الرئيسية / شرح اختصار علوم الحديث (تفريغ) / الجزء (60) اختصار علوم الحديث: أقوال أهل العلم في تعريف المرسل وحجيته مع تبيين الراجح منها (تفريغ)
2026-10-27
الجزء (60) اختصار علوم الحديث: أقوال أهل العلم في تعريف المرسل وحجيته مع تبيين الراجح منها (تفريغ)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وتكلمنا في الدرس الذي سلف عن المرسل، وبين الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- في «اختصار علوم الحديث» أقوال العلماء في تعريف المرسل، ونقل عن عدد من العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين، وذكر كذلك أقوال العلماء في حجية المرسل، وذكر هذا باختصار.
ولعل ننقل لكم أقوال العلماء في تعريف المرسل وفي حجية المرسل، وهذبنا كلام أهل العلم في كتب المحدثين، وفي كتب الفقهاء، وفي كتب الأصوليين؛ وذكرت ذلك لكي يعرف طالب الحديث أقوال العلماء في هذه المسألة.
وكلام العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين كثير في كتبهم، فاختصرت ذلك لطالب الحديث لكي يعرف كذلك الخلافيات ويلم بهذه الأمور.
وبينت لكم في الدروس التي سلفت أن الصحيح من تعريف المرسل ما رواه التابعي -سواء كان من كبار التابعين أو صغار التابعين- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فهو ما رواه التابعي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة؛ هذا هو التعريف الصحيح وعليه أهل الحديث.
وبينت لكم كذلك عن حجية الحديث المرسل أن الصحيح لا يحتج به في الدين، وهذا قول أهل الحديث كذلك.
ولعل يأتينا إذا تعددت المراسيل؛ تعددت المراسيل مثلا روى سعيد بن المسيب أثرا، وروى هذا الأثر محمد بن سيرين، وروى هذا الأثر الزهري، وروى هذا الأثر أبو صالح؛ ففي الحقيقة لا يحتج بهذه المراسيل إلا إذا اتفق هؤلاء الأئمة على لفظ واحد وله أصول في القرآن والسنة، واعتضد هذا الأمر بأقوال أهل العلم في حجية هذا المرسل الآن الذي ذكرناه، وإلا فالأصل لا يحتج بالمرسل، وبينا هذا.
ولعل نأخذ وننقل لكم أقوال أهل العلم في هذا الأمر لكي يلم طالب الحديث أقوال العلماء، ويعرف كتب أهل العلم المعتمدة في ديننا في الحديث، وفي الفقه، وفي أصول الفقه.
أقوال العلماء في تعريف المرسل:
القول الأول: هو ما رواه التابعي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قولا، أو فعلا، أو تقريرا؛ صغيرا كان التابعي -مثل يحيى بن سعيد الأنصاري والزهري أو غيرهما- أو كبيرا -يعني التابعي كقيس بن أبي حازم وسعيد بن المسيب وغيرهما-.
وهذا هو المشهور عند المحدثين، وبه قطع الحاكم في «معرفة علوم الحديث» وغيره من العلماء، واختاره الغزالي في كتابه «المنخول» في أصول الفقه -هذا الكتاب في أصول الفقه المنخول من النخل-.
فهذا الآن عندنا القول الأول وهذا هو المشهور عند المحدثين؛ فأهل الحديث عندهم ما رواه التابعي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قولا، أو فعلا، أو تقريرا، صغيرا كان التابعي أو كبيرا.
وهذا القول هو الصحيح كما بينت لكم، وهذا هو المشهور عند المحدثين وبه قطع الحاكم واختاره الغزالي ونقل في كتابه «المنخول» هذا أقوال العلماء.
ولذلك ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- في كتابه «معرفة أنواع علم الحديث» قال: (والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين)؛ أي لا فرق بين كبير وصغير، وهذا الذي نقله الحافظ ابن كثير من قول ابن الصلاح لأنه هو يشرح كتاب «معرفة أنواع علم الحديث» لابن الصلاح.
