الرئيسية / سلسلة النصيحة الذهبية للعودة إلى السلفية / السيف المسلول لقطع دابر من ساوى بين العامي، وبين الرسول
السيف المسلول لقطع دابر من ساوى بين العامي، وبين الرسول
الانتصار لرسول الله r |
65 |
سلسلة النصيحة الذهبية للعودة إلى السلفية
|
السيف المسلول
لقطع دابر
من ساوى بين العامي، وبين الرسول r في تكفير الذنوب: الماضية والباقية بزعمه لصومه ليوم عرفة، وأدخله في خصائص الرسول r، وقد خصه الله تعالى بالمغفرة في الأصول: ]إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما[ [الفتح: 1-2]؛ بل وخصه الله تعالى بخصائص كثيرة تميزه عن غيره؛ فهي من حقوق الرسول r، فمن أفتى بخلاف ذلك فوقع الإثم عليه وهلك؛ لأنه متعالم جهول؛ لسرقته لحقوق الرسول r، وسلمها لعامي مجهول، ومن هنا خالف الرسول r.
تأليف
فضيلة الشيخ المحدث الفقيه
أبي عبد الرحمن فوزي بن عبد الله الحميدي الأثري
حفظه الله ورعاه
دراسة أثرية، في تبيين عناية أئمة الحديث بالتحقق من سلامة متون الأحاديث من التناقض، التي لا يمكن أن توجد في أخبار القرآن، وأخبار السنة. * وقد استعملوا في هذا الأصل، قواعد في رد بعض الأحاديث، التي خالفت القرآن الكريم، والسنة الصحيحة. * واستدلوا بذلك على نكارة هذه الأحاديث المناقضة للشرع. |
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
فتوى
شيخ الإسلام ابن تيمية / في أن العالم: يخطئ ويصيب، وليس بمعصوم في الإسلام، بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الدين، فإن أخطأ، فجعل له الشارع: أجرا على اجتهاده، وجعل خطأه مغفورا له في الدين.
* لذلك من أفتى من العلماء: بصيام يوم عرفة، فهو مجتهد، وله أجر على اجتهاده، وخطؤه: مغفور له، لأنه لا يدري بضعف الحديث، وخفيت عليه علته، ومات ولم يعلم بذلك، فهو معذور في الدين. ([1])
* لأن من أسباب اختلاف العلماء، أن العالم لا يدري بضعف الحديث، فيحكم به في الشريعة، وهو لا يدري، وقد وقع لكثير من العلماء ذلك في الدين.
* إذا فإن اجتهد العالم، ولكنه لم يصل إلى الصواب، فله أجر واحد: هو أجر الاجتهاد، لأن اجتهاده في طلب الحق عبادة([2])، وفاته أجر الإصابة، ولا يأثم بعدم إصابة الحق بعد بذله لجهده واجتهاده، بشرط أن يكون عالما، مؤهلا، متمكنا في علم الشريعة المطهرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفرقان» (ص158): (فصل: وليس من شرط ولي الله: أن يكون معصوما، لا يغلط ولا يخطئ.
* بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين، حتى يحسب بعض الأمور مما أمر الله به([3])، ومما نهى عنه.
* وثبت في: «الصحيحين»، عن النبي r من حديث أبي هريرة، وعمرو بن العاص ﭭ، مرفوعا أنه قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر».
* فلم يؤثم المجتهد المخطئ، بل جعل له أجرا على اجتهاده، وجعل خطأه مغفورا له، ولكن المجتهد المصيب له أجران، فهو أفضل منه.
* ولهذا لما كان ولي الله: يجوز أن يغلط، لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو ولي لله، لئلا يكون نبيا.
* بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد r ([4])، فإن وافقه قبله، وإن خالفه لم يقبله، وإن لم يعلم أموافق هو، أم مخالف، توقف فيه). اهـ.
قلت: إذا فليس من شروط العالم، أنه لا يخطئ ألبتة، أو لا يغلط أبدا، أو لا يكون عنده التباس، أو اشتباه في بعض الأحكام.
* فليس من شرط العالم، أن يكون كاملا، إذ لو شرط هذا، لقيل: إن العالم في مرتبة الرسول r، لأن الرسول r هو الذي لا يغلط، وهو المعصوم في الشريعة المطهرة، فافهم لهذا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» (ص32): (فتبين أن المجتهد، مع خطئه: له أجر، وذلك لأجل اجتهاده، وخطؤه مغفور له، لأن درك الصواب في جميع أعيان الأحكام، إما متعذر، أو متعسر). اهـ.
ﭑ ﭑ ﭑ
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
ذكر الدليل على أن العالم: يخطئ ويصيب في الشريعة، لأنه يجتهد، والمجتهد مع خطئه: له أجر من أجل اجتهاده، مثل: العالم الذي أفتى بصوم يوم عرفة بحديث ضعيف لا يصح، فهذا اجتهاد، أخطأ فيه، وله أجر على اجتهاده([5])، ولا يتبع في خطئه هذا، بل يتبع المسلم ما جاء به الرسول r، وهو عدم صوم يوم عرفة، لأنه يوم عيد، وهو منهي عنه في الشريعة المطهرة.
أقول أولا: فإن من المعلوم أن العلماء رحمهم الله يذكرون في كتبهم بعض الأحاديث الضعيفة، ويبنون عليها فتاوى فقهية، وذلك باجتهاد منهم في معرفة الحق، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ منهم فله أجر على اجتهاده، والشواهد على هذا كثيرة عند أهل العلم.
وإليك الدليل:
عن عمرو بن العاص ﭭ قال: قال رسول الله r: (إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، فأخطأ فله أجر واحد). ([6])
قلت: فهذا نص صريح في أن المجتهدين، منهم: المصيب، ومنهم: المخطئ، ومن المعلوم أن المخطئ في الأحكام بعد استكمال الشروط معذور في خطئه، مأجور باجتهاده كما هو منطوق الحديث. ([7])
قال العلامة الشوكاني / في «السيل الجرار» (ج1 ص20): (فهذا الحديث قد دل دلالة بينة أن للمجتهد المصيب أجرين، وللمجتهد المخطئ أجرا، فسماه مخطئا وجعل له أجرا، فالمخالف للحق بعد أن اجتهد مخطئ مأجور، وهو يرد على من قال أنه مصيب، ويرد على من قال إنه آثم، ردا بينا، ويدفعه دفعا ظاهرا). اهـ.
وقال العلامة الشوكاني / في «إرشاد الفحول» (ص260): (فهذا الحديث يفيدك أن الحق واحد، وأن بعض المجتهدين يوافقه، فيقال له مصيب، ويستحق أجرين، وبعض المجتهدين يخالفه، ويقال له مخطئ، واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيبا، واسم المخطئ عليه لا يستلزم ألا يكون له أجر). اهـ.
وقال الحافظ البغوي / في «معالم التنزيل» (ج5 ص334): (وقوله r: «إذا اجتهد فأخطأ فله أجر»؛ لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ، بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق، لأن اجتهاده عبادة، والإثم في الخطأ عنه موضوع، إذ لم يأل جهده). اهـ.
* وسبب ذلك أن علماء الدين كلهم مجمعون على قصد إظهار الحق الذي بعث الله تعالى به رسوله r، وأن يكون الدين كله لله تعالى، وأن تكون كلمته هي العليا.
* فالمجتهد إن أخطأ فلا وزر عليه، وهو مأجور ومغفور له، وأما المقلد فلا عذر له عند الله تعالى، وهو مأثوم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج19 ص191): (بل يضل عن الحق من قصد الحق، وقد اجتهد في طلبه فعجز عنه فلا يعاقب، بل يكون له أجر على اجتهاده، وخطؤه الذي ضل فيه عن حقيقة الأمر مغفور له، وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة([8]) ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله تعالى: ]ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا[ [البقرة:286]، وفي الصحيح([9]) أن الله تعالى قال: «قد فعلت»). اهـ.
وقال الحافظ ابن قدامة / في «روضة الناظر» (ص196): (أما الإجماع فإن الصحابة y اشتهر عنهم في وقائع لا تخفى إطلاق الخطأ على المجتهد...، ثم ذكر الآثار في ذلك، ثم قال: وهذا اتفاق منهم على أن المجتهد يخطئ). اهـ.
ثانيا: فإن جميع الذين صححوا الحديث بناء على إيراد الحافظ مسلم / الحديث في «صحيحه»، فلم يتعرضوا له([10])، ولذلك بعد أن يذكر المصنف الحديث يقول: حديث صحيح، أخرجه مسلم، وقد بينا علة الحديث من قبل أئمة الجرح والتعديل، والله ولي التوفيق.
ثالثا: فإن البعض ([11]) الذين قالوا بصوم يوم عرفة لشهرته بين الناس، دون بحث في تخريجه وعلله وطرقه!، وبدون اجتهاد في الأدلة، ومعرفة الحق في هذه المسألة.
* والمفتي المقلد: إذا أفتى الناس بدون اجتهاد في الأدلة، ومعرفة الحق، فهو آثم، وإن أصاب الحق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «القواعد النورانية» (ص206): (كما لو حكم الحاكم بغير اجتهاد -يعني: من تقليد- فإنه آثم وإن كان قد صادف الحق). اهـ.
وقال الحافظ ابن حزم / في «المحلى بالآثار» (ج1 ص69): (والمجتهد المخطئ أفضل عند الله تعالى من المقلد المصيب). اهـ.
* والمفتي: كـ«الحزبي المتعالم»، إن لم يكن عالما بالحق، والفتوى بالأدلة، والراجح الصحيح من أقوال العلماء، لم يحل له أن يفتي، ولا يقضي بما لا يعلم، ومتى أقدم على ذلك فقد تعرض لعقوبة الله تعالى، وأثم، والله المستعان.
قال الحافظ ابن القيم / في «إعلام الموقعين» (ج4 ص220): (فإن لم يكن عالما بالحق فيها -يعني: الفتوى- ولا غلب على ظنه، لم يحل له أن يفتي، ولا يقضي بما لا يعلم، ومتى أقدم على ذلك: فقد تعرض لعقوبة الله تعالى، ودخل تحت: قوله تعالى: ]قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون[ [الأعراف: 33]؛ فجعل القول عليه بلا علم: أعظم المحرمات الأربع التي لا تباح بحال). اهـ.
قلت: والواجب على المسلم الحق أن يحب ظهور الحق، ومعرفة المسلمين له، سواء كان في موافقته، أو مخالفته. ([12])
قلت: ولا شك، أن هذه العصور المتأخرة، قد شهدت ضعفا في أصول الحديث، وضعفا في أصول العلم، وقلة للعلماء الربانيين من أهل الحديث، أدى ذلك إلى انتشار البدع عن طريق الأحاديث المعلولة، مثل: «صوم يوم عرفة»، فإنه بدعة في الدين، لأنه فيه: يكفر السنة الماضية، والباقية، وهذا من خصائص الرسول r، ومن حقوقه.
قال تعالى: ]إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما[ [الفتح: 1 و2].
* لقد تساهل كثير من الناس في هذا العصر في نشر الأحاديث المعلولة، على أنها صحيحة، والله المستعان.
* وقد حذر علماء السنة من الأحاديث الضعيفة بجميع أنواعها، وألفوا في ذلك الكتب، وكتبوا الردود فيها.
قال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز / في «الفتاوى» (ج6 ص358)؛ وهو يتكلم على الأحاديث الضعيفة، التي ينشرها القصاص، والوعاظ في المساجد: (هذه الأخبار التي ذكرها هذا الواعظ: كلها باطلة، مكذوبة على النبي r، ولا أصل لها... فينبغي التحذير من هؤلاء الكذابين، وينبغي للواعظ أن يتقي الله سبحانه: إذا وعظ الناس). اهـ.
وقال الحافظ ابن حبان في «صحيحه» (ج1 ص117): (فصل: ذكر إيجاب دخول النار، لمن نسب الشيء إلى المصطفى r، وهو غير عالم بصحته، ثم ساق بسنده: عن أبي هريرة t، عن رسول الله r قال: «من قال: علي ما لم أقل؛ فليتبوأ مقعده من النار».([13])). اهـ.
ﭑ ﭑ ﭑ
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
جوهرة نادرة
اعلم رحمك الله، أن المراد من هذا البحث، تبيين أبرز الأصول التي يقوم عليها أئمة الحديث، في نقد متون الأحاديث، وهو التحقق من سلامة معنى المتن من مناقضة، ومخالفة الأحكام الثابتة في القرآن والسنة.
* إذ لا يمكن أن يكون الحديث صحيحا، مع وجود تلك: المناقضة، والمخالفة في متنه.
* فعناية أئمة الحديث بالتحقيق من سلامة المتن من التناقض الذي لا يمكن أن يوجد في الأخبار الصحيحة. ([14])
* وقد جمعت طرق حديث: «صوم يوم عرفة» لغير الحاج.
* وقد أعلها أئمة الحديث، وبينوا أيضا هذه العلل، من جهة المعاني، ومن جهة الألفاظ التي تمنع من الحكم عليه بالصحة؛ لمناقضته، ومخالفته، لما ثبت في القرآن والسنة.
* وذكرت الآيات، والأحاديث في هذا البحث، التي تبين علة هذا الحديث، من جهة المعنى، ومن جهة اللفظ، ومن جهة الإسناد.
* وهذا يدل على ما بين صحة المتن، وصحة السند من ملازمة.
* بمعنى: أن وجود علة في المتن يقتضي وجود علة في السند، وقد تكون العلة واضحة، وقد تكون خفية، لا يفطن لها إلا الراسخون في أصول العلل والتخريج.
* وذلك: أن العلة في المتن لا بد لها من مصدر، ومصدرها لا بد أن يكون من رواة هذا المتن، ورواة المتن: هم السند في الحديث.
* ومن المقاييس التي استعملها المحدثون في نقد المتن: عرض المتن على القرآن الكريم، وعرض المتن على السنة الصحيحة. ([15])
* فكانوا يستدلون على ضعف الخبر بمناقضة متنه: القرآن، والسنة، لاستحالة وقوع التناقض في أخبار الله تعالى، وأخبار رسوله r.
قال تعالى: ]أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [ [النساء: 81].
وعن الإمام الربيع بن خثيم / قال: (إن من الحديث حديثا له ضوء كضوء النهار نعرفه، وإن من الحديث حديثا له ظلمة كظلمة الليل ننكره). ([16])
وبوب الحافظ الخطيب في «الكفاية» (ج2 ص558) باب: القول في تعارض الأخبار، وما يصح التعارض فيه، وما لا يصح.
وقال الحافظ الخطيب / في «الكفاية في معرفة أصول علم الرواية» (ج2 ص558): (فكل خبرين على أن النبي r تكلم بهما، فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين؛ لأن معنى التعارض بين الخبرين، والقرآن من أمر ونهي وغير ذلك، أن يكون موجب أحدهما منافيا لموجب الآخر، وذلك يبطل التكليف، إن كانا أمرا ونهيا، وإباحة وحظرا، أو يوجب كون أحدهما صدقا والآخر كذبا إن كانا خبرين، والنبي r منزه عن ذلك أجمع، معصوم منه باتفاق الأمة). اهـ.
وقال الحافظ الخطيب / في «الكفاية في معرفة أصول علم الرواية» (ج2 ص558): (وكل خبر واحد، دل العقل، أو نص الكتاب، أو الثابت من الأخبار، أو الإجماع، أو الأدلة الثابتة المعلومة على صحته، وجد خبر آخر يعارضه، فإنه يجب اطراح ذلك المعارض، والعمل بالثابت الصحيح اللازم؛ لأن العمل بالمعلوم واجب على كل حال). اهـ.
وبوب الحافظ الخطيب في «الكفاية» (ج2 ص550) باب: في وجوب اطراح المنكر، والمستحيل من الأحاديث.
قلت: وحديث الباب، يناقض الآيات، والأحاديث، فلا يصح في الشرع.
* فهذا الحديث يناقض قول الله تعالى، وقول رسوله r؛ فهو معلول عند أئمة الحديث.
قال تعالى: ]ومن أصدق من الله حديثا[ [النساء: 87].
وقال تعالى: ]ومن أصدق من الله قيلا[ [النساء: 122].
وقال تعالى: ]وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى[ [النجم: 3 و4].
قلت: فكل خبر صحيح لا بد أن يكون موافقا للقرآن؛ لأن الحديث الذي يخالف القرآن، هو منكر. ([17])
* وقد جاء في حديث أبي قتادة t ما يناقض القرآن والسنة، وهو: «أن صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية، والسنة الباقية».
* وهذا يناقض ما ثبت في القرآن الكريم أن تكفير الذنوب الماضية، والباقية، هو خاص برسول الله r مطلقا، يعني: ليس لغيره، لا لسنة، ولا أقل من ذلك، ولا أكثر.
* وقد بين الله تعالى في القرآن لهذه الخاصية، لرسول الله r.
فقال تعالى: ]إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما[ [الفتح:1 و2].
قال الحافظ ابن كثير / في «تفسير القرآن» (ج3 ص198): (هذا من خصائصه r التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفـر له مـا تقدم من ذنبه، وما تأخر([18])، وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله r).اهـ
وقال تعالى: ]ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك[ [الشرح:1 و2 و3].
* فحديث: «صوم يوم عرفة» هذا مخالف للقرآن، فلا يحتج به في الشرع.
* وكذلك: رسول الله r، لم يصم يوم عرفة، على ما فيه من فضل عظيم في تكفير الذنوب، فكيف r يأمر بصيامه للأمة، ثم يتركه، ولم يصم، فهذا يستحيل أن يقع من النبي r؛ لأنه r: هو القدوة، الذي يقتدى به في الدين.
فعن عائشة ڤ قالت: (ما رأيت رسول الله r صائما في العشر قط).([19])
* يعني: الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة.
قلت: فقول عائشة ڤ: (ما رأيت رسول الله r صائما في العشر قط)، يتعذر فيه التأويل بأي حال.([20])
* وعائشة ڤ هي أعلم الناس بأحوال صوم النبي r، وقد أوضحت أن النبي r لم: يصم أيام العشر من ذي الحجة، منها: اليوم التاسع، وهو يوم عرفة!.
قال الإمام ابن باز / في «الفتاوى» (ج15 ص417): (ويبعد جدا أن يكون النبي r يصوم العشر، ويخفى ذلك على عائشة ڤ، مع كونه يدور عليها في ليلتين، ويومين من كل تسعة أيام). اهـ
* ثم إن صوم رمضان، وهو ركن من أركان الإسـلام وهو صوم فرض، وأفضل من صوم النفل، لم يجعل له الشارع تكفير الذنوب الماضية، والباقية في السنة؛ فكيف يجعل الشارع هذا التكفير للذنوب لصوم نفل، ولا يجعله لصوم فرض، فهذا ينافي حكمة الشارع البالغة.
قال تعالى: ]ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون[ [البقرة: 183].
وقال تعالى: ]شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه[ [البقرة: 185].
وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: (أفضل الصيام، بعد شهر رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة، بعد الفريضة، صلاة الليل).([21])
وعن ابن عمر ﭭ، قال: (صام النبي r عاشوراء، وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك).([22])
وبوب الحافظ البخاري عليه في «صحيحه» (ج2 ص667)؛ باب: وجوب صوم رمضان.
وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: (من صام رمضان، إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه).([23])
قلت: فجعل النبي r في هذا الحديث، لصوم رمضان تكفير ما مضى من الزمن فقط، وهو فرض، فكيف يجعل r لصوم يوم عرفة، تكفير الذنوب لسنة ماضية، وسـنـة باقية، وهو مستحب: ]إن هذا لشيء عجاب[ [ص: 5].
إذا: فذكر في حديث: «صوم يوم عرفة» زيادة شاذة، وهي صيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين، سنة ماضية، وسنة آتية، فيكون للعبد الصائم ليوم عرفة يكفر ما تقدم من ذنبه، وما تأخر.
قلت: وهذا الحكم خاص([24]) بالنبي r لا يشاركه أحد من بني آدم؛ لا جزئيا ولا كليا؛ فافطن لهذا ترشد.
وإليك الدليل:
قال تعالى: ]إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما[ [الفتح:1 و2].
قال الحافظ ابن كثير / في «تفسير القرآن» (ج3 ص198): (هذا من خصائصه r التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفـر له مـا تقدم من ذنبه، وما تأخر([25])، وهذا فيه تشريف عظيم لــرســول الله r).اهـ
وقال تعالى: ]ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك[ [الشرح:1 و2 و3].
قال أبو المكارم القاضي الروياني الشافعي / في كتابه «العدة»: (في تكفير السنة الأخرى يحتمل معنيين:
أحدهما: المراد السنة التي قبل هذه، فيكون معناه أنه يكفر سنتين ماضيتين.
والثاني: أنه أراد سنة ماضية، وسنة مستقبلة، وهذا لا يوجد مثله من العبادات؛ أنه يكفر الزمان المستقبل، وإنما ذلك خاص لرسول الله r غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بنص القرآن العزيز).([26]) اهـ
* وقد عرف الصحابة t؛ بأن الله تعالى قد غفر للنبي r ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلم يتعدوا ذلك في أي عمل، لا في الصوم، ولا في غيره؛ لأنهم يعرفون أن ذلك من خصائصه r مطلقا.
