة الصحيحة.
* فإذا عرضوا لك حديثا معلولا في «الصحيحين»، أو في غيرهما، ولم يستسغه عقلك الشارد، وفهمك السقيم، فلم تبادر بجهلك الفاضح إلى اتهام أهل الحديث بتضعيف الأحاديث.
(2) قال الإمام مسلم في «صحيحه» (ج1 ص4): (ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام، إلا بأن يوقفه على التمييز غيره). اهـ