وحكى ابن عبد البر في «التمهيد» عن عدد من العلماء أنه لا يعد إرسال صغار التابعين مرسلا، وكذا نقل ابن حجر في «النكت على ابن الصلاح».
والصحيح -كما بينت لكم- أن التابعي سواء كان صغيرا أو كبيرا فيعتبر حديثه مرسلا.
فابن عبد البر في «التمهيد» نقل عن عدد من العلماء أنهم ما كان هؤلاء يعدون إرسال صغار التابعين مرسلا، لكن الصحيح مرسل، وكذا نقل ابن حجر في «النكت على ابن الصلاح».
هذا القول الأول وهو الصحيح؛ هذا قول المحدثين ونقل عنهم عندكم ابن كثير في «اختصار علوم الحديث»، وابن الصلاح، وابن عبد البر في «التمهيد»، وابن حجر في «النكت على ابن الصلاح».
القول الثاني: هو قول غير الصحابي: «قال رسول الله».
وهذا هو المشهور عند الفقهاء والأصوليين، ويندرج فيه المنقطع وهو الذي سقط من إسناده رجل غير الصحابي، ويندرج فيه المعضل وهو الذي سقط منه اثنان فصاعدا.
وذهب إليه من أهل الحديث أبو بكر الخطيب في «الكفاية في أصول الرواية» وقطع به.
فالآن القول الثاني: هو المشهور عند الفقهاء وهذا خلاف قول أهل الحديث، وهذا المشهور عند الأصوليين الذين تكلموا في أصول الفقه؛ فعندهم هو قول غير الصحابي -شيل الصحابي والتابعي ومن بعد-.
وكذلك في الإسناد؛ المنقطع يسمونه مرسلا، والمعضل يسمونه مرسلا، وإن كان هذا يسمى مرسلا عند المتقدمين؛ هذا بالنسبة للإسناد في أثناء الإسناد.
أما في قول التابعي ما يقال إن هذا من قسم المنقطع أو من قسم المعضل؛ لأن المنقطع غير، والمعضل غير، لكن عند التفصيل أمر آخر؛ هذا نتكلم عنه في الحديث المنقطع والمعضل.
لكن هم الآن المنقطع يسمى مرسلا في أثناء الإسناد؛ يعني إذا روى تلميذ عن شيخ لم يسمع منه هذا يسمى مرسلا ويسمى منقطعا، لكنهم الآن أدرجوا الحديث المرسل الذي هو من قول التابعي عن النبي في المنقطع وفي المعضل.
وفي الحقيقة في التفصيل المرسل غير، والمنقطع غير، والمعضل غير، لكن هذا عند الفقهاء لكي يعرف طالب الحديث هذه الخلافيات؛ سوف يقرأ في كتب الفقه وينظر بمثل هذا الكلام، يقرأ في أصول الفقه -كتب أصول الفقه- وينظر بمثل هذا الكلام؛ يعرف ماذا هو المقصود من كلامهم. والقول الراجح وهذا يعني ذهب إليه أبو بكر الخطيب.
القول الثالث: هو ما رواه الرجل عمن لم يسمع منه.
وهو قول ابن القطان، ويدخل فيه قول الصحابي والتابعي إذا رواه عنهما من لم يسمعه منهما.
فهذا القول الثالث -يعني رواية الرجل الراوي عمن لم يسمع منه- هذا قول ابن القطان، ويدخل في هذا قول الصحابي والتابعي.
والصحابي ممكن أحيانا يرسل الكلام -بعد ذلك يعني هذه مسألة المرسل بنطول فيها شوي- وأخذنا عن مسألة قول الصحابي وحجية قوله وإرساله، وإرسال الصحابي مقبول وحجة، لكن التابعي لا.
فالقول الثاني فيه نظر، لكن بالنسبة للتفاصيل صحيح أن المنقطع يسمى مرسلا عند المتقدمين، كذلك المعضل وكذلك المرسل.