فعن عائشة ڤ قالت: (كان رسول الله r إذا أمرهم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا).([27])
* فمن خصائصه r أنه أخبره الله تعالى بالمغفرة، ولم ينقل أنه أخبر أحدا من الأنبياء بمثل ذلك.
* فكيف يجعل لعامي، أو غيره، أن يشارك النبي r في هذه الخاصية، أن يكفر الله له لمدة سنة ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لصومه يوم عرفة!، فهذا باطل بلا شك.
* فلا غفران لسنة كاملة في أي عمل من الأعمال، بما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ لأن ذلك من خصائص الرسول r مطلقا.([28])
قلت: وكل ما يرد في الأخبار من تكفير الذنوب المستقبلة؛ فهي ضعيفة لتخصيص ذلك للنبي r وحده.([29])
قلت: ومن هذه الأخبار الضعيفة؛ خبر صوم يوم عرفة؛ فإنه يكفر سـنـة ماضية، وسنة مستقبلة.
قال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين في «شـرح ريـاض الـصـالحين» (ج2ص73): (قال بعض العلماء: واعلم أن من خصـائـص الـرسـول r أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبناء عليه: فكل حديث يأتي بأن من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فإنه حديث ضعيف؛ لأن هذا من خصائص الرسـول، أما «غفر له ما تقدم من ذنبه»، فهذا كثير، لكن: «ما تأخر»، هذا لـيس إلا للـرسـول r فقط، وهو من خصائصه، وهذه قاعدة عامة نافعة لطالب العلم([30])، أنه إذا أتاك حديث فيه أن من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فاعلم أن قوله: «ما تأخر»، ضعيف لا يصح؛ لأن هذا من خصائص محمد صلوات الله، وسلامه عليه).اهـ
ﭑ ﭑ ﭑ
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
رب أنعمت فزد
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
]يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون[ [آل عمران :102].
]يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا[ [النساء:1].
]يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سـديدا (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما[ [الأحزاب:70 و71].
أما بعد...
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد r، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
* فإنه قد كثر التطاول في هذا العصر على مقام رسول الله r، وعلى مقام سنته r، من قبل أجناس من الناس، سواء عن طريق التصريح أو التلويح، أو عن طريق التقليد أو التعصب، أو عن طريق الغلو أو التحزب، أو طريق الفتاوى الباطلة، أو الاجتهاد الفاسد، أو عن طريق علم غير نافع، أو الأحاديث الضعيفة بجميع أنواعها([31])، فكل ذلك يعتبر إساءة لرسول الله r، ولسنته الغراء، ومقامه السامي الذي خصه الله تعالى به في الإسلام.
فعن عبد الله بن مسعود t قال: (كم من مريد للخير لن يصيبه). ([32])
قال تعالى: ]وابتغوا إليه الوسيلة[ [المائدة: 35].
عن قتادة / قال: في قوله تعالى: ]وابتغوا إليه الوسيلة[ [المائدة: 35]؛ قال: (أي: تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه). ([33])
قال الإمام الطبري / في «جامع البيان» (ج5 ص66): (قوله تعالى: ]وابتغوا إليه الوسيلة[ [المائدة: 35]؛ يقول تعالى: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه). اهـ.
وقال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز / في «الفتاوى الشرعية» (ص137): (الأسلوب السيء من أخطر الوسائل في رد الحق، وعدم قبوله، أو إثارة القلاقل، والظلم، والعدوان). اهـ.
* لذلك: أوجب الله تعالى على كل مسلم صاحب قدرة أن يقوم بواجبه الشرعي في نصرة رسول الله r، والدفاع عنه r، والدفاع عن خصائصه التي خصها الله تعالى له، على حسب ما أوتي، وبقدر ما استطاع العبد.([34])
* فكان من حقه r على أتباعه إلى يوم الدين: الانتصار له ممن أساء إليه، وأساء إلى سنته، سواء يشعر أو لا يشعر، وسواء يعلم أو لم يعلم.
قال تعالى: ]لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا[ [الفتح: 9]؛ أي: وأعانوه على أعداء السنة، بجهادهم بالحجة والبيان. ([35])
وقال تعالى: ]فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون[ [الأعراف: 157].
وقال تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم[ [محمد:7].
* ولقد تعرض رسول الله r؛ لصنوف الإساءة: «القولية»، و«الفعلية»، من قبل المتنصبة المتعصبة، بدسهم له r، ولسنته من أحكام باطلة، من أحاديث معلولة في الأصول والفروع، وهم لا يشعرون، أسوة بمن مضى من المقلدة المتعصبة.
* ولم تزل فلول التقليد والتعصب تنال من رسول الله r، وتسيء إلى سنته. ([36])
* حيث شهد هذا العصر حملة شعواء مليئة بالتقليد والتعصب: للآراء الباطلة، والاجتهادات الفاسدة، عن طريق الإفتاء بالأحاديث الضعيفة، والفتاوى المجردة من الدليل، فإن ذلك يعتبر من الإساءة إلى الرسول r، ومن سنته الصحيحة. ([37])
قلت: فيجب الانتصار للنبي r، قولا وفعلا في هذا الدين.
* والمنتصر لهذا الدين هو داعية إليه.
* والداعية: ينبغي أن يكون ناصرا لهذا الدين، مدافعا عنه، يسعى لحمايته من كل مقلد متعصب، ومن كل متربص حاقد.
* وهذا من مقتضى الإيمان، وهو أن محمدا: رسول الله r، وهو الأصل الثاني: للدين، الذي لا يقوم الدين؛ إلا بهذا الأصل.
قال تعالى: ]لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا[ [الفتح: 9].
* ويدخل في نصرة رسول الله r، نصرة سنته الصحيحة، وتصفيتها مما أدخل فيها عن طريق الأحاديث المعلولة، وكشف البدع وبيان ضعفها وتهافتها. ([38])
قلت: فحفظ حقوق رسول الله r العامة والخاصة، والذب عن سنته، والذود عن شريعته، من أعظم المقاصد الشرعية، والحقوق المرعية.
* فهذا بيان حقوق رسول الله r على أمته، كوجوب: محبته وتعظيمه، وطاعته واتباعه، والدفاع عنه r، وقمع المقلدة المتعصبة، والانتصار لسنته، وغير ذلك من الحقوق الواجبة.
قال تعالى: ]ولينصرن الله من ينصره[ [الحج: 40]؛ أي: ليعينن الله تعالى، من ينصر رسوله r، ودينه في سبيله، لتكون كلمته العليا على المخالفين بجميع أنواعهم.([39])
* فإن النصرة من أعظم حقوق النبي r: على أمته، لأن حقوقه r عظيمة على أمته، وقد أوجبها الله تعالى في كتابه العزيز، وبينها النبي r في سنته الغراء.
* ومن أعظم هذه الحقوق، ما خصه الله تعالى بتكفير الذنوب له r: من المتقدمة والمتأخرة.
قال تعالى: ]إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما[ [الفتح: 1 و2].
* فثبت في هذه الآية، النهي عن مساواة النبي r، في تكفير الذنوب، المتقدمة، والمتأخرة، بغيره من الخلق.
قال الحافظ ابن كثير / في «تفسير القرآن» (ج3 ص198): (هذا من خصائصه r التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره: غفـر له مـا تقدم من ذنبه، وما تأخر، وهذا فيه تشريف عظيم لـرسول الله r).اهـ
وقال تعالى: ]ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك[ [الشرح:1 و2].
قال أبو المكارم القاضي الروياني الشافعي / في كتابه «العدة»: (في تكفير السنة الأخرى يحتمل معنيين:
أحدهما: المراد السنة التي قبل هذه، فيكون معناه أنه يكفر سنتين ماضيتين.
والثاني: أنه أراد سنة ماضية، وسنة مستقبلة، وهذا لا يوجد مثله من العبادات؛ أنه يكفر الزمان المستقبل، وإنما ذلك خاص لرسول الله r غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بنص القرآن العزيز).([40]) اهـ
* وقد عرف الصحـابة y؛ بأن الله تعالى قد غفر للنبي r ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلم يتعدوا ذلك في أي عمل، لا في الصوم، ولا في غيره؛ لأنهم يعرفون أن ذلك من خصائصه r مطلقا.
فعن عائشة ڤ قالت: (كان رسول الله r إذا أمرهم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا).([41])
* فمن خصائصه r أنه أخبره الله تعالى بالمغفرة، ولم ينقل أنه أخبر أحدا من الأنبياء بمثل ذلك.
* فكيف يجعل لعامي، أو غيره، أن يشارك النبي r في هذه الخاصية، أن يكفر الله تعالى له لمدة سنة ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لصومه يوم عرفة!، فهذا باطل بلا شك.
* فلا غفران لسنة كاملة في أي عمل من الأعمال، بما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ لأن ذلك من خصائص الرسول r مطلقا.([42])
قلت: وكل ما يرد في الأخبار من تكفير الذنوب المستقبلة؛ فهي ضعيفة لتخصيص ذلك للنبي r وحده.([43])
قلت: ومن هذه الأخبار الضعيفة؛ خبر صوم يوم عرفة؛ فإنه يكفر سـنـة ماضية، وسنة مستقبلة.
قال شـيـخـنـا العلامة محمد بن صالح العثيمين / في «شــرح رياض الصالحين» (ج2ص73): (قال بعض العلماء: واعلم أن من خصائص الرسول r أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبناء عليه: فكل حديث يأتي بأن من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فإنه حديث ضعيف؛ لأن هذا من خصائص الرسول، أما «غفر له ما تقدم من ذنبه»، فهذا كثير، لكن: «ما تأخر»، هذا ليس إلا لـلـرسـول r فقط، وهو من خصائصه، وهذه قاعدة عامة نافعة لطالب العلم([44])، أنه إذا أتاك حديث فيه أن من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فاعلم أن قوله: (ما تأخر)، ضعيف لا يصح؛ لأن هذا من خصائص محمد صلوات الله، وسلامه عليه).اهـ
قلت: فهذا الحكم خاص بالنبي r، لا يشاركه أحد من بني آدم؛ لا جزئيا، ولا كليا؛ فافطن لهذا ترشد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الصارم المسلول» (ص425): (إن نصر رســول الله r: فـرض عـلـيـنا، لأنه مـن الـتـعزيـر الـمـفروض، ولأنه من أعظم الجهاد في سبيل الله تعالى). اهـ.
* فكان حقا علينا، وعلى الأمة، بل على كل فرد فيها، أن ينصر رسول الله r، بما أوتي من قوة، في قمع الفتاوى التي تنشر، بأن العامي إذا صام يوم عرفة، فقد حصل على تكفير: سنة متقدمة، وسنة متأخرة، لأن هذا من الظلم.
* والنصر هذا من لوازم محبة رسول الله r، بأن تنصره، وتدافع عن حقه في أن الله تعالى خصه بهذه الخاصية في تكفير الذنوب: المتقدمة، والمتأخرة. ([45])
قال تعالى: ]إلا تنصروه فقد نصره الله[ [التوبة: 40].
وقال تعالى: ]فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون[ [الأعراف: 157].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (ص217): (فرض الله تعالى علينا تعزير رسوله r: وتوقيره، وتعزيره: نصره ومنعه([46])، وتوقيره: إجلاله وتعظيمه، وذلك يوجب صون عرضه بكل طريق، بل ذلك أولى درجات التعزير والتوقير). اهـ.
* فالمؤمن الحق، هو الذي يهب لنصرة النبي r، متى انتهكت حرمته، وأسيء لسنته.
قال تعالى: ]والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم[ [الأنفال: 74].
قلت: فوصف الله تعالى المؤمنين الذين نصروا نبيهم r من الصحابة y، وغيرهم؛ بأنهم هم: المؤمنون حقا، لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه. ([47])
وقال تعالى: ]لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز[ [الحديد: 35].
* ليقيم الله تعالى سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب، فيتبين من ينصره، وينصر رسله في حال الغيب التي ينفع فيها الإيمان. ([48])
* والانتصار للنبي r: تكليف شرعي، وواجب ديني يناط بالاستطاعة الشرعية.
* فقد يسوغ للعبد أن يكتمه تارة، ويظهره تارة أخرى.
* بحسب حال القوة والضعف، وبحسب استطاعته الشرعية، ورجحان المصلحة على المفسدة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «منهاج السنة» (ج3 ص28): (فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان العقل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإذا كان العقل ممكنا مع المفسدة الراجحة، لم يكن هذه استطاعة شرعية). اهـ.
قلت: وانحصرت القدرة علينا في نصرة رسول الله r، والإنكار على من ساوى بين الرسول r، وبين غيره من الخلق في تكفير الذنوب: المتقدمة والمتأخرة، بصومه يوم عرفة!.
* فلم يقم أحد بإنكار هذا المنكر، وإرجاع حقه r، لكي يبقى هو المتفرد بهذه الخاصية.
* فتعين علي نصرة النبي r في ذلك، لتفردي بالعلم، بعلة: «صوم عرفة»، وهو حديث منكر، لأن من شروط الإنكار: العلم بالمنكر، وبكيفية دفعه. ([49])
قال الحافظ ابن عبد البر / في «جامع بيان العلم» (ج2 ص192): (إلا أن يضطر أحد إلى الكلام، فلا يسعه السكوت، إذا طمع برد الباطل، وصرف صاحبه عن مذهبه، أو خشي ضلال عامة، أو نحو هذا). اهـ.
وقال الحافظ الآجري / في «الشريعة» (ص145): (فلم يجد العلماء بدا من الذب عن الدين، وأرادوا بذلك معرفة العامة الحق من الباطل). اهـ.
وعن الإمام يحيى بن يحيى النيسابوري / قال: (الذب عن السنة، أفضل من الجهاد في سبيل الله). ([50])
* فلا بد من تصفية السنة من الأحاديث المعلولة، وهذا من خلال تمييز الصحيح، من الضعيف، وإخراج السنة للناس صافية، مما علق بها من الأحاديث المعلولة.
قلت: فواجب الأمة صد المعتدي على معالم السنة، تعظيما لأمرها، وصيانة لها من تدنيس المعتدين عليها بإدخالهم الأحاديث المعلولة فيها في جميع الأحكام!.
قال تعالى: ]إلا تنصروه فقد نصره الله[ [التوبة: 40]؛ فإن الله تعالى: مؤيده، وكافيه، وحافظ سنته. ([51])
وقال تعالى: ]إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد[ [غافر: 51]؛ يعني: الله تعالى يغلبهم في الدارين جميعـا، بالحجة والبيان على مخالفيهم، ونجعلهم الغالبين عليهم لسنة نبيهم. ([52])
وقال تعالى: ]ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا[ [الأنبياء: 77]؛ أي: ونجيناه وخلصناه. ([53])
وقال تعالى: ]إن ينصركم الله فلا غالب لكم[ [آل عمران: 160].
قلت: فهذا تبيين من الله تعالى، وأنه المتكفل بنصر أتباع الرسول r، وإعزاز دينهم، وإظهارهم على عدوهم.
* وإن تولينا عن نصرة رسول الله r، فالله تعالى يستبدل غيرنا، فينصرون الله تعالى، ورسوله r.
قال تعالى: ]وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم[ [محمد:38].
* لذلك: يجب أن نتعرف على مواقف السلف في مجال نصرة رسول الله r، ونصرة سنته r، خلال حقب زمنية، متفاوتة؛ مرورا بالقرون الثلاثة الفاضلة، ووصولا إلى أتباع السلف من علماء الحديث قديما وحديثـا.([54])
* فقد تعين علي؛ وجوبا تبيين ضعف حديث أبي قتادة t: (في صوم يوم عرفة، وأنه يكفر السنة الماضية، والسنة الباقية!)؛ لتفردي بالعلم المتعلق بمعرفة علة هذا الحديث، جملة وتفصيلا.
قال الحافظ النووي / في «المنهاج» (ج2 ص32): (إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فرض كفاية، ثم إنه قد يتعين إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو). اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج28 ص66): (وهو فرض كفاية، ويصير فرض عين على القادر، الذي لم يقم به غيره، فإن مناط الوجوب هو القدرة، فيجب على كل إنسان بحسب قدرته). اهـ.
وقال الإمام ابن العربي / في «أحكام القرآن» (ج1 ص383): (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فرض كفاية، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: نصرة الدين؛ بإقامة الحجة على المخالفين.
* وقد يكون فرض عين إذا عرف المرء من نفسه صلاحية النظر، والاستقلال بالجدال، أو عرف ذلك منه). اهـ.
قلت: فرسول الله r: أجل وأعلى، وأسمى من أن يشاركه عامي في خاصية تكفير الذنوب: المتقدمة والمتأخرة.
* فالرسول r قد خصه الله تعالى، بهذه الخاصية، فلا يجوز لأي أحد أن يشاركه فيها، لا من قريب، ولا من بعيد، فيجب نصر الرسول r في هذه الخاصية، وأن تبقى له وحده r. ([55])
* لذلك: يجب الصدع بالحق عليهم، والجهر به لإبطال حكم صوم يوم عرفة، وهو أصل في صدعه بالحق.
قال تعالى: ]فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين[ [الحجر: 94].
* والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
وقال تعالى: ]وقولوا للناس حسنا[ [البقرة: 83].
* وأن يكون الصدع بإخلاص، ونية صادقة، في نصرة الحق، والتجرد له، وقمع هذه البدعة([56])، ودرء أخطارها.
* والإفتاء بصوم يوم عرفة، وهو يوم عيد، فهذا من الغلو في الدين، وهو: مجاوزة الحد.
* والغلو من أعظم المداخل التي يدخل الشيطان بها إلى قلوب أهل الأهواء، فيقودها إلى مجاوزة المشروع من العبادة!.
قال تعالى: ]أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون[ [الجاثية: 23].
* أي: مهما استحسن من حكم، ورآه حسنا في هوى نفسه، كان: دينه، ومذهبه.([57])
قال الإمام ابن القيم / في «مدارج السالكين» (ج2 ص496): (وما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما: إلى إفراط وغلو، ودين الله تعالى: وسط بين الجافي عنه، والغالي فيه.
* كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد). اهـ.
* والانحراف البدعي، إنما يكون في الغالب من باب القول بالمتشابه، والقول بالشبه، وهي: داء عظيم البلاء، يصيب القلوب فيطفئ فيها نور اليقين، إذ القلوب: ضعيفة، والشبه: خطافة. ([58])
قال تعالى: ]فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله[ [آل عمران: 7].
وعن عائشة ڤ قالت: (تلا رسول الله r هذه الآية: ]هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله[ [آل عمران: 7]، قالت: قال رسول الله r: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله؛ فاحذروهم). ([59])
* ثم إن أهل التقليد: مغالون في التعصب للأحكام التي يصدرونها، بلا علم، ولا عدل، مع بغي وعدوان على المخالف لهم، وإن كان على الحق!. ([60])
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الاستقامة» (ج1 ص252)؛ في وصف أهل الأهواء: (واتباع أهواء: قوم قد ضلوا من قبل، وإن كان فيهم من فيه فضل وصلاح([61])، فهم فيما ابتدعوه من ذلك ضالون عن سبيل الله تعالى، يحسبون أن هذه البدعة تهديهم إلى محبة الله تعالى، وإنها لتصدهم عن سبيل الله تعالى). اهـ.
قال تعالى: ]فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة[ [المدثر: 49-51].
* والمبتدعة قد جهلوا كمال الشريعة، وتحقيقها للمصالح، ودرءها للمفاسد على أكمل وجه وأتمه، فاستدركوا على الشرع، وكذبوا على رسول الله r بالأحاديث المعلولة، والضعيفة. ([62])
* ومن ضروب جهلهم: جهلهم، بأصل السنة، ودورها في التشريع، وجهلهم بصحيح السنة من غيره، وهو ما أدى إلى اختلاف الأحكام عليهم، ومن ذلك قولهم: بـ«صوم يوم عرفة»، وهو حديث معلول.
* فالمقلدة من أصحاب الإساءة إلى السنة وأهلها، ومن آثار انحرافهم في منهج نصرة السنة، زهد المقلدة في السنة، وتعمدهم لمز أصحاب السنة، إذا خالفوهم في فتاوى التقليد، وهذا بسبب تقديمهم للآراء على الدليل.
* وكثيرا ما يختلط حظ النفس، مع مقصد نصرة السنة وأهلها، فيكون هؤلاء، إنما ينتصرون لأنفسهم، وآرائهم، وجماعتهم، لا لهذا الدين!. ([63])
قال تعالى: ]وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا[ [يونس: 36].
وقال تعالى: ]ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا[ [الفرقان: 27-29].
وقال تعالى: ]والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون[ [الشورى: 39]؛ أي: فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم، واعتدى عليهم، ليسوا بعاجزين، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم. ([64])
قال العلامة الشاطبي / في «الاعتصام» (ج2 ص176): (وسمي أصحابها: أهل الأهواء؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورا فيها من وراء ذلك). اهـ.
* وإن زهد المقلدة المنتصرين بزعمهم للسنة، قابله في الغالب إساءة لها، ولأهلها، خصوصا إذا نصحوا، بضرورة الالتزام بالسنة الصحيحة في منهج الشريعة المطهرة.
* إن أعظم الأمور إساءة للنبي r: التولي عنه، وعن سنته([65])، فهذا أشد ما يؤلم النبي r، ويسيء إليه.
قال تعالى: ]فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا[ [الكهف: 6].
وقال تعالى: ]لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين[ [الشعراء: 3].
فأهل البدع: إذا سمعوا السنة الصحيحة، تولوا معرضين، وأخذوا في الإعراض عن الحق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الاستقامة» (ج2 ص224): (ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة، من المنسوبين إلى العلماء والعباد، يجعل من أهل الأهواء، كما كان السلف يسمونهم: أهل الأهواء؛ وذلك أن كل من لم يتبع العلم، فقد اتبع هواه، والعلم بالدين، لا يكون إلا بهدي الله تعالى، الذي بعث به رسوله r). اهـ.
* ولا ينبغي لنا أن نسكت عن المقلدين، بنشرهم: للأحاديث الضعيفة، مثل: حديث: «صوم يوم عرفة، وأنه يكفر السنة الماضية، والسنة الباقية»!.
* حتى أن المقلد المتعصب يصل به التعصب، أن يكون بلغه النص، ولكنه يتأوله على معنى آخر، لم يرد في الشرع، فيقع في الزلل، بسبب عناده في الحكم، ولا يعذر بذلك.
قلت: والعذر بالجهل لمثل هذا الجاهل المتعصب المعاند، لا يعذر بجهله لا في الأصول، ولا في الفروع. ([66])
* وهذا من باب مقابلة البدعة، ببدعة مثلها، ولا يرفع البدعة، إلا السنة الصحيحة. ([67])
قال تعالى: ]ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون[ [الصافات: 171-173].
* فالنصرة من الله تعالى لعباده: هي حفظهم من كل مكروه، وكفايتهم من كل هم، وتأييدهم لقهر عدوهم، والغلبة على من ناوأهم.
* وحمل المبتدع وزر من اقتدى ببدعته.
فعن أبي هريرة t، أن رسول الله r قال: (ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا). ([68])
* فخرج المقلد عن طريق الرسول r وهديه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «منهاج السنة» (ج5 ص176): (وصاحب الهوى، يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله تعالى، ورسوله r في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله تعالى، ورسوله r، ولا يغضب لغضب الله تعالى، ورسوله r.
* بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه.
* ويكون مع ذلك معه: شبهة دين، أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة، وهو الحق، وهو الدين.
* فإذا قدر أن الذي معه هو: الحق المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله تعالى، وأن تكون كلمة الله تعالى: هي العليا.
* بل قصد الحمية لنفسه وطائفته، أو الرياء ليعظم هو ويثنى عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعا، أو لغرض من الدنيا، لم يكن لله تعالى، ولم يكن مجاهدا في سبيل الله تعالى). اهـ.
وقال العلامة الشاطبي / في «الاعتصام» (ج2 ص182)؛ عند حديثه عن أسباب البدع: (هذه الأسباب الثلاثة راجعة في التحصيل إلى وجه واحد: وهو الجهل بمقاصد الشريعة، والتخرص على معانيها بالظن من غير تثبت، أو الأخذ فيها بالنظر الأول، ولا يكون ذلك من راسخ في العلم). اهـ.
* فضعف العلم، وقلة الفقه في الدين من أعظم سمات المبتدعة.
قال العلامة الشاطبي / في «الاعتصام» (ج2 ص290): (البدع لا تقع من راسخ في العلم، وإنما تقع ممن لم يبلغ مبلغ أهل الشريعة، المتصرفين في أدلتها). اهـ.
* فالجهل بمقاصد الشريعة، من سمات أهل الأهواء، ومن أعظم أسباب وقوعهم في الآراء الفاسدة، والأحكام الشاذة.
قلت: وما فعلوا هذا الصوم في يوم عرفة، إلا بسبب جهلهم بحق رسول الله r، وتطاولوا على مقام النبوة، وعموا عن إدراك حقيقة خصائصه r.
* وأصل الجهل هو: خلو النفس من العلم، وهو الجهل المركب([69])، أو الجهل البسيط.
* والجهل سبب الإعراض عن الحق.
قال تعالى: ]بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون[ [الأنبياء: 24].
قلت: ومن أبرز أساليب أهل التقليد: إثارة الشكوك والشبهات، وإطلاق التهم جزافا؛ من أجل تنفير الناس عن السنة الصحيحة.
* ومن أعظم أساليب الإساءة إلى النبي r: الافتراء عليه، ونسبة ما لم يقل إليه؛ لأن ذلك يؤدي إلى تحريف هذا الدين؛ لأجل ذلك عظم الوعيد على من افترى على رسول الله r الكذب.
فعن أنس بن مالك t؛ أن رسول الله r قال: (من تعمد علي كذبا، فليتبوأ مقعده من النار). ([70])
* وقد ابتليت هذه الأمة بالجاهلين بعلم الحديث وأصوله وعلله وتخريجه، الذين اختلقوا الأحاديث المعلولة ليتعبدوا بها في الدين، تقليدا لمشايخهم ولآبائهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الصارم المسلول» (ص173): (إن تعمد الكذب عليه r، استهزاء به واستخفاف، لأنه يزعم أنه أمر بأشياء ليست مما أمر به). اهـ.
* ومن ذلك لمز كثير من هؤلاء المقلدة: أهل السنة، حين أنكروا عليهم: الإفتاء بـ«صوم عرفة»، و«صوم العشر الأولى من ذي الحجة»، وغير ذلك، بأنهم: جهلة، وغير ذلك من سيل التهم.
قال العلامة الشاطبي / في «الاعتصام» (ج2 ص275): (يلتزم الناس البدع، حتى تكون مخالفتها عندهم هي المنكر، وربما يعاقبون من لزم السنة، وقد يستبيحون دمه!). اهـ.
قلت: لقد مارس أهل التحزب منذ ظهور السنة، صنوفا من الترهيب القولي ([71])، بقصد ثني أهل السنة عن دعوتهم، وبث الرعب في قلوب أتباعها، فلم يلتفت أهل السنة إليهم.
قال تعالى: ]ويخوفونك بالذين من دونه[ [الزمر: 36].
وقال تعالى: ]ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل[ [الشورى: 41]؛ أي: استوفى حقه بنفسه. ([72])
* والمقلدة المتعصبة: يروجون بضاعتهم المزجاة في علم غير نافع، من أجل الحصول على دنياهم، من المناصب والأموال، والمآكل والمشارب، والمساكن الفاخرة، باسم الدين!.
وقال تعالى: ]وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون[ [الأنعام: 112].
قلت: لقد أخبر الله تعالى في كتابه، أن سنته الماضية، أن يخرج لكل تابع للرسول r، عدوا من المجرمين، يقاوم دعوة السنة الصحيحة، ويحاربها وأهلها: ]والعاقبة للمتقين[ [الأعراف: 128].
قال العلامة الآلوسي / في «شرح مسائل الجاهلية» (ص189): (فكل من دعا إلى الحق رماه من كان على المسلك الجاهلي ([73])، أن قصده من الدعوة: طلب الرئاسة والجاه، من غير أن ينظروا إلى ما دعا إليه، وما قام عليه من البراهين). اهـ.
* فترك التأسي بالنبي r في السنة التركية، وفي هديه، من هؤلاء المقلدة، فأصبح هؤلاء، من المسيئين للسنة، لتنكبهم هديه في هذا الصوم المزعوم، وغيره!.
* فالمنتصر لبدعة صوم عرفة، هذا مجانب للشرعة السوية، مجاف للطريقة المحمدية، خارج عن طريق الرسول r وهديه. ([74])
* وهؤلاء المتحزبة المتنصبة، ينصر بعضهم بعضا في الباطل، ويؤازر بعضهم بعضا في البدع، ويؤيد بعضهم بعضا في بلدانهم.
فعن عبد الله بن مسعود t قال: (من نصر قومه على غير الحق، فهو كالبعير) ([75])؛ يعني: الضال. ([76])
* فهم قائمون في البلدان على المؤازرة، ومساندة الباطل، وإشاعة البدع.
* فحرص المقلدة على تقليد بعضهم بعضا في غالب الأحكام في الأصول والفروع.
* فالمقلدة مولعون بتقليد بعضهم بعضا، مثل أسراب القطا، وما شرعت الحسبة إلا لمنع انتشار فتاوى المقلدة.
قلت: فمادام المقلدة، لم يعملوا بالسنة في حكم ما، فلا بد أن يعملوا بالبدعة على أنها من السنة، وهذا فيه من الفساد ما فيه.
قال تعالى: ]فماذا بعد الحق إلا الضلال[ [يونس: 32].
وقال تعالى: ]وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون[ [الزخرف: 23].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (ص32): (وهذه الأمور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين؛ فإنهم: يحتاجون إلى شيئين: إلى دفع الفتنة التي ابتلي بها نظراؤهم من فتنة الدين والدنيا عن نفوسهم مع قيام المقتضي لها.
* فإن معهم نفوسا، وشياطين، كما مع غيرهم، فمع وجود ذلك من نظرائهم يقوى المقتضي عندهم، كما هو الواقع.
* فيقوى الداعي الذي في نفس الإنسان وشيطانهم، وما يحصل من الداعي بفعل الغير والنظير.
* فكم ممن لم يرد خيرا، ولا شرا حتى رأى غيره -لا سيما إن كان نظيره- يفعله: ففعله؛ فإن الناس؛ كأسراب القطا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض). اهـ.
قلت: فإلف الناس للتقليد الأعمى في الدين، يؤدي إلى انتشار الإساءة لسنة رسول الله r، وإلف الناس لها، واستهانتهم بها؛ لكثرة شهودهم لها، وكما قيل: «كثرة المساس، يبلد الإحساس»، خصوصا مع سكوت دعاة الحق، وتقاعسهم عن بيان الشبه، وكشف زيف الجهل المركب، والتقليد الأعمى. ([77])
* ولا شك أن هذا الإلف يؤدي إلى إعراض الناس عن الحق، واستنكافهم عن قبوله، لأن أصعب ما يكون على النفس: قطع العوائد، وما ألفوه، وإن كان خلاف الحق!.
قال الإمام ابن القيم / في «الفوائد» (ص153)؛ عن ضرر العوائد، وما ألفه الناس من الجهل في الدين: (الوصول إلى المطلوب: موقوف على هجر العوائد، وقطع العوائق.
* فالعوائد: السكون إلى الدعة والراحة، وما ألفه الناس، واعتادوه من الرسوم والأوضاع التي جعلوها بمنزلة الشرع المتبع، بل هي عندهم أعظم من الشرع.
* فإنهم: ينكرون على من خرج عنها وخالفها ما لا ينكرون على من خالف صريح الشرع، وربما كفروه، أو بدعوه، وضللوه، أو هجروه، وعاقبوه، لمخالفة تلك الرسوم، وأماتوا لها السنن، ونصبوها أندادا للرسول r، يوالون عليها ويعادون، فالمعروف عندهم ما وافقها، والمنكر ما خالفها!). اهـ.
قلت: وهذا التقليد الأعمى، ربي عليه الصغير، ونشأ عليه الكبير، واتخذ في الدين، وهو أعظم عندهم من الدين!.
* والواقف مع التقليد الأعمى محبوس، والمتقيد به منقطع، عم به المصاب، وهجر لأجله السنة والكتاب، من استنصر به فهو عند الله: مخذول، ومن اقتدى به، دون: كتاب الله، وسنة رسوله: فهو عند الله تعالى: غير مقبول!. ([78])
قال العلامة الشيخ مقبل الوادعي / في «المخرج من الفتنة» (ص136): (والله: لإن تمرض أجسادنا، أحب إلينا من أن تموت قلوبنا). اهـ.
وقال الإمام ابن القيم / في «الفوائد» (ص54): (فكل خارج من الدنيا: إما متخلص من الحبس، وإما ذاهب إلى الحبس). اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الصارم المسلول» (ص483): (فيجب أن يحكم فيها بما هو أشبه بالأصول الكلية، وإذا لم يعمل بالمصلحة لزم العمل بالمفسدة، والله لا يحب الفساد). اهـ.
* فقد تعددت أساليب المتحزبة المتعصبة، للإساءة برسول الله r، عن طريق مخالفتهم لسنته r، في هذا العصر الحاضر، ونشرهم للأحاديث الضعيفة بين العامة، مع معرفتهم بضعفها، وعن طريق نشرهم للفتاوى المخالفة لسنته، بين الناس، مع علمهم بمخالفتها لسنة الرسول r، ومنهج الصحابة y.
* وعلى هذا لا بد من معرفة أساليب المسيئين – من هذا الصنف من الناس- لرسول الله r، ولسنته: وكشف مكرهم ودسائسهم، ودحض شبههم في البلدان. ([79])
قلت: فقد تعددت شبه المتحزبة المتنصبة؛ بإظهارها بين أتباعهم الرهبان في البلدان، عن طريق الأحاديث الضعيفة، والفتاوى المشتبهة.
* فالجهل سبب العماية، ومن جهل بدعة صوم يوم عرفة، أوشك أن يقع فيها.
* وقد اشترك في بدعة صوم يوم عرفة: الرهبان([80]) الجهال.
قال تعالى: ]والشعراء يتبعهم الغاوون[ [الشعراء: 224].
* فأكبر جريمة نكراء، وفعلة شنعاء أن تأتي إلى حكم، وهو من حقوق النبي r الخاصة به، فتقول: هذا الحكم من فعله، وبقوله: كذا، وكذا، ثم الإفتاء للعامة بفعله، وحصول الأجر بتطبيقه، وهو من خصائص الرسول r. ([81])
* تلك الجريمة التي خطتها أقلام المقلدة، والتي كتبتها ريشة تضليل، ونطق بها لسان جاهل وهو لا يشعر.
قلت: فأعداء السنة الصحيحة، لم يسيئوا، لسنة النبي r فقط، بل أساؤوا لكل ما جاء به، ودعا إليه، من الأصول، والفروع.
* وفي المثل: «الناس أعداء ما جهلوا».
* وفي المثل الآخر: «من جهل شيئـا عاداه».
قال الإمام ابن القيم / في «هداية الحيارى» (ص16): (والأسباب المانعة: من قبول الحق كثيرة جدا، فمنها: الجهل به، وهذا السبب: هو الغالب على أكثر النفوس؛ فإن من جهل شيئـا عاداه، وعادى أهله). اهـ.
قلت: فالجهل هو: سبب الإساءة للنبي r، سواء يشعر هذا العبد، أو لا يشعر.
* فالسنة: ترهب بقوتها، كل المبتدعة، وفي نشرها: تجعل الرهبة، والخوف في قلوب أهل البدع، ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
فعن أبي هريرة t، عن رسول الله r قال: (نصرت بالرعب على العدو). ([82])
* وهذه الخصوصية حاصلة له r على الإطلاق، حتى لو كان وحده بغير عسكر، وهي حاصلة لأتباعه من بعده r. ([83])
قلت: وفعل هذا الصوم، والدخول في خصائص النبي r، هذا من ضعف الإيمان، وضعف في العقل، لأنه لا يتصور من مسلم، أن يأخذ شيئـا من خصائص النبي r، ثم يجعلها له، ويشاركه فيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الصارم المسلول» (ص371): (كذلك: من يدعوه: ضعف عقله، أو ضعف دينه، إلى الانتقاص برسول الله r). اهـ.
قلت: فالقلب إذا مرض، اشتبه المعروف عليه بالمنكر.
قال تعالى: ]وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا[ [الفرقان: 31].
قلت: هؤلاء أصحاب الأضغان؛ وهم: من المقلدة وغيرهم.
قال تعالى: ]أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم[ [محمد:29].
* والمراد بالأضغان: ما في النفوس من بغض على القائم على السنة ونصرها جملة وتفصيلا. ([84])
* وقد صرح أهل التحزب: بشدة بغضهم، وعظيم حقدهم، وكراهتهم، لمن يقوم بنشر السنة الصحيحة بين المسلمين.
قال تعالى: ] أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله[ [النساء: 54].
قلت: والحسد من أعظم أدواء القلوب، فهو يعمي البصيرة، ويحمل على بطر الحق، وأذية أهله.
قال الإمام ابن القيم / في «الروح» (ص251): (والحسد: خلق نفس ذميمة، وضيعة ساقطة، ليس فيها حرص على الخير). اهـ.
* فالحسد: هو داء لا يرجى معه: صلاح، ولا فلاح.
قال تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ماعنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون[ [آل عمران: 118].
* قد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم: مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء على السنة، وأهلها ما لا يخفى مثله على لبيب، عاقل. ([85])
قال تعالى: ]أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم[ [محمد:29].
قلت: فالإساءة للنبي r، ليست قاصرة على الأقوال فقط، مثل: السب والشتم وغير ذلك، بل تتعداها للأفعال، مثل: «صوم يوم عرفة»، والظن بهذا الفعل، أن له تكفير الذنوب المتقدمة والمتأخرة، فهذا إساءة للنبي r، بسلب حقه من الخصائص التي خصها الله تعالى له، منها: تكفير الذنوب المتقدمة والمتأخرة.
* واعتقاد لمعتقد، ليس عليه النبي r، فهذا من الإساءة له r، فهذه الأفعال: شاملة في أداتها. ([86])
* فيجب الرد على من خالف السنة، وأساء واعتدى.
قال تعالى: ]والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون[ [الشورى: 39]؛ أي: إذا أصابهم البغي: تناصروا عليه حتى يزيلوه عنهم، ويدفعوه عنهم. ([87])
قلت: ونصرة النبي r أيضا، داخلة في باب إنكار المنكر الواجب، وهي من مفردات الجهاد بالحجة والبيان والبرهان، لأن فيها ردا على المعتدي الذي رام النيل من مرتبة النبوة، والإساءة إليها.
قال الإمام ابن القيم / في «هداية الحيارى» (ص10): (ومن بعض حقوق الله تعالى على عبده؛ رد الطاعنين على كتابه، ورسوله، ودينه، ومجاهدتهم بالحجة، والبيان، والسيف والسنان، والقلب، والجنان، وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان). اهـ.
وقال الإمام ابن القيم / في «أحكام أهل الذمة» (ص111): (والمقصود: -من الجهاد- إنما هو أن تكون كلمة الله تعالى: هي العليا، ويكون الدين كله لله تعالى). اهـ.
قلت: فتعطيل النصرة يؤدي إلى الحيلولة، دون وصول مضامين هذا الدين إلى عموم الناس، من أمتي الإجابة، والدعوة، لأن التخاذل عن النصرة: مفض لا محالة إلى انتشار الشبهات، التي تحول دون وصول الحق نقيا، إلى عموم الناس. ([88])
* فإن لم يوجد من أهل العلم من ينتصر لهذا الدين، ويبين زيف المقلدين المعاندين، التبس الحق على أكثر الناس، وردوا عن الدعوة الحقة، وانصرفوا عنها إلى البدع باسم الدين!.
قال تعالى: ]وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون[ [الأنعام: 137].
وقال تعالى: ]ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون[ [البقرة: 42].
وقال تعالى: ]يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون[ [آل عمران: 71].
فخراب الدين والدنيا: إنما هو بلبس الحق بالباطل، وبالتأويل الذي لم يرده الله تعالى، ورسوله r: بكلامه، ولا دل عليه أنه مراده.
* وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم؛ إلا بالتأويل؟!.
* وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة، أو صغيرة؛ إلا بالتأويل؟!، فمن بابه دخل إليها.
* وهذا صنيع المقلدين المعاندين، ورهبانهم، حيث أخرجوا للناس ما توهمته عقولهم من الجهل، وروجوا له على أنه الحق.
* وفي المقابل عطلوا النصوص الشرعية، أو تأولوها تأويلا باطلا، فجمعوا بين إخفاء الحق، والإساءة إليه، والترويج للباطل وبهرجته. ([89])
قال الإمام ابن القيم / في «الصواعق المرسلة» (ج3 ص926): (فنهى عن لبس الحق بالباطل وكتمانه، ولبسه به: خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر.
* ومنه التلبيس: وهو التدليس، والغش الذي يكون باطنه: خلاف الحق، وتكلم بلفظ له معنيان: معنى صحيح، ومعنى باطل، فيتوهم: السامع أنه أراد: المعنى الصحيح، ومراده الباطل، فهذا من الإجمال في اللفظ). اهـ.
وقال المفسر ابن عاشور / في «التحرير والتنوير» (ج1 ص455): (فلبس الحق بالباطل: ترويج الباطل في صورة الحق، وهذا اللبس: هو مبدأ التضليل والإلحاد في الأمور المشهورة.
* فإن المزاولين لذلك لا يروج عليهم قصد إبطالها؛ فشأن من يريد إبطالها، أن يعمد إلى خلط الحق بالباطل، حتى يوهم: أنه يريد الحق). اهـ.