وهذا القول الثالث هو صحيح؛ يسمى يعني أثر أو حديث أرسله الصحابي أنه مرسل، لأن ترى أحيانا الصحابي يروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لكنه لم يسمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فمثل الآن ابن عباس -رضي الله عنه- يرسل عن الصحابة، يسمع عن ابن مسعود مثلا ويروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مباشرة، فيكون الحديث عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا يسمى مرسلا وهو حجة.
فالقول الثالث صحيح، لكن التعريف الصحيح بالنسبة للمرسل المشهور هو قول التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
لأن ابن القطان ذكر قول الصحابي والتابعي، وإليه تشير عبارة الغزالي في «المستصفى» في أصول الفقه، حيث قال: (وصورته أن يقول: قال رسول الله، من لم يعاصره، أو قال من لم يعاصر أبا هريرة: قال أبو هريرة).
وأما رواية التابعي الصغير -كيحيى بن سعيد الأنصاري والزهري- فقد ذهب أناس إلى أنها لا تكون الرواية من المرسل.
قال ابن عبد البر في «التمهيد»: (إن أقواما لا يسمونه مرسلا بل منقطعا؛ لأن جل روايتهم عن التابعين).
وقد عرفت أن المشهور هو التسوية بين الكبار والصغار من التابعين.
وأما إذا قيل في الإسناد: (فلان عن رجل)؛ فقال الجويني في «البرهان»: (هو مرسل).
فهذا كله في أثناء الإسناد، كله في أثناء؛ يتكلمون أثناء الإسناد.
وإذا نظرت في الجملة -يعني في قول عدد من العلماء عن المنقطع يسمونه مرسلا- صحيح، لكن في الاصطلاح الآن نريد نحن في المشهور عن المرسل بالنسبة عن التابعي؛ هذا يسمى مرسلا إذا قال التابعي: «قال رسول الله»، مثل قول الآن سعيد بن المسيب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فهذا مرسل.
وفي الأصل فعلا إنه منقطع، لكن ما يسمونه منقطعا هنا إلا في أثناء الإسناد؛ إذا تكلمنا عن الاصطلاحات الحديثية التفصيلية على هذا: المنقطع غير، والمرسل غير، والمعضل غير.
فلذلك هذه أقوال العلماء في المرسل هكذا؛ فكما ترى يدخل عليهم قول في قول، ويدخل عليهم مصطلح في مصطلح، لكن إذا هذبنا هذه الأقوال ظهرنا بقول واحد: أن المرسل هو الحديث الذي يرويه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الحاكم وابن القطان: لا يسمى مرسلا بل منقطعا، وقال العراقي في «التقييد والإيضاح»: (وكل من هذين القولين مخالف لما عليه أكثر المحدثين).
لأن قولهم هو الصحيح، وهم أهل الصنعة، والمرجع في علوم الحديث إلى أهل الحديث، إلى أئمة أهل الحديث، إلى علماء أهل الحديث؛ هم يعرفون كيف يقسمون هذه الأحاديث التي تروى في الكتب، فيبينون الأحاديث المرفوعة، والأحاديث الموقوفة، والأحاديث المرسلة، والأحاديث المقطوعة، والآثار وغير ذلك؛ فالمرجع إليهم.
واختار العلائي في «جامع التحصيل» أنه متصل في إسناده مجهول؛ أن الإسناد هذا متصل إلى التابعي لكن فيه مجهول بين التابعي وبين النبي صلى الله عليه وسلم.
ففي راو هنا مجهول؛ ممكن الصحابي، ممكن التابعي، فلذلك هو ممكن يكون ضعيفا، ممكن ثقة، وهكذا، ممكن صدوقا؛ فلذلك أهل الحديث ضربوا على الحديث المرسل.
وبيأتي الكلام في حجية المرسل، وكلام أهل العلم في خلق من العلماء احتجوا بالمرسل، لكن الصحيح وبيأتي تحرير قول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-؛ لأن في عدد من العلماء ينقلون عن الإمام الشافعي غلط ويقولون إنه يحتج بمراسيل كبار العلماء مثل ابن المسيب وغيره.