* فقد سعى أهل التحزب إلى بث الشبهات بين العامة، وزينوا الباطل وبهرجوه، وطعنوا في الحق وزيفوه، حتى التبس على كثير من الخلق الحق بالباطل. ([90])
قلت: وما نصب المقلدة المتعصبة، العداوة لأهل الأثر، إلا بسبب جهلهم المركب للسنة الصحيحة، وظهور غربة الدين فيهم!.
فعن عبد الله بن عمر ﭭ عن النبي r قال: (إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ). ([91])
قال الإمام ابن القيم / في «مدارج السالكين» (ج3 ص200): (فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله تعالى: بصيرة في دينه، وفقها في سنة رسوله، وفهما في كتابه، وأراه ما الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات، وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله r، وأصحابه y.
* فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط؛ فليوطن نفسه على قدح الجهال، وأهل البدع فيه، وطعنهم عليه، وإزرائهم به، وتنفير الناس عنه، وتحذيرهم منه؛ كما كان سلفهم من الكفار: يفعلون مع متبوعه، وإمامه r.
* فأما إن دعاهم إلى ذلك، وقدح فيما هم عليه؛ فهنالك تقوم قيامتهم، ويبغون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، ويجلبون عليه بخيل كبيرهم، ورجله. ([92])
* فهو غريب: في دينه، لفساد أديانهم، غريب: في تمسكه بالسنة، لتمسكهم بالبدع، غريب: في اعتقاده، لفساد عقائدهم، غريب: في صلاته، لسوء صلاتهم، غريب: في طريقه، لضلال وفساد طرقهم، غريب: في نسبته، لمخالفة نسبهم، غريب: في معاشرته لهم، لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم.
* وبالجملة: فهو غريب في أمور دنياه وآخرته، لا يجد من العامة مساعدا، ولا معينا، فهو عالم بين جهال، صاحب سنة بين أهل بدع، داع إلى الله تعالى ورسوله r: بين دعاة إلى الأهواء والبدع، آمر بالمعروف، ناه عن المنكر: بين قوم المعروف لديهم: منكر، والمنكر معروف). اهـ.
* هكذا عندما تنتشر البدع وتفشو، ويقل من ينتصر لدين الله تعالى، ولنبيه r؛ هناك: يصير المتمسكون بالحق من دعاة السنة: غرباء، وتصير دعوتهم بين الجهال: غريبة!.
قلت: والجهاد بالحجة والبيان، هو المراد منه أيضا: إدخال الرعب في قلوب المقلدة المتعصبة، ورد عدوانهم على السنة الصحيحة.
قلت: فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أخص وسائل النصرة للدين.
* والنصرة من لوازم الإيمان بالنبي r، ومن لوازم الإيمان: الذب عن النبي r، والانتصار له r، ولسنته، لأن ذلك من تمام الإيمان بنبوته r.
قال تعالى: ]كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله[ [آل عمران: 110].
وقال تعالى: ]ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون[ [آل عمران: 104].
وعن أبي سعيد الخدري t قال: سمعت رسول الله r يقول: (من رأى منكرا فغيره بيده فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه فقد برئ، وذلك أضعف الإيمان). ([93])
قال الحافظ ابن النحاس / في «تنبيه الغافلين» (ص11)، تعليقا على هذا الحديث: (قوله r: «فقد برئ»؛ أي: من الإثم بإنكاره، وفيه الدليل الواضح على أن من استطاع الإنكار؛ فلم ينكر أنه: غير برئ من الإثم، بل هو شريك فيه). اهـ.
وقال أبو بكر الجصاص / في «أحكام القرآن» (ج4 ص154): (أكد الله تعالى: فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضع من كتابه، وبينه رسول الله r: في أخبار متواترة عنه فيه، وأجمع السلف، وفقهاء الأمصار: على وجوبه). اهـ.
وعن أبي سعيد الخدري t؛ أن رسول الله r قال: (من رأى منكم منكرا؛ فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). ([94])
قلت: والإساءة إلى النبي r من أعظم المنكر الموجب للتغيير، والتبيين، لأن مقام النبوة محفوظ([95])، والرد على المعتدي -سواء يشعر أو لا يشعر- من أعظم فروض شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* فيجب بذل الوسع من خلال الطرق الشرعية، لمؤازرة الرسول r، ومنع الظلم ممن أساء إلى حقوقه وسنته عن طريق التعالم في الدين.
قلت: فهذه المؤازرة: هي اتباع، وحماية، وتوقير في الدين.
* ومجالات النصرة شاملة، لكل ما تعلق به r، من حقوقه وغيرها.
* ومن أعظم مجالات ([96]) النصرة، حماية خصائص الرسول r، من الدخيل عليها. ([97])
قال تعالى: ]ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم[ [محمد: 7].
* فلا بد أن نتعرف على منهج السنة الصحيحة، في نصرة النبي r. ([98])
والنصرة: اسم مصدر، من نصر، ينصر، نصرا، ونصرة، فهو: ناصر.
* واسم الفاعل: النصير، والناصر، والجمع: أنصار، ونصر.
* والمنصور: مفعول من النصر.
* والنصير: فعيل، بمعنى: فاعل، أو مفعول، لأن كل واحد من المتناصرين، ناصر، ومنصور([99])، ومنه: ]نعم المولى ونعم النصير[ [الأنفال: 4].
* والنصرة من المسلم: هي الدفاع عن الرسول r، واتباع سنته، ومساندة الحق وإشاعة العدل، وقمع من أساء إلى سنة رسول الله r، واستيفاء حقوقه المسلوبة.
* وقد تضافرت الأدلة الشرعية على وجوب نصرة النبي r، فهي فريضة شرعية، وهي باقية ما بقي الليل والنهار، وهي من النصيحة لرسول الله r. ([100])
عن أبي الدرداء t، أن النبي r قال: (إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: «صدق»، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي)، مرتين. ([101])
* والسنة وحي من الله تعالى، وهي حجة في الأصول والفروع.
* وهذا حق لا مرية فيه؛ لأنها وحي من لدن حكيم خبير.
قلت: لذلك وجوب التأسي به r في كل ما يصدر عنه r في السنة القولية، وفي السنة الفعلية، وفي السنة التركية.
قال تعالى: ]لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا[ [الأحزاب: 21].
وقال تعالى: ]وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون[ [الأنعام: 153].
* والنبي r لم يدع لأمته أمر خير؛ إلا دلهم عليه، فإذا ترك الرسول r، والصحابة y: فعل عبادة من العبادات، مع كون موجبها، وسببها المقتضي لها قائما ثابتـا، والمانع منها منتفيا، فإن فعلها بدعة. ([102])
* فمقتضى الذين ابتدعوا بدعة صوم العشر الأولى من ذي الحجة، هو محبة فعل سنة النبي r، وإظهار السنة بهذا الصوم.
* وهذا المقتضي كان موجودا زمن النبي r، وزمن الصحابة y، فهم أشد الناس حبا لفعل سنة النبي r.
* ولم يكن في زمنهم: مانع لهذا الصوم، رغم ذلك لم يصوموا في العشر الأول من ذي الحجة، فدل ذلك على أن هذا الصوم بدعة في الدين.
* والبدعة محبطة للعمل الذي جرت فيه البدعة، ومسقطة لثوابه.
فعن عائشة ڤ، أن النبي r قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).([103])
قلت: والبدعة لا تكون إلا ضلالة!، وإن حسنت في نظر صاحبها.
فعن جابر بن عبد الله t، أن النبي r قال: (وكل بدعة ضلالة).([104])
وعن ابن عمر ﭭ قال: (كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة).([105])
ثم أقول أولا: فإن من المعلوم أن العلماء رحمهم الله يذكرون في كتبهم بعض الأحاديث الضعيفة، ويبنون عليها فتاوى فقهية، وذلك باجتهاد منهم في معرفة الحق، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ منهم فله أجر على اجتهاده، والشواهد على هذا كثيرة عند أهل العلم.
وإليك الدليل:
عن عمرو بن العاص ﭭ قال: قال رسول الله r: (إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، فأخطأ فله أجر واحد). ([106])
قلت: فهذا نص صريح في أن المجتهدين، منهم: المصيب، ومنهم: المخطئ، ومن المعلوم أن المخطئ في الأحكام بعد استكمال الشروط معذور في خطئه، مأجور باجتهاده كما هو منطوق الحديث. ([107])
قال العلامة الشوكاني / في «السيل الجرار» (ج1 ص20): (فهذا الحديث قد دل دلالة بينة أن للمجتهد المصيب أجرين، وللمجتهد المخطئ أجرا، فسماه مخطئا وجعل له أجرا، فالمخالف للحق بعد أن اجتهد مخطئ مأجور، وهو يرد على من قال أنه مصيب، ويرد على من قال إنه آثم، ردا بينا، ويدفعه دفعا ظاهرا). اهـ.
وقال العلامة الشوكاني / في «إرشاد الفحول» (ص260): (فهذا الحديث يفيدك أن الحق واحد، وأن بعض المجتهدين يوافقه، فيقال له مصيب، ويستحق أجرين، وبعض المجتهدين يخالفه، ويقال له مخطئ، واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيبا، واسم المخطئ عليه لا يستلزم ألا يكون له أجر). اهـ.
وقال الحافظ البغوي / في «معالم التنزيل» (ج5 ص334): (وقوله r: «إذا اجتهد فأخطأ فله أجر»؛ لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ، بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق، لأن اجتهاده عبادة، والإثم في الخطأ عنه موضوع، إذ لم يأل جهده). اهـ.
* وسبب ذلك أن علماء الدين كلهم مجمعون على قصد إظهار الحق الذي بعث الله تعالى به رسوله r، وأن يكون الدين كله لله تعالى، وأن تكون كلمته هي العليا.
* فالمجتهد إن أخطأ فلا وزر عليه، وهو مأجور ومغفور له، وأما المقلد فلا عذر له عند الله تعالى، وهو مأثوم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج19 ص191): (بل يضل عن الحق من قصد الحق، وقد اجتهد في طلبه فعجز عنه فلا يعاقب، بل يكون له أجر على اجتهاده، وخطؤه الذي ضل فيه عن حقيقة الأمر مغفور له، وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة([108]) ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله تعالى: ]ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا[ [البقرة:286]، وفي الصحيح([109]) أن الله تعالى قال: «قد فعلت»). اهـ.
وقال الحافظ ابن قدامة / في «روضة الناظر» (ص196): (أما الإجماع فإن الصحابة y اشتهر عنهم في وقائع لا تخفى إطلاق الخطأ على المجتهد...، ثم ذكر الآثار في ذلك، ثم قال: وهذا اتفاق منهم على أن المجتهد يخطئ). اهـ.
ثانيا: فإن جميع الذين صححوا الحديث بناء على إيراد الحافظ مسلم / الحديث في «صحيحه»، فلم يتعرضوا له([110])، ولذلك بعد أن يذكر المصنف الحديث يقول: حديث صحيح، أخرجه مسلم، وقد بينا علة الحديث من قبل أئمة الجرح والتعديل، والله ولي التوفيق.
ثالثا: فإن البعض ([111]) الذين قالوا بصوم يوم عرفة لشهرته بين الناس، دون بحث في تخريجه وعلله وطرقه!، وبدون اجتهاد في الأدلة، ومعرفة الحق في هذه المسألة.
* والمفتي المقلد: إذا أفتى الناس بدون اجتهاد في الأدلة، ومعرفة الحق، فهو آثم، وإن أصاب الحق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «القواعد النورانية» (ص206): (كما لو حكم الحاكم بغير اجتهاد -يعني: من تقليد- فإنه آثم وإن كان قد صادف الحق). اهـ.
وقال الحافظ ابن حزم / في «المحلى بالآثار» (ج1 ص69): (والمجتهد المخطئ أفضل عند الله تعالى من المقلد المصيب). اهـ.
* والمفتي: كـ«الحزبي المتعالم»، إن لم يكن عالما بالحق، والفتوى بالأدلة، والراجح الصحيح من أقوال العلماء، لم يحل له أن يفتي، ولا يقضي بما لا يعلم، ومتى أقدم على ذلك فقد تعرض لعقوبة الله تعالى، وأثم، والله المستعان.
قال الحافظ ابن القيم / في «إعلام الموقعين» (ج4 ص220): (فإن لم يكن عالما بالحق فيها -يعني: الفتوى- ولا غلب على ظنه، لم يحل له أن يفتي، ولا يقضي بما لا يعلم، ومتى أقدم على ذلك: فقد تعرض لعقوبة الله تعالى، ودخل تحت: قوله تعالى: ]قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون[ [الأعراف: 33]؛ فجعل القول عليه بلا علم: أعظم المحرمات الأربع التي لا تباح بحال). اهـ.
قلت: والواجب على المسلم الحق أن يحب ظهور الحق، ومعرفة المسلمين له، سواء كان في موافقته، أو مخالفته. ([112])
قلت: ولا شك، أن هذه العصور المتأخرة، قد شهدت ضعفا في أصول الحديث، وضعفا في أصول العلم، وقلة للعلماء الربانيين من أهل الحديث، أدى ذلك إلى انتشار البدع عن طريق الأحاديث المعلولة، مثل: «صوم يوم عرفة»، فإنه بدعة في الدين، لأنه فيه: يكفر السنة الماضية، والباقية، وهذا من خصائص الرسول r، ومن حقوقه.
قال تعالى: ]إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما[ [الفتح: 1 و2].
* لقد تساهل كثير من الناس في هذا العصر في نشر الأحاديث المعلولة، على أنها صحيحة، والله المستعان.
* وقد حذر علماء السنة من الأحاديث الضعيفة بجميع أنواعها، وألفوا في ذلك الكتب، وكتبوا الردود فيها.
قال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز / في «الفتاوى» (ج6 ص358)؛ وهو يتكلم على الأحاديث الضعيفة، التي ينشرها القصاص، والوعاظ في المساجد: (هذه الأخبار التي ذكرها هذا الواعظ: كلها باطلة، مكذوبة على النبي r، ولا أصل لها... فينبغي التحذير من هؤلاء الكذابين، وينبغي للواعظ أن يتقي الله سبحانه: إذا وعظ الناس). اهـ.
وقال الحافظ ابن حبان في «صحيحه» (ج1 ص117): (فصل: ذكر إيجاب دخول النار، لمن نسب الشيء إلى المصطفى r، وهو غير عالم بصحته، ثم ساق بسنده: عن أبي هريرة t، عن رسول الله r قال: «من قال: علي ما لم أقل؛ فليتبوأ مقعده من النار».([113])). اهـ.
وقال العلامة الشيخ الألباني / في «الضعيفة» (ج1 ص47): (من المصائب العظمى التي نزلت بالمسلمين منذ العصور الأولى انتشار الأحاديث الضعيفة، والموضوعة بينهم، لا أستثني أحدا منهم، ولو كانوا علماءهم، إلا من شاء الله تعالى منهم من أئمة الحديث ونقادهم: كـ«البخاري»، و«أحمد»، و«ابن معين»، و«أبي حاتم الرازي»، وغيرهم، وقد أدى انتشارها إلى مفاسد كثيرة، منها: ما هو من الأمور الاعتقادية الغيبية، ومنها: ما هو من الأمور التشريعية، وسيرى القارئ الكريم الأمثلة الكثيرة لما ندعيه في كثير من الأحاديث الآتية إن شاء الله تعالى.
* وقد اقتضت حكمة العليم الحكيم سبحانه وتعالى: أن لا يدع هذه الأحاديث التي اختلقها المغرضون لغايات شتى تسري بين المسلمين دون أن يقيض لها من يكشف القناع عن حقيقتها، ويبين للناس أمرها، أولـٰئك هم: أئمة الحديث الشريف، وحاملوا ألوية السنة النبوية، الذين دعا لهم رسول الله r بقوله: «نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، وحفظها، وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»([114])، فقد قام هؤلاء الأئمة جزاهم الله تعالى عن المسلمين خيرا، ببيان حال أكثر الأحاديث من صحة، أو ضعف، أو وضع، وأصلوا أصولا متينة، وقعدوا قواعد رصينة، من أتقنها وتضلع بمعرفتها أمكنه أن يعلم درجة أي حديث ولو لم ينصوا عليه، وذلك هو علم أصول الحديث.
* فجهلوا بسبب ذلك حال الأحاديث التي حفظوها عن مشايخهم، أو يقرؤونها في بعض الكتب التي لا تتحرى الصحيح الثابت، ولذلك لا نكاد نسمع وعظا لبعض المرشدين، أو محاضرة لأحد الأساتذة، أو خطبة من خطيب، إلا ونجد فيها شيئـا من تلك الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وهذا أمر خطير، يخشى عليهم جميعـا أن يدخلوا بسببه تحت وعيد: قوله r: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»([115])؛ حديث صحيح متواتر، فإنهم: وإن لم يتعمدوا الكذب مباشرة، فقد ارتكبوه تبعا، لنقلهم الأحاديث التي يقفون عليها جميعـا، وهم يعلمون أن فيها ما هو ضعيف، وما هو مكذوب قطعـا.
* وقد أشار إلى هذا المعنى قوله r: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع»([116])؛ رواه مسلم: «1/8»، وغيره من حديث أبي هريرة t.
* فتبين مما أوردنا أنه لا يجوز نشر الأحاديث وروايتها دون التثبت من صحتها، وإن من فعل ذلك فهو حسبه من الكذب على رسول الله r، وقد قال r: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»([117])، رواه مسلم وغيره). اهـ.
* لهذا عزمت على كتابة هذا الكتاب، حتى يتضح السبيل، ويستبين الدليل، لأمة الإجابة، لما لذلك من الثمار اليانعة، والآثار الواسعة.
قلت: والعصر الحاضر شهد تدفق أناس إلى مذهب أهل السنة، وتنامي ذلك بشكل واضح في البلدان، فلا بد أن تبين لهم ذلك.
هذا؛ وأسأل الله تعالى، أن ينصر نبيه، وسنته، وشريعته، والله المستعان، وعليه التكلان.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كتبه
أبو عبد الرحمن الأثري
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
ذكر الدليل
على إعلال الإمام مسلم /، لحديث: «صوم يوم عرفة»، لغير الحاج، حيث أعله بالاضطراب، والاختلاف: في أسانيده، ومتونه؛ لأنه /: وعد في «مقدمة المسند الصحيح»، أن يذكر العلل في الأحاديث في مواضع في أبوابها، إذا أتى إليها، علم من علم، وجهل من جهل، بهذه العلل في الأحاديث
اعلم رحمك الله، أن الإمام مسلم بن الحجاج القشيري /، لم يخرج حديث: «صوم يوم عرفة»، لغير الحاج على شرطه، في «المسند الصحيح»؛ ليثبت فيه سنية: «صوم يوم عرفة».
* بل ذكره لعلل فيه ([118])؛ لأنه مخالف للأصول؛ لذلك ذكر الإمام مسلم /، أن حديث أبي قتادة t روي من وجوه مختلفة في الإسناد، وفي المتن.
قلت: وقد نص على مراعاة الإمام مسلم / للقرائن في ذكر العلل، في أبوابها، من «المسند الصحيح»، غير واحد من الحفاظ. ([119])
* فذكر الوجه الأول:
فقال الإمام مسلم / في «المسند الصحيح» (ج2 ص818): حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وقتيبة بن سعيد، جميعا: عن حماد، قال يحيى: أخبرنا حماد بن زيد، عن غيلان، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة t: (رجل أتى([120]) النبي r، فقال: كيف تصوم؟، فغضب رسول الله([121]) r، فلما رأى عمر t، غضبه، قال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، نعوذ بالله من غضب الله، وغضب رسوله، فجعل عمر t يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه، فقال عمر: يا رسول الله، كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: «لا صام ولا أفطر»، (أو قال): «لم يصم ولم يفطر»، قال: كيف من يصوم يومين ويفطر يوما؟ قال: «ويطيق ذلك أحد؟» قال: كيف من يصوم يوما ويفطر يوما؟، قال: «ذاك صوم داود عليه السلام»، قال: كيف من يصوم يوما ويفطر يومين؟، قال: «وددت أني طوقت ذلك»، ثم قال رسول الله r: ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله([122])، صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله).
قلت: وهذا الحديث، عند الإمام مسلم /: معلول، بعنعنة، عبد الله بن معبد الزماني؛ لأنه لم يسمع من أبي قتادة t.
* وقد سبقه في ذلك الإمام البخاري /، حيث قال في «التاريخ الكبير» (ج5 ص198): (عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة... ولا يعرف سماعه من أبي قتادة). اهـ
* فقد صرح الإمام البخاري /، بعدم سماع عبد الله بن معبد الزماني، من أبي قتادة t.([123])
وقال الإمام البخاري / في «التاريخ الأوسط» (ج1 ص411): (ورواه عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة عن النبي r: «في صوم عاشوراء»([124])، ولم يذكر سماعا، من أبي قتادة). اهـ
* وقد اطلع الإمام مسلم / على كتب الإمام البخاري، في إعلاله لهذا الحديث، وغيره.