هو صحيح لكنه عنده ضوابط وشروط وسوف نفصل له بحثا كاملا في تحرير قوله؛ درس كامل لكي يتبين الصحيح من قول الإمام الشافعي في هذه المسألة.
وكلام أهل العلم كثير كما ترون، ولو تقرأ الكتب بترى أكثر من ذلك بس أنا هذبت لكم أقوالهم.
واختار العلائي في «جامع التحصيل» أنه متصل في إسناده مجهول، وعلى القول بأنه مرسل فإنه لا يحتج به؛ من احتج بالمرسل ما دام فيه مجهول فالصحيح أنه لا يحتج به.
وقال ابن الهمام من الحنفية في «التحرير»: (واعلم أن من المحققين من أدرج "عن الرجل" في حكمه -أي المرسل- من المقبول عند قابل المرسل، وليس كذلك)؛ يعني مجهولا فيه، فلذلك هذا المرسل لا يحتج به.
وقال السخاوي في «فتح المغيث»: «وممن أخرج المبهمات في المراسيل أبو داود صاحب السنن، وكذلك أطلق النووي في غير موضع على رواية المبهم مرسلا».
وكل من هذين القولين خلاف ما عليه الأكثرون من علماء الرواية وأرباب النقل، كما حكاه الرشيد العطار عنهم على أنه متصل في إسناده مجهول، واختار العلائي هذا القول في «جامع التحصيل».
وممن أخرج المبهمات في المراسيل وكذلك النووي في غير موضع على رواية المبهم مرسلا؛ يعني الرواية المبهمة اللي فيه مثلا عن رجل مبهم لم يسم اسمه عن فلان مرسلا؛ هذا في نظر.
المبهم غير، والمرسل غير، فلذلك تجد في كتب الفقهاء والأصوليين وأهل الحديث شيئا من ذلك؛ أنت لا بد تضبط الأمور وتعرف الحديث المرسل.
حتى الآن يعني النووي جعل المبهم -الحديث المبهم الإسناد المبهم- مرسلا؛ هو في الجملة صحيح مرسل هذا لكن في الاصطلاح -اصطلاح العلماء- غير؛ لكي نعرف المبهمات والمرسلات والمنقطعات؛ فلا بد نعرف هذه الأمور والمرفوعات والموقوفات، فلا بد طالب الحديث يعرف هذه التفاصيل.
ولذلك السخاوي بين أن ما يقال المبهم أنه مرسل.
والبيهقي في «السنن الكبرى» يسمي ما رواه التابعي عن رجل من الصحابة مرسلا، وهذا في نظر كذلك؛ فالحديث المرسل رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فالبيهقي بعد كذلك علقوا عليه وبينوا ذلك، الحافظ ابن حجر في «النكت على ابن الصلاح» يسمي ما رواه التابعي عن رجل من الصحابة مرسلا، لكن المرسل هو قول المحدثين ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن أراد الزيادة فلينظر: «النكت على ابن الصلاح» لابن حجر، و«البحر المحيط» للزركشي، و«المجموع» للنووي -في المقدمة طول في هذه المسألة-، وكذلك «إرشاد طلاب الحقائق» للنووي، و«التبصرة» للشيرازي، و«توضيح الأفكار» للصنعاني، و«قواعد التحديث» للقاسمي، وغير ذلك من كتب أهل الحديث وكتب الأصوليين أصول الفقه تكلموا على هذه المسألة.
فهذا كلام العلماء في تعريف المرسل الذي نقل عنهم الحافظ ابن كثير في «اختصار علوم الحديث»:
أقوال العلماء في حجية المرسل:
القول الأول: ذهب المالكية والحنفية وأحمد في أشهر الروايتين -وهو قول الإمام مالك والإمام أبي حنيفة كما نقل عنهم النووي في مقدمة «المجموع»، وتبعهم الآمدي في «الأحكام»- إلى قبول مرسل العدل مطلقا؛ سواء أكان من أئمة النقل أم لا، وسواء أكان في القرون الثلاثة الأولى أم بعدها.