* فهو لا يخالف الإمام البخاري في علة هذا الحديث([125])؛ لأن الإمام البخاري: شيخ الإمام مسلم، الأجل لديه، الأكبر في عينيه، ولم يزل الإمام مسلم معظما للإمام البخاري، لا يخالفه في غالب العلل. ([126])
* ثم إن «مقدمة المسند الصحيح» للإمام مسلم / (ج1 ص33)، ناطقة، بثبوت سماع الراوي، عمن روى.
قلت: ورأيت للإمام مسلم / قولا يوافق الأئمة في تصريح الراوي بالسماع من شيخه، فقال / في «مقدمة صحيحه» (ج1 ص29): (وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار، والروايات قديما وحديثا، أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثا، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام؛ فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدا، حتى تكون الدلالة التي بينا). اهـ
* أفبعد أن لازم الإمام مسلم /، للإمام البخاري / لسنين طويلة، تراه لم يزل لم يعرف العلل التي يذكرها الإمام البخاري / في كتبه.
* والواقع أن الإمام البخاري /، قد أعل حديث: «كفارة المجلس»، بعدم العلم بالسماع، ووافقه الإمام مسلم /، على ذلك كل الموافقة. ([127])
قلت: وقد تكلم بعض منتحلي الحديـث من أهل التعالم في هذا الزمان، أنه يبعد أن الإمام البخاري يضعف سند: «صوم يوم عرفة»، وعلى فرض ذلك بزعمه أن الإمام مسلما أصاب في شرطه الذي ذكره في «مقدمة صحيحه» الذي خالف الإمام البخاري.([128])
* وهذا يؤكد جهله في الحديث وعلله، وأن الإمام البخاري أعلم من الإمام مسلم في الحديث وعلله، وأن شرط الإمام البخاري([129]) هو الصحيح، وعليه أئمة الحديث.
* وقد شهد الإمام مسلم بأن الإمام البخاري أستـاذ الأسـتـاذيـن، وطبيب الحديث في علله.
وأن الإمام مسلما عمل كتابه على كتاب الإمام البخاري وقلده في كثير من أصوله.
قال الكرابيسي: (رحم الله الإمام محمد بن إسماعيل؛ فإنه الذي ألف الأصول، وبين للناس، وكل من عمل بعده فإنما أخذ من كتابه: كمسلم بن الحجاج، فرق كتابه في كتبه، وتجلد فيه حق الجلادة، حيث لم ينسبه إلى قائله).([130])
وقد نص الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ج15 ص372)؛ في ترجمة: حيان بن وبرة المري على ذلك بقوله: (ومسلم يتبع البخاري في أكثر ما يقول). اهـ
قلت: والذي يطالع في كتاب: «الكنى» للإمام مسلم يجد فيه نفس الإمام البخاري.([131])
وقد جرى ذكر: «الصحيحين» عند الإمام الدارقطني؛ فقال: (لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء).
وقال الإمام الدارقطني أيضا: (وأي شيء صنع مسلم؟! إنما أخذ كتاب البخاري؛ فعمل عليه مستخرجا، وزاد فيه زيادات).([132])
ولهذا قال الحافظ ابن حجر / في «هدي الساري» (ص11): (وهذا الذي حكيناه عن الدارقطني جزم به أبو العباس القرطبي / في أول كتابه: «المفهم في شرح صحيح مسلم»، والكلام في نقل كلام الأئمة في تفصيله كثير، ويكفي منه اتفاقهم على أنه كان أعلم بهذا الفن من مسلم، وأن مسلما كان يشهد له بالتقدم في ذلك والإمامة فيه، والتفرد بمعرفة ذلك في عصره). اهـ
وقال الحافظ ابن حجر / في «هدي الساري» (ص11): (وأما من حيث التفصيل فقد قررنا أن مدار الحديث الصحيح على الاتصال، وإتقان الرجال، وعدم العلل، وعند التأمل يظهر أن كتاب البخاري أتقن رجالا، وأشد اتصالا). اهـ
ولهذا قال الحافظ الخطيب في «تاريخ بغداد» (ج13 ص102): (إنما قفا مسلم طريق البخاري، ونظر في علمه، وحذا حذوه). اهـ
قلت: وهذا مما يؤكد أن أهل الحديث يعلمون أن الإمام البخاري / أعلم من الإمام مسلم / في الحديث وعلله، فيجب تقديمه في نقد سـنـد: «صوم يوم عرفة» وتضعيفه للحديث.
قلت: وقد شهد الإمام مسلم بأن الإمام البخاري أسـتـاذ الأسـتـاذين في معرفة الحديث وعلله.([133])
* وهذا القسم من أهل التعالم([134]): قلدوا مسلما / تقليدا محضا في أنه يشترط التعاصر فقط، وبناء على ذلك ارتكزوا في أخطاء كثيرة في تصحيح الأحاديث سواء كانت في «الصحيح»، أو خارج «الصحيح».([135])
* فهل خفيت على الإمام مسلم /، علة: الانقطاع، بين عبد الله بن معبد الزماني، وبين أبي قتادة، طبعا: لا؛ لأنه رآها في كتب الإمام البخاري /، فأخذها منه، وزاد عليها.
* فقرينة الإعلال عند الإمام مسلم /، بذكر الإمام البخاري / لذلك.
والمقصود: هو أن الشيخين: «البخاري»، و«مسلما»، كانا مراعيين، لقرائن السماع، وعدمه: أتم مراعاة.
* فعدم وجود دليل: نقطع، بثبوت السماع، بين عبد الله بن معبد الزماني، وبين أبي قتادة t، أو قرينة تشهد بسماعه ([136]) ، لم نجد.
قلت: وهذه العبارة لم يتفرد بها الإمام البخاري /، بل أطلقها الإمام أحمد بن حنبل، وغيره من أئمة الحديث، ومرادهم الانقطاع([137]) في الإسناد.
قلت: وقد أقره الإمام ابن عدي /، على تضعيف حديث: (صوم يوم عرفة)، بقوله في «الكامل في ضعفاء الرجال» (ج4 ص1540): (وهذا الحديث هو الحديث الذي أراده البخاري، أن عبدالله بن معبد لا يعرف له سماع من أبي قتادة!).اهـ
قلت: فذكر الحافظ ابن عدي /؛ عبد الله بن معبد الزماني في «الضـعـفـاء» من أجل انقطاع سنده بينه، وبين أبي قتادة، فيما قاله الإمام البخاري.([138])
قال الحافظ ابن حجر / في «تهذيب التهذيب» (ج6 ص36)؛ عن عبد الله بن معبد: (وذكره ابن عدي –يعني: في «الضعفاء»- من أجل قول البخاري). اهـ
وقد أقـره الإمام العقيلي / في «الضعفاء الكبير» (ج2 ص305): (قـال حدثني آدم بـن مـوسـى قال: سمعت البخاري قال: عبد الله بن معبد الزماني روى عنه غيلان بن جرير، وقتادة، يحدث عن أبي قتادة، ولا يعرف سماعه من أبي قتادة!). اهـ
وقد أقره الإمام العراقي / في «تحفة التحصيل» (ص187): (عبد الله بن معبد الزماني، يروي عن أبي قتادة، روايته عنه في «صحيح مسلم»، وقال البخاري: لا يعرف له سماع منه!). اهـ
قلت: وقد صرح بضعف الحديث الإمام محمد بن طاهر المقدسي /.
قال الإمام محمد بن طاهر المقدسي / في «ذخيرة الحفاظ» (ج3 ص1532): (حديث: «صوم يوم عاشوراء يكفر العام الذي قبله، وصوم يوم عرفة يكفر العام الذي قبله والذي بعده». رواه عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة، وعبد الله لا يعرف له سماع من أبي قتادة: الحارث بن ربعي!). اهـ
وقال الإمام ابن نقطة في «تكملة الإكمال» (ج2 ص745): (عبد الله بن معبد الزماني الذي ذكره الأمير، وقال: روى عن أبي قتادة، فقال البخاري في «تاريخه»: روى عنه حجاج بن أرطاة، وغيلان بن جرير، وقتادة، لا يعرف سماعه من أبي قتادة).اهـ
وقال الإمام تقي الدين المقريزي / في «مختصر الكامل» (ص471): (عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة، لا يعرف له سماع من أبي قتادة، قاله: البخاري).اهـ
وقال الحافظ البوصيري / في «حاشيـتـه على تحفة التحصيل» (ص267): (عبد الله بن معبد الزماني البصري: روى عن أبي قتادة، وأبي هريــرة، وأرســل عـن عمر، قال أبو زرعة: لم يدرك عمر، وقال الـبـخـاري: لا يـعـرف سـمـاعـه مـن أبـي قتادة!).اهـ
وقال الحافظ البوصيري / في «حاشـيـتـه على تحفة التحصيل» (ص267)؛ عن رواية ابن معبد: (مسلم يكتفي بالمعاصرة، فروى له حديثا([139]) على قاعدته!). اهـ
قلت: وهذا يدل على خطأ الإمام مسلم / في اشتراطه واكتفائه أحيانا بالمعاصرة بين الراوي وشيخه في بعض الأسـانـيـد مما أوقعه في بعض الأسـانـيـد المنقطعة في «صحيحه»!.
* وهذا أيضا يدلك على أن عبد الله بن معبد الزماني يروي عن الصحابة بــواسـطـة، فهو يروي مثلا: عن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود؛ كما في «الصحيح» لمسلم في كتاب «التفسير» (ج4 ص2321) من طريق قتادة، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود، في قوله تعالى: ]أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسـيـلة[ [الإسـراء: 57]، قال: (نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسـلـم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون، فنزلت: ]أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسـيـلة[ [الإسراء: 57].
قلت: ومن هذا يتبين لك أن عبد الله بن معبد لم يسمع شيئا من الصحابة؛ لأنه يروي عنهم بواسطة، وإذا لم يذكر الواسطة، فإنه يرسل عن الصحابة.
* والمقصود: من نحو هذه العبارة، بيان أن هناك قرائن تشهد، بعدم حصول السماع، من عبد الله بن معبد الزماني، لأبي قتادة t.
* وهذا الذي قرره الإمام مسلم /، بالقرائن في تعليل حديث: «صوم يوم عرفة» من ذلك: الانقطاع في السند، وذكره للاضطراب، والاختلاف.
* وعبد الله بن معبد الزماني، تبين بالقرائن: أنه لم يسمع من أحد من الصحابة، ولم يدركهم أيضا([140]) ؛ لأنه يروي بواسطة عنهم. ([141])
فعن عبد الله بن مسعود t: ]أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة[ [الإسراء: 57]، قال: (نزلت في نفر من العرب، كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون، فنزلت: ]أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة[ [الإسراء: 57]).
أخرجه مسلم في «صحيحه» (ج4 ص321) من طريق قتادة، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود t به.
قلت: وهذا يدل على أن عبد الله بن معبد الزماني، يروي بواسطة التابعين، الذين يروون عن الصحابة، كما هنا؛ فإنه يروي عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو تابعي.([142])
* لذلك: لم يرو عنه الإمام البخاري في «الجامع المسند الصحيح»، للانقطاع بينه، وبين الصحابة؛ لأنه لم يدركهم. ([143])
وعلى سبيل المثال:
قال الإمام أبو زرعة /؛ عن عبد الله بن معبد الزماني: (لم يدرك عمر بن الخطاب t). ([144])
* فعبد الله بن معبد الزماني، لم يدرك الصحابة، ولم يدرك علي بن أبي طالب t، فكيف يدرك أبا قتادة t، وهو توفى قبل علي بن أبي طالب، وقد صلى على أبي قتادة.
* فما دام لم يدرك: علي بن أبي طالب، فهو لم يدرك أبا قتادة أيضا، ولم يسمع منه.
وإليك الدليل:
فعن موسى بن عبد الله بن يزيد: (أن عليا t: صلى على أبي قتادة t، فكبر عليه سبعا، وكان بدريا). ([145])
* وقد بين الحافظ ابن حجر في «تلخيص الحبير» (ج2 ص676)؛ أن أبا قتادة t، مات في خلافة علي بن أبي طالب t، وهذا هو الراجح.
* وكذا قال الحافظ التركماني في «الجوهر النقي» (ج4 ص36).
قلت: ومن هذه القرائن القوية، يتبين أن الحديث فيه نكارة من رواية: عبد الله بن معبد الزماني، وهي غير محفوظة.
* وقد نص الحفاظ على شذوذ حديث: «صوم يوم عرفة»، وأنه لا يصح، من حديث: عبد الله بن معبد الزماني، منهم: الإمام البخاري، والإمام ابن عدي، والإمام ابن نقطة، والإمام العقيلي، والإمام محمد بن طاهر، وغيرهم. ([146])
* إذا فعذر الإمام مسلم /: أنه أبان الحق في هذا الحديث، بذكر علله، ورد على المقلدة الجهلة، فأبلغ في العذر بذلك.
* ثم إن المتن، من هذا الوجه، قد جمع أحاديث كثيرة، في حديث واحد، وأصل هذه الأحاديث، هي متفرقة في أصول الأحاديث، ليست هي من هذا الحديث البتة، فوجودها في حديث واحد، منكرة من هذا الوجه. ([147])
قلت: ومن هذا الوجه، لم يذكر فيه: «صوم الاثنين»، و«الخميس»، رغم أن الروايات الأخرى ذكرت ذلك، وهي من وجوه أخرى، مما يدل على الاضطراب في هذا الحديث. ([148])
* ثم إن المتن، من هذا الوجه، فقد جاء: «عن رجل مبهم»، والسائل هو هذا الرجل، وأيضا السائل هو عمر بن الخطاب t للرسول r.
فعن أبي قتادة t قال: (رجل أتى النبي r، فقال: كيف تصوم؟)، هذا سؤال الرجل، ثم انتقل السؤال من عمر بن الخطاب t: (فقال عمر: يا رسول الله، كيف بمن يصوم الدهر كله؟... قال عمر: كيف من يصوم يومين ويفطر يوما؟... قال عمر: كيف من يصوم يوما ويفطر يوما؟...).([149])
* رغم الروايات الأخرى: نصت على أن السائل من أناس مجهولين مطلقا، فهكذا جاءت السؤالات: (فسئل... فسئل... وسئل... وسئل... وسئل...). ([150])
قلت: وهذا يدل على ما في هذا الحديث من تخليط شديد، ووقع ذلك من الراوي المجهول، الذي بين عبد الله بن معبد الزماني، وبين أبي قتادة، فهو الذي دس هذه الألفاظ في الحديث الواحد.
قلت: فهذا الرجل المجهول، رفع أحاديث، ليست من الحديث، وزاد في المتون: أشياء ليس فيها، وليست من النبي r.
* وهذا يقع من الراوي، أو الرواة.
قال الإمام ابن عدي / في «الكامل في الضعفاء» (ج2 ص237)؛ في ترجمة: الحسن بن علي المعمري: (رفع أحاديث، وزاد في المتون: أشياء ليس فيها).اهـ
وقال الحافظ الدارقطني / في «العلل» (4/ق8/ط): وذكر حديثا اضطرب فيه الرواة، ثم قال: (وليس فيها شيء أقطع على صحته؛ لأن الأعمش اضطرب فيه، وكل من رواه عنه ثقة). اهـ
قلت: فقد اشتمل الإسناد على مجهول، بين عبد الله بن معبد الزماني، وبين أبي قتادة.
* ثم ذكر الإمام مسلم /، الوجه الثاني بتمامه، وزاد في ألفاظه، ليبين علة الحديث في ألفاظه، وأسانيده.
فقال الإمام مسلم / في «المسند الصحيح» (ج2 ص819): (حدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، (واللفظ لابن المثنى) قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن غيلان بن جرير، سمع عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة الأنصاري t: «أن رسول الله r سئل عن صومه؟، قال: فغضب رسول الله r، فقال عمر t: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وببيعتنا بيعة».
قال: فسئل عن صيام الدهر؟، فقال: «لا صام ولا أفطر (أو ما صام وما أفطر)».
قال: فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم؟، قال: «ومن يطيق ذلك؟».
قال: وسئل عن صوم يوم، وإفطار يومين؟، قال: «ليت أن الله قوانا لذلك».
قال: وسئل عن صوم يوم، وإفطار يوم؟، قال: «ذاك صوم أخي داود عليه السلام».
قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين؟، قال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت (أو أنزل علي فيه)، قال: فقال: صوم ثلاثة من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، صوم الدهر».
قال: وسئل عن صوم يوم عرفة؟، فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية».
قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟، فقال: «يكفر السنة الماضية»).
* وهذا وجه آخر في الحديث، برواية: شعبة بن الحجاج.
قلت: وهذا المتن، من هذا الوجه، وقع فيه تخليط شديد، بزيادة ألفاظ أخرى، والسؤالات جاءت من مجهولين.
والزيادات هي:
عن أبي قتادة t قال: (أن رسول الله r: سئل عن صومه؟، قال: فغضب رسول الله r، فقال عمر t: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وببيعتنا بيعة).
فزيد؛ بلفظ: (ببيعتنا بيعة)، فهذا اللفظ لا يوجد في اللفظ الأول.
قال الحافظ الذهبي / في «سير أعلام النبلاء» (ج6 ص346): (ليس من شرط الثقة، أن لا يغلط أبدا؛ فقد غلط شعبة، ومالك، وناهيك بهما: ثقة، ونبلا). اهـ
ثم قال أبو قتادة t: (فسئل عن صيام الدهر؟... قال: فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم؟... وسئل عن صوم يوم، وإفطار يومين؟... وسئل عن صوم يوم، وإفطار يوم؟... وسئل عن صوم يوم الاثنين؟... وسئل عن صوم يوم عرفة؟... وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟).
فزيد: «صوم يوم الاثنين»، في هذا المتن، وكذلك: جاءت الإجابة عن سؤال في: «صوم يوم عرفة»، في هذا المتن، ومن هذا الوجه، رغم في المتن الأول: جاءت الإجابة من النبي r، بدون سؤال.
* وهذا من الاضطراب.
* فذكر الإمام مسلم /، الرواية الأولى بتمامها، ثم أردف الرواية الثانية بعدها بتمامها، ليبين اختلاف الألفاظ في الروايتين؛ ليثبت وجود العلل في حديث أبي قتادة t.
* ويؤيده: ما بين الإمام مسلم / من الوهم في الحديث، من رواية: شعبة بن الحجاج.
فقال الإمام مسلم / في «المسند الصحيح» (ج2 ص820): (وفي هذا الحديث: من رواية شعبة، قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين، والخميس؟ فسكتنا عن ذكر: «الخميس» لما نراه وهما). اهـ
* ثم ذكر الإمام مسلم /، الوجه الثالث، ليبين الاختلاف فيه، في السند، والمتن.
فقال الإمام مسلم / في «المسند الصحيح» (ج2 ص820): (وفي هذا الحديث من رواية شعبة قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين، والخميس؟ فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهما.
وحدثناه عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي. ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة. ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا النضر بن شميل، كلهم: عن شعبة بهذا الإسناد). اهـ
قلت: فذكر: «صوم الخميس»، مع «صوم الاثنين»، في هذا الحديث، من هذا الوجه، وهو: وهم من الراوي.
قال الإمام ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام بأحاديث الأحكام» (ج1 ص60): (أهل الحديث قد يروون الحديث، من رواية الثقات العدول، ثم تقوم لهم علل فيه؛ تمنعهم من الحكم بصحته؛ كمخالفة جمع كثير له، أو من هو أحفظ منه، أو قيام قرينة تؤثر في أنفسهم غلبة الظن بغلطه). اهـ
وقال الحافظ ابن رجب / في «شرح العلل الصغير» (ج2 ص582): (ربما يستنكر أكثر الحفاظ المتقدمين، بعض تفردات الثقات الكبار، ولهم في كل حديث نقد خاص). اهـ
وقال الحافظ الخطيب / في «الجامع لأخلاق الراوي» (ج2 ص295): (السبيل إلى معرفة علة الحديث: أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم، من الحفظ، ومنزلتهم من الإتقان، والضبط). اهـ
قلت: فالاضطراب، والاختلاف، يؤثران على الحديث: سندا، ومتنا.
قال الحافظ ابن حجر / في «نتائج الأفكار» (ج1 ص88)، أثناء كلامه على حديث اختلف في سنده ومتنه: (هذا حديث حسن، وإنما لم أحكم لحديثه هذا بالصحة؛ لاختلاف وقع في سنده، ومتنه). اهـ
وقال العلامة اللكنوي / في «ظفر الأماني» (ص392): (الاضطراب في المتن قلما يوجد؛ إلا ومعه اضطراب في السند). اهـ
* ثم ذكر الإمام مسلم /، الوجه الرابع، في هذا الحديث، مع ذكر: «صوم الاثنين»، ولم يذكر معه: «صوم الخميس»، مما يدل على ثبوت الاختلاف، والاضطراب في هذا الحديث، وقد أعله الإمام مسلم / بذلك.
قال الإمام مسلم في «المسند الصحيح» (ج2 ص820): (حدثني أحمد بن سعيد الدارمي، حدثنا حبان بن هلال، حدثنا أبان العطار، حدثنا غيلان بن جرير، في هذا الإسناد، بمثل حديث شعبة، غير أنه ذكر فيه الاثنين، ولم يذكر الخميس). اهـ
قال الإمام ابن الصلاح / في «معرفة أنواع علم الحديث» (ص434): (إن من أعلى المراتب في تصنيفه -يعني: الحديث- معللا؛ بأن يجمع في كل حديث: طرقه، واختلاف الرواة فيه). اهـ
* فالرواة يضطربون في الأسانيد، والمتون، ومن خلال دراسة طرق الحديث، تستطيع بيان الاضطراب في الحديث جملة، وتفصيلا.
قلت: والاضطراب من أسباب ضعف الحديث. ([151])
قال الإمام ابن الصلاح / في «معرفة أنواع علم الحديث» (ص270): (يقع الاضطراب في متن الحديث، وقد يقع في الإسناد، وقد يقع من راو واحد، ويقع بين رواة له جماعة). اهـ
قلت: فقد جاء الحديث هذا بألفاظ مضطربة، لا تصح.
قال الإمام ابن الصلاح / في «معرفة أنواع علم الحديث» (ص269): (المضطرب من الحديث: هو الذي تختلف الرواية فيه؛ فيرويه: بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له). اهـ
* ثم ذكر الإمام مسلم /، الوجه الخامس، في هذا الحديث، مع ذكر لفظ: (أن رسول الله: سئل عن صوم الاثنين، فقال r: فيه ولدت، وفيه أنزل علي).
* رغم أن في الوجه الثاني ذكره بلفظ: (سئل عن صوم يوم الاثنين، قال r: ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، أو أنزل علي فيه).
هكذا بتغاير، مع شك.
قال الإمام مسلم / في «المسند الصحيح» (ج2 ص820): وحدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا مهدي بن ميمون، عن غيلان، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة الأنصاري t: (أن رسول الله r سئل عن صوم الاثنين؟ فقال: «فيه ولدت وفيه أنزل علي»).
قلت: فبين الإمام مسلم /، الاضطراب، والاختلاف في الحديث، كعلل فيه، وهذا واضح في مراده / بذكره لهذه الوجوه، وإعلالها.
قال الإمام مسلم / في «المسند الصحيح» (ج2 ص820): (وفي هذا الحديث من رواية شعبة قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس؟ فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهما.
* وحدثناه عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي. ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة. ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا النضر بن شميل، كلهم عن شعبة بهذا الإسناد.
* وحدثني أحمد بن سعيد الدارمي، حدثنا حبان بن هلال، حدثنا أبان العطار، حدثنا غيلان بن جرير، في هذا الإسناد، بمثل حديث شعبة، غير أنه ذكر فيه الاثنين، ولم يذكر الخميس.
* وحدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا مهدي بن ميمون، عن غيلان، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة الأنصاري t: أن رسول الله r سئل عن صوم الاثنين؟ فقال: «فيه ولدت وفيه أنزل علي»). اهـ
قلت: والباحث من خلال الطرق، والأسانيد، والمتون، واعتبار الروايات، يغلب على ظنه أن الرواة أخطؤوا في هذا الحديث، فيعل الحديث بذلك. ([152])
قال الحافظ الذهبي / في «الموقظة» (ص53)؛ في معرض كلامه على اختلاف الثقات في الحديث: (إذا اختلف جماعة فيه، وأتوا به على أقوال عدة، فهذا يوهن الحديث، ويدل على أن راويه، لم يتقنه). اهـ
* وهذا من أسباب ضعف الحديث، ويقع في أحد أمرين: السقط، والطعن.
* السقط في السند: وهو إما ظاهر، أو خفي.
1) السقط الظاهر: هو المعلق، والمرسل، والمعضل، والمنقطع. ([153])
2) السقط الخفي: هو التدليس، والإرسال الخفي. ([154])
* الطعن في الراوي: وهو التكلم فيه من ناحية: عدالته، أو دينه، أو من ناحية: ضبطه، وحفظه، وتيقظه. ([155])
قلت: وهذا الطعن كان بسبب وهم الراوي في عدم ضبطه للحديث، فوقع في الاضطراب.
* والاضطراب في الحديث، علة خفية، لا يطلع عليها؛ إلا من هو من أهل المعرفة بالحديث، وقوانينه، التي لا يعرفها؛ إلا من طال اشتغاله بالحديث، وتمرس في هذا العلم برهة من الزمن، وكان له نظر واسع في طرق الحديث. ([156])
قلت: فلا بد من دراسة الحديث، بتبين طرقه، واختلاف الرواة فيه، وفي اختلافهم في متونه.
قال الحافظ ابن رجب / في «شرح العلل الصغير» (ج2 ص662): (اعلم أن معرفة صحة الحديث وسقيمه، يحصل من وجهين:
أحدهما: معرفة رجاله، وثقتهم وضعفهم، ومعرفة هذا هين؛ لأن الثقات، والضعفاء قد دونوا في كثير من التصانيف، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التآليف.
الوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف: إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف، والرفع، ونحو ذلك.
* وهذا هو الذي يحصل من معرفته واتقانه، وكثرة ممارسته الوقوف على دقائق علل الحديث). اهـ
* فهناك قرائن، تبين علة حديث: «صوم يوم عرفة»، وهذه القرائن هي:
1) نكارة ألفاظ الحديث.
2) اضطراب الحديث في متنه، وسنده.
3) اختلاف الحديث في متنه، وسنده.
4) الانقطاع في السند.
* فالخلاصة:
* هذا الحديث؛ كما سبق ذكره: يرويه غيلان بن جرير، واختلف عليه:
1) فرواه حماد بن زيد:
أخرجه مسلم في «صحيحه» (ج2ص818 و819)، وغيره.
2) ورواه أبان بن يزيد العطار:
أخرجه مسلم في «صحيحه» (ج2ص820)، وغيره.
3) ورواه قتادة:
أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (ج8ص394)، وغيره.
4) ورواه مهدي بن ميمون:
أخرجه أحمد في «المسند» (ج8ص308 و310 و311)، وأبو نعيم في «المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم» (ج3ص203)، والطيوري في «الطيوريات» (ص191)، وغيرهم.
5) ورواه جرير بن حازم:
أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (ج2ص72 و77)، وغيره.
كلهم: عن غيلان، عن عبد الله بن معبد، عن أبي قتادة t.
قلت: أبان العطار، ومهدي بن ميمون لم يقولا: «والخميس».
أما البقية: فقد اختصروا الحديث.
وخالفهم شعبة، واختلف عنه:
1) فرواه غندر:
أخرجه مسلم في «صحيحه» (ج2ص819)، وغيره.
2) ورواه يحيى بن سعيد القطان:
أخرجه أحمد في «المسند» (ج5ص297)، وغيره.
وقال كلاهما: عن شعبة به.
وزاد لفظة: «والخميس».
وخالفهما جماعة، فلم يذكروا هذه اللفظة: «والخميس»، وهم:
1) عبد الله بن إدريس.
2) روح بن عبادة.
3) معاذ العنبري.
4) النضر بن شميل.
5) شبابة.
كلهم: عن شعبة به، ولم يقولوا: «والخميس».
أخرجه مسلم في «صحيحه» (ج2ص820)، وأبو نعيم في «المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم» (ج3ص202)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (ج2ص77)، وغيرهم.
قال الحافظ مسلم / في «صحيحه» (ج2ص820)؛ بعد أن ذكر رواية: غندر، عن شعبة، قال: («فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهما»). اهـ
قلت: إذا فلا غرابة أن يعل الأئمة حديثا، في صحيح مسلم -وذلك أن مسلما / نفسه أعل بعض الأحاديث، بحسب ما ذكر في: «مقدمته للمسند الصحيح»؛ فإن كان الحديث مما صححه الإمام مسلم، ولم يورده لبيان علته، فيكون هذا من قبيل ما تجاذبته أنظار أهل هذا الشأن.
* فبين خلال كلامه: أنه قد يكرر الحديث لمعنى زائد، أو لأجل وضع إسناد جانب إسناد لعلة ما.
* وذكر أنه سيذكر أخبارا معللة في مواضع من كتابه، سيبينها، ويشرحها، فمنها: أن يورد الحديث بإسناد، ثم يذكر أسانيد له مبينا: فيه الاختلاف في الرواية، والاختلاف في متنه. ([157])
قال الإمام مسلم / في «مقدمة المسند الصحيح» (ج1 ص212): (وسنزيد إن شاء الله تعالى: شرحا، وإيضاحا، في مواضع من الكتاب: عند ذكر الأخبار المعللة، إذا أتينا عليها في الأماكن، التي يليق بها الشرح، والإيضاح، إن شاء الله تعالى). اهـ
* فهذا كلام الإمام مسلم، نفسه يبين لك الأمر، ويوضحه في إعلاله للأحاديث في موضعها من الكتاب، ومن ذلك: حديث: «صوم يوم عرفة»، فقد أعله في موضعه من: «المسند الصحيح»، بذكر الاضطراب، والاختلاف في أسانيده، ومتونه، وهذا ظاهر.
* وقد أعل الإمام مسلم /، حديث: أبي قتادة t، من قوله r: «في صوم يوم عرفة»، بحديث عائشة ڤ، من فعله r، في «عدم صوم يوم عرفة»، الذي يبين عدم صوم النبي r في العشر الأول من ذي الحجة، ومن ذلك: عدم صوم النبي r، في يوم عرفة، فحديث: عائشة ڤ: أصح، من حديث: أبي قتادة t؛ لأنه لا تعارض بين سنة النبي r.
* ويستحيل من الإمام مسلم /، أن يورد حديث أبي قتادة t من قوله، ويورد حديث: عائشة ڤ، من فعله، وبينهما تعارض، إلا ليبين علة حديث أبي قتادة t.
* فذكر الحديث من قوله r: «في صوم يوم عرفة»، ليعله، وذكر الحديث من فعله r؛ ليبين فيه عدم صوم النبي r ليوم عرفة؛ لأنه أصح، من قوله، وقد جزمت عائشة ڤ، بذلك، وأجمع الصحابة t، أن النبي r، لم يصم عرفة، لا في الحج، ولا في غير الحج.
وإليك الدليل:
فعن عائشة ڤ قالت: (ما رأيت رسول الله r صائما في العشر قط). يعني: الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة.
أخرجه مسلم في «صحيحه» (ص283)، والترمذي في «سنـنـه» (756)، والنسائي في «السنن الكبرى» (2872)، وابن راهويه في «المسند» (1505)، وأحمد في «المسند» (ج6ص42)، والسراج في «المسند» (ق/99/ط)، وأبو القاسم البغوي في «الجعديات» (ج2 ص739)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (ج3 ص41)، وابن حبان في «صحيحه» (3608)، والبغوي في «شرح السنة» (1793)، وفي «شمائل النبي r» (ج2 ص481)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ج4 ص285) من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عـن الأسـود عن عـائشة ڤ به.
وأخرجه مسلم في «صحيحه» (ص283) من طريـق سـفـيـان عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ڤ قالت: (أن النبي r لم يصم العشر).([158])
وأخرجه المحاملي في «الأمالي» (ص276) من طريق الفرات الرقي عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ڤ قالت: (ما رأيت رسول الله r صائما أيام العشر قط).
وإسناده صحيح.
وأخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (ج4 ص285)، وأحمد في «المسند» (ج6 ص42) من طريق يعلى عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسـود عن عائشة ڤ به.
وإسناده صحيح.
وأخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (2874) من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ڤ به.
وإسناده صحيح.
وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (2103) من طريق أبي خـالـد الأحمر عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ڤ به.
وإسناده صحيح.
وأخرجه أبو داود في «سـننـه» (ج2 ص816)، وأحمد في «المسند» (ج6 ص124) من طريق أبي عوانة عن الأعمش عـن إبـراهـيـم عن الأســـود عـن عائشة ڤ به.
وإسناده صحيح.
قال الحافظ الترمذي / في «السنن» (ج3 ص120): (هكذا رواه غير واحد
عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة). اهـ
* ثم ذكر أن هذه الرواية أصح، وأوصل إسنادا.([159])
فقال الحافظ الترمذي / في «السنن» (ج3 ص121): (وقد اختلفوا على منصور في هذا الحديث، ورواية الأعمش أصح، وأوصل إسنادا). اهـ
قال الإمام وكيع بن الجراح /: (الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور).([160])
وحديث منصور: أخرجه ابن ماجة في «سـنـنــه» (1726) من طريق أبي الأحوص عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ڤ به.
قال العلامة الشيخ الألباني / في «صحيح سنن أبي داود» (ج7 ص201): (رواية ابن ماجة عن منصور متصلة صحيحة الإسـنـاد، فهي تؤكد أصحية رواية الأعمش). اهـ
قلت: لأن فيها متابعة منصور للأعمش.([161])
وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (ج3 ص41)، وابن راهويه في «المسند»
(1506) من طريق جرير عن منصور عن إبراهيم: (أن النبي r لم ير صائما في العشر قط)، هكذا مرسلا.
وأخرجه ابن الجعد في «حديثه» (ج2 ص735) من طريق سـفـيـان الثـوري عن منصور عن إبراهيم قال حدثت: (أن رسول الله r، لم يصم العشر قط).
ومن هذا الوجه: أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (ج4 ص378).
قال الحافظ الترمذي / في «السنن» (ج3 ص103): (وروى الثوري، وغيره هذا الحديث عن منصور عن إبراهيم: (أن النبي r لم ير صائما في العشر)، وروى أبو الأحوص عن منصور عن إبراهيم عن عائشة، ولم يذكر فيه عن الأســود، وقد اختلفوا على منصور في هذا الحديث، ورواية الأعمش أصح، وأوصل إسنادا).([162])اهـ
ثم قال الحافظ الترمذي /: وسـمـعـت محمد بن أبان يقول سـمـعـت وكيعا يقول: (الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور). اهـ
* وقد ذكر مثل كلام الترمذي: أبو حاتم، وأبو زرعة، فيما نقله عنهما ابن أبي حاتم في «العلل» (ج2 ص71).
وذكر الحافظ الدارقطني /: اختلاف منصور، والأعمش على إبراهيم النخـعي، فالأعمـش كـمـا سـبـق روى الحـديث عـن إبـراهـيـم عـن الأســود عن عائشة، متصلا مرفوعا، وروى منصور الحديث عن إبراهيم مرسلا، ومتصلا.
ولم يرجح الحافظ الدارقطني / أحد الجانبين على الآخر، والظاهر أنه يرجح الإرسال.([163])
حيث قال الحافظ الدارقطني / في «التتبع» (ص529): (وأخرج مسلم حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: ما صام رسول الله r العشر).
قال أبو الحسن الدارقطني: (وخالفه منصور: رواه عن إبراهيم مرسلا). اهـ
وقد صرح بترجيحه للإرسال في كتابه «العلل» (ج5 ص129)؛ مجيبا عن سؤال وجه إليه عن هذا الحديث: (يرويه: إبراهيم النخعي، واختلف عنه: فرواه الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، ولم يختلف عن الأعمش فيما حدث به عنه أبو معاوية، وحفص بن غياث، وزائدة بن قدامة، وعبدة بن سليمان، والقاسم بن معين، وأبو عوانة.
* واختلف عن الثوري، فرواه ابن مهدي عن الثوري عن الأعمش كذلك.
* وتابعه يزيد بن زريع، واختلف عنه: فرواه حميد المروزي عن يزيد بن زريع، عن الثوري عن الأعمش مثل قول عبد الرحمن بن مهدي.
* وحدث به شيخ من أهل أصبهان: يعرف بعبد الله بن محمد النعمان عن محمد بن منهال الضرير عن يزيد عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة.
* وتابعه معمر بن سهل الأهوازي عن أبي أحمد الزبيري عن الثوري.
والصحيح: عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: حدثت: أن رســول الله r، وكذلك رواه أصحاب منصور مرسلا: منهم: فضيل بن عياض، وجرير). اهـ
* فنرى الحافظ الدارقطني / هنا قد رجـح الإرســـال، واحتج لذلك بأن أصحاب منصور قد رووه مرسلا.
* ولكن الاختلاف بين الأعمش، ومنصور الحق فيه: أن الوصل الذي رواه الأعمش، هو الصواب والراجح، كما سبق ذكر ذلك.
ويؤيد ذلك: رواية منصور المتصلة السابقة عن ابن ماجة في «سننه» (1726).
قال العلامة الشيخ الألباني / في «صحيح سنن أبي داود» (ج7 ص201): (رواية ابن ماجة عن منصور متصلة صحيحة الإسـنـاد، فهي تؤكد أصحية رواية الأعمش). اهـ
قلت: لأن فيها متابعة منصور للأعمش.
* إذن فالراجح هو الوصل.
قلت: فالمتن صحيح من هذا الطريق الذي اعترضه الحافظ الدارقطني /.
قال العلامة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي / في «تعليقه على التتبع للدارقطني» (ص531): (فعلى هذا لا يلزم الاعتراض مسلما؛ لأنه أخرج الطريق المتصلة، وهي المعتمدة؛ كما أفاده الترمذي عن وكيع). اهـ
وأورد الحافظ ابن رجب / في «لطائف المعارف» (ص392) حديث عائشة هذا، وأورد عليه إيرادات غير قادحة؛ كـمـا سـبـق، فقال: (وقد اختلف جواب الإمام أحمد عن هذا الحديث؛ فأجاب مرة بأنه قد روي خلافه، وذكر حديث حفصة، وأشار على أنه اختلف في إسناد حديث عائشة فأسـنـده الأعمش، ورواه منصور عن إبراهيم مرسلا). اهـ
قلت: وهذا الحديث نص صريح أن النبي r لم يصم العشر الأولى من ذي الحجة، واليوم التاسع منها، وهو يوم عرفة، والله ولي التوفيق.
فقولها: (ما رأيته صائما في العشر قط)، يتعذر تأويل بعض العلماء فيه، لأنه صريح في أن النبي r لم يصم مطلقا في أيام العشر من ذي الحجة، وعلى هذا مما جاء أنه ما صام r في جميع العشر: هو الأصل فليتأمل.([164])
قال الحافظ ابن رجب / في «لطائف المعارف» (ص392): (وهذا الجمع يصح في رواية من روى: (ما رأيته صائما العشر)، وأما من روى: (ما رأيته صائما في العشر)؛ فيبعد، أو يتعذر الجمع فيه). اهـ
قلت: ولذلك لم يرض الإمام ابن باز / في «الفتاوى» (ج15 ص417) بهذه التأويلات: لحديث عائشة ڤ؛ لأنها غير مقنعة، فقال /: (قد تأملت الحديثين، واتضح لي أن حديث حفصة ڤ فيه اضطراب([165])، وحديث عائشة ڤ أصح منه، والجمع الذي ذكره الشوكاني فيه نظر، ويبعد جدا أن يكون النبي r يصوم العشر، ويخفى ذلك على عائشة ڤ، مع كونه يدور عليها في ليلتين، ويومين من كل تسعة أيام؛ لأن سودة ڤ وهبت يومها لعائشة ڤ، وأقر النبي r ذلك، فكان لعائشة ڤ يومان، وليلتان من كل تسع([166])، ولكن عدم صومه r العشر لا يدل على عدم أفضلية صيامها؛ لأن النبي r قد تعرض له أمور تشغله عن الصوم([167])). اهـ
قلت: وقول الإمام ابن باز /: (ولكن عدم صومه r العشر...) هذا في مقابلة النص، فيغني عن الاجتهاد.
فعن أنس t قال: «كان للنبي r تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن، لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع، فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها، فكان في بيت عائشة، فجاءت زينب، فمد يده إليها، فقالت: هذه زينب، فكف النبي r يده، فتقاولتا حتى استخبتا، وأقيمت الصلاة، فمر أبو بكر على ذلك، فسمع أصواتهما، فقال: اخرج يا رسول الله إلى الصلاة، واحث في أفواههن التراب، فخرج النبي r، فقالت عائشة: الآن يقضي النبي r صلاته، فيجيء أبو بكر فيفعل بي ويفعل، فلما قضى النبي r صلاته، أتاها أبو بكر، فقال لها قولا شديدا، وقال: أتصنعين هذا؟».([168])
وعن عائشة ڤ قالت: «ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في
مسلاخها من سودة بنت زمعة، من امرأة فيها حدة، قالت: فلما كبرت، جعلت يومها من رسول الله r لعائشة، قالت: يا رسول الله، قد جعلت يومي منك لعائشة، فكان رسول الله r، يقسم لعائشة يومين، يومها ويوم سودة».([169])
قلت: وهذا يشعر بأن صوم يوم عرفة لم يكن معروفا عند النبي r، مما يؤكد بأن الحديث الوارد في الترغيب في صومه غير ثابت عنه r.
وهذا فيه رد على الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (ج4 ص237) بأنه قال: (هذا([170]) يشعر بأن صوم يوم عرفة كان معروفا عندهم معتادا لهم في الحضر([171])، وكأن من جزم بأنه صائم استند إلى ما ألفه من العبادة، ومن جزم بأنه غير صائم قامت عنده قرينة كونه مسافرا، وقد عرف نهيه عن صوم الفرض في السفر فضلا عن النفل). اهـ
قلت: وهذا اجتهاد في مقابلة النص، فإذا وجد النص فلا رأي ولا اجتهاد، فالنقل هو الأصل، وهو المقدم على كل شيء في حالة ما يشبه التعارض.
* ومن المعلوم أن كل ما نص عليه الكتاب، والسنة نصا صريحا لا يجوز العدول عنه إلى ما يؤدي إليه الاجتهاد.
قال الحافظ الخطيب / في «الفقيه والمتفقه» (ج1 ص504): (باب في سقوط الاجتهاد مع وجود النص). اهـ
وقال الحافظ ابن القيم / في «إعلام الموقعين» (ج2 ص287): (فصل في تحريم الإفتاء، والحكم في دين الله بما يخالف الـنـصـوص، وسـقـوط الاجـتـهـاد، والتقليد عند ظهور النص، وذكر إجماع العلماء على ذلك). اهـ
قلت: ويدل أيضا على أن النبي r لم يصم صوم يوم عرفة حديث: أبي هريرة t.
فعن أبي هريرة t: (أن أبا بكر الصديق t بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله r قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان).
أخرجه البخاري في «صحيحه» (1622)، ومسلم في «صحيحه» (1347) من طريق ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة t به.
قلت: وهذا الدليل الضربة القاضية للمجوزين لصوم يوم عرفة، وذلك أن النبي r كان حجه في السنة العاشرة في حجة الوداع، وقد حج أبو بكر الصديق t بالناس في السنة التاسعة بأمر النبي r، وكان النبي r في المدينة في الحضر، ولم يكن حاجا، ولم ينقل عنه r أنه صام يوم عرفة، وهو في المدينة في السنة التاسعة، مما يدل على أن صوم يوم عرفة، غير مشروع صومه، ولو كان مشروعا لصامه r، وأمر الناس بصيامه؛ كما فعل r في أمره بصوم يوم عاشوراء([172])، وغيره من صوم النفل.
قال الإمام البغوي / في «معالم التنزيل» (ج4 ص10): (فلما كان سنة تسع أراد رسـول الله r أن يـحـج، ثـم قـال: (إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة) ([173])، فبعث أبا بكر t تلك السنة أميرا على الموسم ليقيم للناس الحج ... فسار أبو بكر t أميرا على الحج). اهـ
* فهذا يدل أن أبا بكر t، هو الأمير في الحج لسنة تسع من الهجرة.([174])
* والنبي r كان في المدينة، ولم يثبت أنه r صام يوم عرفة، ولم ينقل عنه هذا الصوم، لذلك صوم يوم عرفة ليس من السنة.
قلت: فعدم ذكر الصوم في يوم عرفة، دليل على أن النبي r لم يفعله، ولو كان r صامه لنقل إلينا، لكن لما لم ينقل، دل ذلك على أنه لم يفعله r، ومثل هذا يحفظ ويضبط، وتتوفر الهمم، والدواعي على نقله، فلو كان قد صام يوم عرفة لذكر ذلك الصحابة الكرام.
قلت: فالذين وصفوا صفة صوم النبي r لم ينقلوا هذا الصوم المزعوم([175])؛ فإنه لم ينقل عن النبي r، ولا عن أحد من الصحابة الكرام، أنهم تحروا صوم يوم عرفة، وإنما عمدة من يصوم يوم عرفة ما نقل عن ابن معبد عن أبي قتادة t، وهو اسـتـدلال ضعيف، وخلاف السنة.
ومنه: قول شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج23 ص48)؛ في عدم ثبوت التشهد في سجود السهو: (وليس في شيء من أقواله أمر بالتشهد بعد السجود، ولا في الأحاديث المتلقاة بالقبول؛ أنه يتشهد بعد السجود؛ بل هذا التشهد بعد السجدتين عمل طويل بقدر السجدتين، أو أطول ، ومثل هذا مما يحفظ ويضبط، وتتوفر الهمم، والدواعي على نقله، فلو كان قد تشهد لذكر ذلك من ذكر أنه سجد، وكان الداعي إلى ذكر ذلك أقوى من الداعي إلى ذكر السلام ، وذكر التكبير عن الخفض والرفع ، فإن هذه أقوال خفيفة، والتشهد عمل طويل، فكيف ينقلون هذا، ولا ينقلون هذا؟!). اهـ
قلت: لذلك فقد نقل الصحابة الكرام تسبيح النبي r في السجود، ولم ينقلوا تسبيحه r في سـجـود السهو، فكيف ينقلون هذا، ولا ينقلون هذا؟!، فدل على أن تسبيح سجود السهو لم يثبت عنه r، لا من قوله، ولا من فعله([176])، والسلام.
قـال شـيـخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج23 ص281): (أن تعليل الأحكام بالخلاف علة باطلة في نفس الأمر، فإن الخلاف ليس من الصفات التي يعلق الشارع بها الأحكام في نفس الأمر، فإن ذلك وصف حادث بعد النبي r، ولكن يسلكه من لم يكن عالما بالأدلة الشرعية في نفس الأمر، لطلب الاحتياط). اهـ
قلت: ويؤيد ما تقدم أن النبي r لم يتحر في السنة؛ إلا يـوم عـاشـوراء، مـع أن كفارة صوم يوم عرفة أعظم من كفارة صوم يـوم عـاشـوراء([177])، فـهـل يعقل أن النبي r يتحرى صوم يوم عاشوراء، وأجره دون أجر صوم يوم عرفة؟!، ولا يتحرى هذا اليوم الذي أجره يكفر السنة الماضـية، والباقية!، فهذا يبعد بلا شك، فهل أنتم أحـرص مـن النبي r في صوم يوم عرفة، اللهم غفرا.
وإليك الدليل:
عن ابن عباس ﭭ قال: (ما رأيت رسول الله r يتحرى صيام يوم يلتمس فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عـاشـوراء، وشهر رمضان). ولم يذكر صوم يوم عرفة!. وفي رواية: (ما رأيت النبي r صام يوما يتحرى فضله على الأيام([178]) إلا هذا اليوم؛ يعني: يوم عاشوراء، وهذا الشهر؛ يعني: شهر رمضان). وفي رواية: (ما صام رسول الله r يوما يطلب فضله سوى رمضان، إلا يوم عاشوراء).
أخرجه البخاري في «صحيحه» (ج2 ص251)، ومسلم في «صحيحه» (ج2 ص797)، والنسائي في «السنن الكبرى» (ج2 ص123)، وفي «السنن الصغرى» (ج4ص204)، وأبو نعيم في «المستخرج على صحيح مسلم» (ج3 ص212)، والبغوي في «شرح السنة» (ج6 ص333)، وفي «مصابيح السنة» (ج2 ص89)، وفي «شمائل النبي r» (ج2 ص479)، وابن خزيمة في «صحيحه» (ج3 ص287)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (ج3 ص58)، وعبد الرزاق في «المصنف» (ج4 ص287)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ج4 ص286)، وفي «المعرفة» (ج6 ص356)، وفي «فضائل الأوقات» (ص437) والشافعي في «السنن» (ص315)، وفي «المسند» (ج1 ص457)، وأبو القاسم الأصبهاني في «الترغيب والترهيب» (ج2 ص402)، وابن البختري في «الأمالي» (ص169)، وضياء الدين المـقـدسـي في «فـضـائــل الأعمال» (ص259)، والمهرواني في «الفوائد المنتخبة» (ص121)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (ج2 ص75)، وابن الأعرابي في «المعجم» (ج2 ص744)، والطبري في «تهذيب الآثار» (ج1 ص385 و386 و387)، والسلفي في «المشيخة البغدادية» (ج2 ص219)، والطبراني في «المعجم الكبير» (ج11 ص126 و127)، وأبو عوانة في «المستخرج» (ج3 ص180)، والمخلص في «المخلصيات» (ج2 ص19) من طرق عن عبيد الله بن أبي زيد أنه سمع ابن عباس ﭭ به.
* وهذا يدل على أن صيام يوم عاشوراء كان معروفا عند الصحابة y، بل وحتى عند الأنبياء في السابق.([179])
قلت: وأما صوم يوم عرفة لم يكن معروفا عندهم، وإلا لذكره ابن عباس ﭭ.
* وهذا الحديث يدل على أن النبي r لم يتحر فضل صوم يوم عرفة، بل كان يطلب فضل صوم يوم عاشوراء على غيره من الأيام، وهذا نص صريح، ولا اجتهاد مع وجود نص.
قلت: والسلف على هذا الاتباع؛ أي: أنهم لم يتحروا إلا صوم يوم عاشوراء فقط، ولم يأمروا إلا به.
فـعـن الأسـود بـن يـزيـد، قال: (مـا رأيـت أحـدا مـمـن كان بالكوفة من أصحاب
رسول الله r أمر بصوم عاشوراء من علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري).
أثر صحيح
أخرجه الطيالسي في «المسند» (1212)، وعبد الرزاق في «المصنف» (7836)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (ج2 ص312)، والبغوي في «الجعديات» (ج2ص230)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ج4ص286)، وابن عبد البر في «التمهيد» (ج22 ص150)، وأبو ذر الهروي في «جزء من فوائد حديثه» (11)، والطبري في «تهذيب الآثار» (ج1 ص389 – مسند عمر)، ولوين في «جزئه» (42) من طرق عن أبي إسحاق قال: سمعت الأسود بن يزيد به.
قلت: وهذا سـنـده صحيح، وقد صححه الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية» (ج11 ص146).
تنبيه:
وأما ما أخرجه ابن سمعون في «الأمالي» (ص89) من طريق أحمد بن سليمان حدثنا هشام بن عمار حدثنا شعيب بن إسحاق حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن يحيى بن أبي كثير عن عبيد الله بن أبي يزيد قال سمعت ابن عباس ﭭ يقول: (ما كان رسول الله r يتحرى صيام يوم إلا يوم عاشوراء، ويوم عرفة).
فهو حديث منكر بزيادة «يوم عرفة».
قلت: وهذا سنده منكر؛ فيه أحمد بن سليمان بن زبان، وهو ضعيف، وهشام بن عمار السلمي يخالف ويخطئ، ولما كبر صار يتلقن؛ فلا يحتج بحديثه؛ إلا إذا توبع، وسعيد بن أبي عروبة مختلط.
انظر: «السير» للذهبي (ج11 ص431)، و«التقريب» لابن حجر (ص384).
قلت: فلا يحتج به في هذا الباب.
قلت: وقد بين النبي r أن أفضل الصيام، بعد شهر رمضان، صيام شهر محرم([180])، ولم يذكر صيام يوم عرفة في شهر ذي الحجة، مع أن الأجر الذي ذكر في صوم يوم عرفة أعظم؛ لأنه يكفر السنة الماضية، والسنة الباقية، وهذا يدل على أن صوم يوم عرفة غير مشروع في الدين.
وإليك الدليل:
فعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: (أفضل الصيام، بعد شهر رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة، بعد الفريضة، صلاة الليل).
أخرجه مسلم في «صحيحه» (ج2 ص821)، وأبو داود في «سنـنـه» (ج2 ص811)، والترمذي في «سنـنـه» (ج2 ص301)، والنسائي في «السنن الكبرى» (2907)، وفي «السنن الصغرى» (ج3 ص206)، وأحمد في «المسند» (ج2 ص342 و344)، وابن البختري في «حديثه» (ص168)، والذهبي في «معجم الشيوخ» (ج2 ص96)، والخلعي في «الخلعيات» (ص339)، وابن غيلان في «الغيلانيات» (ج1 ص215)، والدارمي في «المسند» (ج2 ص1103)، والبغوي في «شرح السنة» (1788)، وفي «معالم التنزيل» (ج6 ص306)، وابن راهويه في «المسند» (ج1 ص299)، وعبد بن حميد في «المسند» (1421)، وأبو نعيم في «المستخرج» (ج4 ص242 و243)، والشجري في «الأمالي» (ج2 ص203)، وابن نصر في «قيام الليل» (ص35)، والسلفي في «السلمـاسـيات» (ص42)، وابن حبان في «صحيحه» (ج5 ص258)، وأبو عوانة في «المستخرج» (ج3 ص181)، والدبيثي في «ذيل تاريخ مدينة السلام» (ج2 ص545)، والآجري في «فضل قيام الليل» (ص82)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ج4 ص290)، وفي «السنن الصغرى» (ج2 ص121)، وفي «شعب الإيمان» (ج4 ص290)، وفي «فضائل الأوقات» (ص429)، وضياء الدين المـقـدسي في «فضائل الأعمال» (ص163)، وابن شاهين في «الترغيب في فضائل الأعمال» (ص423)، وابن الجوزي في «الحدائق» (ج2 ص252) من طرق عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله عن أبي بشر جعفر بن إياس عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة t به.
وأخرجه مسلم في «صحيحه» (ج2 ص821)، وأبو عـوانة في «المستخرج» (ج2 ص290)، وأحمد في «المسند» (ج2 ص303 و329 و342 و535)، والحنائي في «الحنائيات» (ج1 ص743)، والبغوي في «شرح السنة» (1923)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (ج2 ص101)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (ج3 ص142)، وابن ماجة في «سنـنـه» (1742)، وابن الـمـنذر في «الأوســـط» (ج5 ص147)، وابن راهويه في «المسند» (ج1 ص298)، والدارمي في «المسند» (ج2 ص1102)، وابن خزيمة في «صحيحه» (ج3 ص282)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ج2 ص274)، والحاكم في «المستدرك» (ج1 ص307)، والنسائي في «السنن الكبرى» (2905)، و(2906)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ج4 ص291)، وفي «السنن الصغرى» (ج2 ص121)، وفي «فضائل الأوقات» (ص431)، وأبو يعلى في «المسند» (ج11 ص281 و283)، والطيوري في «الطيوريات» (ج2 ص384)، وعبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الشرعية الكبرى» (ج2 ص386)، وضياء الدين الـمـقـدســي في «فضائل الأعمال» (ص261)، وابن الجوزي في «الحدائق» (ج2 ص251) من طرق عن عبد الملك بن عمير عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة t به.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال البغوي: هذا حديث صحيح.
وقال الإمام أبو حاتم / في «العلل» (ج3 ص129)؛ بعدما ذكر الاختلاف على الحديث: (والصحيح متصل: حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبيr).([181])
وقال الحافظ الدارقطني / في «العلل» (1656)؛ بعد ما ذكر الاختلاف: (ورفعه صحيح)؛ يعني: رواية حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي r مرفوعا.
وصحح الحافظ المزي / في «تحفة الأشراف» (3266) الرواية المرفوعة، وكذلك الحافظ ابن حجر في «إتحاف المهرة» (3997).
قلت: وفي رواية في الحديث: (ســئــل أي الصيام أفضل بعد صيام شهر رمضان؟ فقال r: أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم)، ولم يقل r: (صوم يوم عرفة).
وبوب عليه الحافظ النووي / في «المنهاج» (ج7 ص54) باب: فضل صوم المحرم.
وقال الحافظ ابن خزيمة / في«صحيحه» (ج3 ص282)؛ كتاب الصوم: – جماع أبواب صوم التطوع، باب: فضل الصوم في المحرم إذ هو أفضل أيام الصيام بعد شهر رمضان.
قلت: فأين إذا فضل صوم يوم عرفة المزعوم الذي يكفر السنة الماضية، والباقية، إذا كان صوم شهر المحرم أفضل الصيام بعد شهر رمضان بشهادة النبي r، نعوذ بالله من التعصب والتقليد.
وقال الحافظ النووي / في «المنهاج» (ج7 ص55): (قوله r: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان، شهر الله المحرم): تصريح بأنه أفضل الشهور للصوم). اهـ
وعن عائشة ڤ قالت: (أن النبي r كان يصوم يوم عاشوراء، ويأمرنا بصيامه).
حديث صحيح
أخرجه الدارمي في «المسند» (1801)، والبيهقي في «معرفة السنن» (8977) من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة ڤ به.
قلت: وهذا سنده صحيح.
قلت: فأين صوم النبي r ليوم عرفة؟!، وأين أمر بصيامه؟!.
قلت: لذلك أمر الصحابة الكرام بصيام يوم عاشوراء؛ لأنهم يرون له فضلا في الصوم على سائر الأيام سوى شهر رمضان، ولم يأمروا بصيام يوم عرفة، بل لم يكن صوم يوم عرفة معروفا عندهم، اللهم غفرا.
هذا آخر ما وفقني الله سبحانه وتعالى إليه في تصنيف هذا الكتاب النافع المبارك -إن شاء الله- سائلا ربي جل وعلا أن يكتب لي به أجرا، ويحط عني فيه وزرا،
وأن يجعله لي عنده يوم القيامة ذخرا... وصلى الله وسلم وبارك
على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين،
وآخر دعوانا أن الحمد لله
رب العالمين
فهرس الموضوعات
الرقم |
الموضوع |
الصفحة |
1) |
فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في أن العالم: يخطئ ويصيب، وليس بمعصوم في الإسلام، بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الدين، فإن أخطأ، فجعل له الشارع: أجرا على اجتهاده، وجعل خطأه مغفورا له في الدين............................................................................................... |
5 |
2) |
ذكر الدليل على أن العالم: يخطئ ويصيب في الشريعة، لأنه يجتهد، والمجتهد مع خطئه: له أجر من أجل اجتهاده، مثل: العالم الذي أفتى بصوم يوم عرفة بحديث ضعيف لا يصح، فهذا اجتهاد، أخطأ فيه، وله أجر على اجتهاده، ولا يتبع في خطئه هذا، بل يتبع المسلم ما جاء به الرسول، وهو عدم صوم يوم عرفة، لأنه يوم عيد، وهو منهي عنه في الشريعة المطهرة................................................................. |
8 |
3) |
جوهرة نادرة............................................................................................. |
14 |
4) |
المقدمة..................................................................................................... |
24 |
5) |
ذكر الدليل على إعلال الإمام مسلم، لحديث: «صوم يوم عرفة»، لغير الحاج، حيث أعله بالاضطراب، والاختلاف: في أسانيده، ومتونه؛ لأنه: وعد في «مقدمة المسند الصحيح»، أن يذكر العلل في الأحاديث في مواضع في أبوابها، إذا أتى إليها، علم من علم، وجهل من جهل، بهذه العلل في الأحاديث........................................... |
73 |
([1]) والمقلد، لا يعذر في الدين، لأنه لا يفتي على الأصول، بل يفتي بما يخالف الأصول في الدين، والله المستعان.
([2]) وأهل التقليد، ليسوا من أهل الاجتهاد، فوقع عليهم الإثم، ولا بد؛ لأنهم يفتون الناس بغير علم في الأصول والفروع، والله المستعان.
([3]) فظن عدد من العلماء، أن صوم يوم عرفة، من المأمور به في الدين، وهو ليس كذلك، بل هو منهي عن صيامه في الإسلام.
* لذلك فلم نفت بصيامه، لأنه يوم عيد في الشريعة، وثبت ذلك عن عدد من أئمة الحديث.
([5]) أما المقلدة الذين دون العلماء المجتهدين، فليس لهم إلا الإثم، لأنهم: معاندون، ومتعصبون لآرائهم المخالفة للكتاب والسنة والآثار.
([6]) أخرجه البخاري في «صحيحه» (ج13 ص318)، ومسلم في «صحيحه» (ج3 ص1342)، وأبو داود في «سننه» (ج4 ص6)، وابن ماجة في «سننه» (ج4 ص776)، وأحمد في «المسند» (ج4 ص198)، والشافعي في «الأم» (ج2 ص176)، والنسائي في «السنن الكبرى» (ج3 ص461)، وأبو عوانة في «صحيحه» (ج4 ص12)، والبغوي في «شرح السنة» (ج10 ص115) من طريق بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص ﭭ به.
([10]) ولذلك ترى بعض العلماء إذا ذكروا حديثـا في صحيح مسلم؛ اكتفوا بكونه في «صحيح مسلم».
وهذا الحافظ ابن القطان / عندما ذكر حديث: «الطهور شطر الإيمان»؛ قال في «بيان الوهم والإيهام» (ج2 ص377): (اكتفوا بكونه في مسلم، فلم يتعرضوا له، وقد بين الدارقطني، وغيره أنه منقطع فيما بين أبي سلام، وأبي مالك الأشعري). اهـ.
([11]) كـ«المتعالمين، والقصاصين، والحزبيين ممن تشبهوا بشيوخ الدين، وليسوا منهم في العلم، بل هؤلاء من المتخبطين، والآثمين في الدين، وهؤلاء وإن درسوا، وخطبوا، وحاضروا، فهم جهال في الدين»، والله المستعان.
أخرجه ابن ماجة في «سننه» (34)، وأحمد في «المسند» (ج2 ص410 و469)، وابن حبان في «صحيحه» (28).
وإسناده حسن.
([14]) وقد قصر في هذا الأصل، كثير ممن يشتغل بعلم الحديث، في هذا العصر الحاضر، فيصححون أحاديث، فيها تناقض ظاهر مع أصول القرآن، وأصول السنة.
([15]) وانظر: على سبيل المثال، «السنن الكبرى» للبيهقي (ج8 ص149)، و«التاريخ الكبير» للبخاري (ج1 ص160)، و(ج3 ص60 و361)، و(ج5 ص89)، و«التاريخ الأوسط» له (ج1 ص396 و439)، و(ج2 ص46 و81)، و«السنن» للدارقطني (ج1 ص472)، و«العلل الكبير» للترمذي (ص103)، و«الأحكام الوسطى» للإشبيلي (ج3 ص117)، و«البداية والنهاية» لابن كثير (ج20 ص230)، و«فتح الباري» لابن حجر (ج3 ص672)، و«إكمال المعلم» للقاضي عياض (ج1 ص565)، و«شرح العلل الصغير» لابن رجب (ج2 ص802)، و«التحقيق» لابن الجوزي (ج2 ص349)، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر (ج59 ص158)، و«منهاج السنة» لابن تيمية (ج4 ص380)، و«المسند» للبزار (ج9 ص335).
أخرجه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (ج2 ص564)، والخطيب في «الكفاية» (1313)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (ج6 ص186)، وابن عدي في «الكامل» (ج1 ص69)، والسلفي في «المشيخة البغدادية» (ج1 ص404).
وإسناده صحيح.
([19]) أخرجه مسلم في «صحيحه» (ص283)، والترمذي في «سننه» (756)، والنسائي في «السنن الكبرى» (2872)، وأحمد في «المسند» (ج6ص42)، وابن حبان في «صحيحه» (3608)، والبغوي في «شرح السنة» (1793).
([24]) انظر: «مرشد المحتار إلى خصائص المختار» لابن طولون (ص394)، و«الخصائص الكبرى» للسيوطي (ج2 ص336).
([28]) وانظر: «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» للقسطلاني (ج2 ص655)، و«شرح رياض الصالحين» لشيخنا ابن عثيمين (ج2 ص73)، و«المجموع» للنووي (ج6 ص381)، و«تفسير القرآن» لابن كثير (ج3 ص198).
([30]) قلت: رحم الله شيخنا، لقد خفيت عليه هذه القاعدة النافعة بقوله: «بصوم يوم عرفة»، وهو حديث ضعيف على هذه القاعدة؛ لأن فيه يكفر: (السنة الباقية والمتأخرة)، بمثل لفظ: (وما تأخر)، والله المستعان.
([31]) حتى وصل الأمر بالأحزاب الفوضوية في هذا العصر؛ أنهم: يرون أن المظاهرات البدعية من الوسائل المشروعة لنصرة النبي r، ولهم في ذلك شبه واهية، لا يعضدها الدليل في الدين.
* وهذه البدع تعتبر إساءة للرسول r، ولسنته r.
وانظر: «الفتاوى» لابن تيمية (ج3 ص203)، و«الفتاوى» للشيخ ابن باز (ج8 ص245)، و«الفتاوى الشرعية» له (ص137).
أخرجه الطبري في «جامع البيان» (ج5 ص66).
وإسناده صحيح.
وأورده السيوطي في «الدر المنثور» (ج3 ص71)، والشوكاني في «فتح القدير» (ج2 ص45).
([36]) فكان لزاما على كل مسلم، أن يهب لنصرته r، والذود عن سنته r، وكشف دسائس المقلدين المتعصبين، ودك حصونهم، ودحض شبههم على وجه الأرض.
([37]) فلا بد من كشف عن الوسائل البدعية، التي اتخذها المقلدة المتعصبة بزعمهم، لنصرة الرسول r، ونصرة سنته r، وبيان ضعفها، وتهافتها على وجه الأرض.
([38]) فكان لزاما على طلبة السنة، معرفة سبيل المقلدين على وجه التفصيل، ومن ثم معرفة المنهج القويم لنصرة رسول الله r، ونصرة سنته.
قلت: وبيان الآثار السلبية للتخلف عن نصرة النبي r.
([42]) وانظر: «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» للقسطلاني (ج2 ص655)، و«شرح رياض الصالحين» لشيخنا ابن عثيمين (ج2 ص73)، و«المجموع» للنووي (ج6 ص381)، و«تفسير القرآن» لابن كثير (ج3 ص198).
([44]) قلت: رحم الله شيخنا، لقد خفيت عليه هذه القاعدة النافعة بقوله: «بصوم يوم عرفة»، وهو حديث ضعيف على هذه القاعدة؛ لأن فيه يكفر: (السنة الباقية والمتأخرة)، بمثل لفظ: (وما تأخر)، والله المستعان.
([49]) فيتحول حكم النصرة إلى الوجوب العيني في حق المتفرد بالعلم، والاحتساب.
وانظر: «غرائب القرآن» للنيسابوري (ج2 ص227).
([55]) وهذه النصرة أيضا: تشمل، النصرة بالمال، أن تسهم في طباعة الكتب التي تنصر الرسول r، وتنصر سنته؛ مثل: طباعة كتبي في إبطال: «صوم يوم عرفة»، فإن ذلك من النصر، والتعزير، والتوقير للرسول r.
قال تعالى: ]لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه[ [الفتح: 9].
([56]) وما ابتدع قوم بدعة إلا بشبهة وقرت في قلوبهم، وزينت لهم سوء عملهم.
* وهذه الشبهة هي التي تحول بين المقلد، ورؤية السنة!.
وانظر: «الفتاوى» لابن تيمية (ج7 ص288).
([61]) فتأمل قوله /: فيهم من فيه فضل، وصلاح!.
* كيف ذلك: دخلوا عليه بحكم هو بقوله للموافقة، فأوقعوه معهم، وهو لا يشعر.
([62]) وانظر: «الانتصار للنبي المختار» للعربي (ص346).
قلت: حتى وصل الأمر المشين، بأهل الأهواء، أن التمسك بالسنة الصحيحة وتعليمها للمسلمين، يفرق الأمة!.
([69]) والمراد بالجهل المركب: أن يعتقد العبد خلاف الحق، مع اعتقاده أنه على الحق، وهو جاهل بالحق، ولا يدري أنه جاهل به.
* وهذا أشنع من الجهل البسيط الذي: هو عدم العلم بالحق، بمعنى خلو الذهن عنه.
وانظر: «شرح القصيدة النونية» لابن هراس (ص65).
([73]) وقد سلك المقلدون المرجفون من الحزبيين وغيرهم -نفس مسالك الذين من قبلهم من أهل الأهواء، في الطعن في دعاة السنة، مستغلين نفوذهم الإعلامي، لبث الشبه، لتنفير الناس منهم وعن سماع الحق، فينعتون بشر الأوصاف، والله المستعان.
أخرجه أبو داود في «السنن» (4474).
وإسناده صحيح.
والأثر صححه الشيخ الألباني في «الجامع الصحيح» (11521).
([79]) لذلك: فلا بد أن تعرف المجالات الصحيحة، لنصرة رسول الله r، ونصرة سنته r.
قلت: لقد تضافرت هجمات المتنصبة المقلدة المتعصبة الشرسة في بلدانهم، على السنة الصحيحة في العصر الحاضر، من أجل التغطية على تعالمهم، والتغطية على جهلهم المركب، للحصول على مآربهم الدنيوية، ومناصبهم الاجتماعية.
قلت: ومن هنا تعرف الحاجة الملحة، لكشف منهج المقلدة.
([80]) والرهبان: وهم جهال الجماعات الحزبية، قد اعترضوا على السنن الصحيحة، بالأحاديث الضعيفة، والفتاوى الباطلة.
([81]) مثل: إفتاء العامة، بصوم يوم عرفة وأنه يكفر: «السنة الماضية، والسنة الباقية»، وهذا من خصائص الرسول r، ومن حقوقه.
قال تعالى: ]إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما[ [الفتح: 1و2].
([83]) وهذا الخوف من انتشار السنة الصحيحة، وأهلها في هذا العصر الحاضر، تمثل هذا الخوف، شاهدا حاضرا في نفوس المبتدعة بجميع أنواعهم في العالم.
([88]) ولا يدفع زيف الباطل، وكيد المسيء للسنة؛ إلا سلاح الردع: المتمثل في الجهاد بالحجة والبرهان.
* وحين يتخلف أهل السنة عن واجب النصرة، يتجرأ الحزبيون على هذا الدين، ولا يرقبون فيه، وفي أهله؛ إلا، ولا ذمة.
قال تعالى: ]كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون[ [التوبة: 8].
وقال تعالى: ]إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا[ [الكهف: 20].
([89]) وانظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (ج4 ص250)، و«الفتاوى» لابن تيمية (ج28 ص215)، و«التحرير والتنوير» لابن عاشور (ج1 ص455).
أخرجه النسائي في «المجتبى» (4947).
وإسناده صحيح.
والحديث صححه الشيخ الألباني في «صحيح سنن النسائي» (ج3 ص346).
([97]) وحماية سنة الرسول r، من كل متربص لها.
قلت: فيجب النصرة على الخصم المناوئ، المشاغب على السنة الصحيحة.
([98]) لأن من المتنصبة، من ينصر الرافضة، ثم يدعي أنه ينصر الرسول r، وهو كاذب في ذلك!.
* ومنهم: من ينصر أهل البدع، ثم يدعي أنه ينصر أهل السنة، وهو كاذب في ذلك!.
قلت: فحقيقة النصرة تختلف: وسيلة وغاية، ونية وطريقة، ومجالا وإيضاحا، وذلك بحسب اختلاف المنتصر له، والله المستعان.
([99]) انظر: «لسان العرب» لابن منظور (ج5 ص210)، و«الصحاح» للجوهري (ج2 ص210)، و«تاج العروس» للزبيدي (ج14 ص224 و225)، و«روح المعاني» للآلوسي (ج17 ص73).
([100]) وانظر: «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» للقاضي عياض (ج2 ص133)، و«المنهاج» للنووي (ج2 ص138)، و«جامع العلوم والحكم» لابن رجب (ص80)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (ج8 ص228).
([106]) أخرجه البخاري في «صحيحه» (ج13 ص318)، ومسلم في «صحيحه» (ج3 ص1342)، وأبو داود في «سننه» (ج4 ص6)، وابن ماجة في «سننه» (ج4 ص776)، وأحمد في «المسند» (ج4 ص198)، والشافعي في «الأم» (ج2 ص176)، والنسائي في «السنن الكبرى» (ج3 ص461)، وأبو عوانة في «صحيحه» (ج4 ص12)، والبغوي في «شرح السنة» (ج10 ص115) من طريق بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص ﭭ به.
([110]) ولذلك ترى بعض العلماء إذا ذكروا حديثـا في صحيح مسلم؛ اكتفوا بكونه في «صحيح مسلم».
وهذا الحافظ ابن القطان / عندما ذكر حديث: «الطهور شطر الإيمان»؛ قال في «بيان الوهم والإيهام» (ج2 ص377): (اكتفوا بكونه في مسلم، فلم يتعرضوا له، وقد بين الدارقطني، وغيره أنه منقطع فيما بين أبي سلام، وأبي مالك الأشعري). اهـ.
([111]) كـ«المتعالمين، والقصاصين، والحزبيين ممن تشبهوا بشيوخ الدين، وليسوا منهم في العلم، بل هؤلاء من المتخبطين، والآثمين في الدين، وهؤلاء وإن درسوا، وخطبوا، وحاضروا، فهم جهال في الدين»، والله المستعان.
أخرجه ابن ماجة في «سننه» (34)، وأحمد في «المسند» (ج2 ص410 و469)، وابن حبان في «صحيحه» (28).
وإسناده حسن.
أخرجه أبو داود في «سننه» (3660)، والترمذي في «سننه» (4656): وصححه، ابن حبان في «صحيحه» (67)، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (24)، عن زيد بن ثابت t.
أخرجه مسلم في «مقدمة صحيحه» (2)، وأحمد في «المسند» (ج3 ص223)، وابن ماجة في «سننه» (32).
وإسناده صحيح.
أخرجه مسلم في «مقدمة صحيحه» (5)، وأبو داود في «سننه» (4992)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (ج8 ص595)، والحاكم في «المستدرك» (ج1 ص112).
وإسناده صحيح.
([118]) قلت: ومما يدل على إعلال الإمام مسلم /، لحديث: «صوم يوم عرفة»، أنه في الغالب يقلد الإمام البخاري /، في تعليله للأحاديث، ويزيد عليه بعض العلل.
* ومن ذلك: أن الإمام البخاري /: ذكر علة واحدة في: حديث: «صوم يوم عرفة»، وهي عدم سماع ابن معبد، لأبي قتادة t.
* فزاد الإمام مسلم /، مع علة الانقطاع، بعض العلل في هذا الحديث.
([119]) انظر: «شرح صحيح مسلم» لشيخنا ابن عثيمين (ج1 ص22)، و«مقارنة المرويات» للاحم (ج2 ص481)، و«مقدمة الإلزامات والتتبع» للوادعي (ص13)، و«إكمال إكمال المعلم» للأبي (ج5 ص607)، و«إكمال المعلم» للقاضي عياض (ج1 ص56)، و(ج5 ص369)، و«المنهاج» للنووي (ج1 ص175).
([120]) رجل أتى النبي r، هكذا هو في معظم النسخ، عن أبي قتادة: «رجل أتى»، وعلى هذا يقرأ بالرفع على أنه: خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الشأن والأمر، رجل أتى النبي r، فقال.
انظر: «المنهاج» للنووي (ج8 ص49).
([121]) وهذا اللفظ منكر؛ لأن النبي r يسأل في الدين، وهو r يجيب عن أسئلتهم؛ لأنه r معلم الأمة، فكيف في هذا الحديث عندما سئل r غضب من سؤال الرجل؟!، فهذا يستحيل أن يقع من النبي r.
قلت: والألفاظ الأخرى عن عمر t منكرة.
([122]) فخلط الراوي هنا؛ بقوله: «ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله» لأن صيام الدهر كله، في فضل صيام الست من شوال، وليس من صام ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فانتبه.
([125]) وهذا يدل على أن الإمام مسلما /، لا يكتفي بالمعاصرة في الإسناد، إنما يشترط أن يقف على ما يدل على السماع، وهذا شرط عامة الأئمة، وهذا ما نص عليه الإمام مسلم / في «مقدمة المسند الصحيح» (ج1 ص32 و33).
([126]) فمن أين لهم، أن الإمام مسلما /، لم يكن مراعيا، لمثل تلك القرائن في العلل، حتى يجعلوه مخالفا، للإمام البخاري /!.
([129]) وهو اللقاء الذي ينتج عنه سماع الراوي من شيخه الذي يحدث عنه، هذا هو شرط البخاري والمحدثين في السند المعنعن.
([130]) أخرجه الخليلي في «الإرشاد» (ج3 ص962)، وابن رشيد في «السنن الأبين» (ص147).
وذكره ابن حجر في «هدي الساري» (ص11)، والقرطبي في «المفهم» (ج1 ص95).
([134]) وهؤلاء لا جهد لهم في البحث العلمي في هذه المسألة أو غيرها غير محض التقليد المذموم؛ لذلك لا يستغرب من كثرة أخطائهم في أصول الحديث وعلله!، وأصول الفقه وأحكامه!.
([135]) إن المتعالمين الذين استدلوا بصحة إسناد حديث: «صوم يوم عرفة»، لم يلجؤوا إلى «مقدمة صحيح مسلم»؛ لانتزاع الأدلة منها، وليفهموا شرطه على الجادة، وإنما ذهبوا إلى كتب أخرى، فقلدوا فوقعوا في الخطأ، وهو صحة إسناد عبد الله بن معبد عن أبي قتادة، وهو ضعيف.
([136]) وانظر: «تحفة التحصيل» لأبي زرعة العراقي (ص187)، و«التاريخ الكبير» للبخاري (ج5 ص198)، و«التاريخ الأوسط» له (ج1 ص411)، و«ذخيرة الحفاظ» للمقدسي (ج3 ص1532)، و«الكامل في الضعفاء» لابن عدي (ج4 ص1540)، و«المغني في الضعفاء» للذهبي (ج1 ص358)، و«تهذيب التهذيب» لابن حجر (ج6 ص36)، و«النكت على كتاب ابن الصلاح» له (ج2 ص595)، و«الضعفاء» للعقيلي (ج3 ص339)، و«إكمال تهذيب الكمال» لمغلطاي (ج8 ص215).
([137]) وانظر: «تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل» للعراقي (ص75)، و«المراسيل» لابن أبي حاتم (ص94)، و«الثقات» لابن حبان (ج5 ص45)، و«بيان المتصل والمرسل» للداني (ص128 و159)، و«السنن الأبين» لابن رشيد (45 و49 و52)، و«نقد الحافظ الذهبي لبيان الوهم والإيهام» (ص83 و84)، و«النكت على ابن الصلاح» لابن حجر (ج2 ص595)، و«هدي الساري» له (ص15) .
([142]) وانظر: «تقريب التهذيب» لابن حجر (ص525)، و«رجال صحيح مسلم» لابن منجويه (ج1 ص391)، و«تهذيب الكمال» للمزي (ج16 ص168).
أخرجه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (ج5 ص173).
وإسناده صحيح.
وذكره ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (ج7 ص318).
أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (ج3 ص187)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (ج1 ص287)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ج4 ص36).
وإسناده صحيح، وقد صححه الشيخ الألباني في «أحكام الجنائز» (ص144).
([146]) انظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (ج5 ص187)، و«التاريخ الأوسط» له (ج1 ص411)، و«الكامل في الضعفاء» لابن عدي (ج4 ص1540)، و«الضعفاء» للعقيلي (ج3 ص339)، و«ذخيرة الحفاظ» للمقدسي (ج3 ص1532)، و«تكملة الإكمال» لابن نقطة (ج2 ص745).
([155]) وانظر: «تدريب الراوي» للسيوطي (ج1 ص167 و196)، و«معرفة أنواع علم الحديث» لابن الصلاح (ص202 و230 و236 و279)، و«التقييد والإيضاح» للعراقي (ص55 و78 و83 و109)، و«الكفاية» للخطيب (ص88 و92 و120 و132).
([156]) وانظر: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (ج19 ص278)، و«معرفة أنواع علم الحديث» لابن الصلاح (ص259 و260)، و«النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر (ج2 ص714).
([157]) مثل: ما فعل الإمام مسلم في حديث أبي قتادة t: «في صوم يوم عرفة»، حيث أعله بالاختلاف في سنده، والاختلاف في متنه.
* وهذا ظاهر في كلامه على الحديث.
([158]) فأيام العشر من ذي الحجة تشمل يوم عرفة؛ كما هو واضح في الحديث.
انظر: «لطائف المعارف» لابن رجب (ص398).
([162]) قال العلامة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي / في «تعليقه على التتبع» للدارقطني (ص531): (فالظاهر هو ما رجحه الترمذي /، لكون الأعمش أحفظ لحديث إبراهيم). اهـ
أخرجه أحمد في «المسند» (ج6 ص287) وغيره.
وانظر: «إرواء الغليل» للشيخ الألباني (ج4 ص111).
([166]) قلت: وهذا يدل أن عائشة ڤ أعلم الناس بعبادات النبي r، فالأمر إليها في ذلك، كما أوضح الشيخ ابن باز /.
([170]) يشير إلى حديث أم الفضل بنت الحارث ڤ بقولها: (أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي r.... الحديث).
([171]) وهذا القول ليس بصحيح؛ لأنه ثبت عن بعض الصحابة y اجتهادات في بعض العبادات ثم تبين لهم بأنها خطأ، وذلك بعد تبيين النبي r لهم ذلك، فرجعوا عنها، وقد بينت هذا الأمر في كتابي: «العقود اللؤلؤية في تبيين رجوع السلف عن آرائهم وخطئهم في المسائل الخلافية الفقهية»، ولله الحمد والمنة.
([175]) قلت: والصحابة الكرام نقلوا عن النبي r ما هو دون ذلك، ولم ينقلوا صومه r في هذا اليوم العظيم، فهذا من المستحيلات، والله المستعان
وانظر: «الفتاوى» لابن تيمية (ج23 ص48).
([176]) قلت: فكل ما حكاه الصحابة الكرام أنهم رأوا النبي r يفعله في العبادة دخل تحت الأمر، وصح الاستدلال به على شرعيته في الدين، وما لم يحكه الصحابة الكرام فلا يدخل تحت الأمر، إلا أن يثبت بدليل آخر، والله ولي التوفيق.
([177]) وهذا الحديث: يعل حديث: أبي قتادة t في يوم عرفة، وقد جعله الإمام مسلم / في أصوله من «المسند الصحيح»، مما يدل أنه يرى القول به، دون حديث أبي قتادة.
([178]) فلم يذكر ابن عباس t فضل يوم عرفة على سائر الأيام؛ إلا يوم عاشوراء، بل نفى t أن النبي r صام على سبيل التحري في السنة إلا يوم عاشوراء.
وانظر: «تهذيب الآثار» للطبري (ج1 ص385 و386 – مسند عمر).