فهذا عندنا القول الأول؛ عندهم المرسل حجة في الدين؛ يعني تحتج بمرسل سعيد بن المسيب والحسن البصري عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، مرسل محمد بن سيرين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهكذا، مرسل الزهري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهكذا.
عندهم حجة بشرط ماذا؟ إذا كان من أئمة النقل -هذا الأمر الأول- وغير أئمة النقل، وسواء كان من القرون الثلاثة أو من بعدهم؛ هذا عندهم على سبيل الإطلاق، على سبيل الإطلاق.
وهذا قول المالكية والحنفية والإمام أحمد في أشهر الروايتين، وهو قول الإمام مالك والإمام أبي حنيفة؛ فعندهم قبول مرسل العدل مطلقا؛ أن يكون عدلا، أن يكون عدلا.
والبعض قدمه على المسند؛ يعني يحتجون بالمرسل على المسند -المسند هو المتصل كما بينا-.
ومن قال بهذا كعيسى بن أبان، وهو من تلميذ الإمام محمد بن الحسن وهو من أئمة الأحناف معروف مشهور وفقيه؛ فهذا الأمر عند عيسى بن أبان كما نقل عنه ابن الهمام في «التحرير»، والسرخسي في «الأصول».
والسرخسي هذا تكلمت عن ذلك؛ هذه نسبة إلى بلد في خراسان، وأهل العلم أصحاب الأنساب -مثل السمعاني وغيره- يعني ينقلون أحيانا السرخسي وأحيانا السرخسي، ويقال عن هذه البلدة سرخس بالضم سرخس ويقال سرخس؛ وهذا فيه الأنساب، وممكن أن تقول السرخسي أو السرخسي وهكذا.
فهذا عندنا الآن القول الأول؛ عندك المالكية والحنفية ورواية الإمام أحمد وقول الإمام مالك والإمام أبي حنيفة، وتبعهم الآمدي من الأصوليين، وكذلك عيسى بن أبان قدمه على المسند.
القول الثاني: وذهب الإمام الشافعي -كما في «الرسالة»، وغير ذلك من كتبه- وأحمد في أحد قوليه والظاهرية والجمهور الأئمة من حفاظ أهل الحديث -كما قاله الخطيب، بل كلهم كما قال ابن عبد البر في «التمهيد»- ذهبوا إلى أنه غير مقبول مطلقا.
غير مقبول؛ عندك الإمام الشافعي والظاهرية كابن حزم وغيره، وجمهور من الأئمة الحفاظ -حفاظ أهل الحديث- كما نقل عنهم الخطيب، وكذلك ابن عبد البر؛ ذهبوا إلى أنه غير مقبول مطلقا.
وهذا هو الصحيح؛ غير مقبول مطلقا، وإن كان عند الإمام الشافعي بعض الشروط في قبوله لكبار التابعين لكن بشروط، ومن تكلم عنه بعد ذلك؛ يكون درس كامل عن هذه المسألة، مسألة الإمام الشافعي في قبوله لكبار التابعين، لكن أصل مذهبه عدم قبول الحديث المرسل، ولكن الإمام الشافعي يقبل مراسيل الكبار بمثل سعيد بن المسيب لأمور نتكلم عنها بعد ذلك.
القول الثالث: وذهب عيسى بن أبان إلى أن مرسل العدل في القرون الثلاثة الأولى حجة مطلقا؛ هذا مثل قول القول الأول بالنسبة عن القرون الأولى.
أما القول الأول عندهم القرون الثلاثة الأولى ومن بعدهم، وهذا عيسى بن أبان فقيه معروف من الحنفية.
وذهب عيسى بن أبان إلى أن مرسل العدل في القرون الثلاثة الأولى حجة مطلقا، وأما من بعدهم فلا يقبل إلا إذا كان من أئمة النقل، فعنده شرط أن يكون من أئمة النقل، في يعني يكون إماما في نقله للأحاديث معروفا مشهورا فيقبل، والمقصود بأئمة النقل من كانت له أهلية الجرح والتعديل.
وهذا القول الثالث وكذلك فيه نظر.
القول الرابع: وذهب أبو بكر الرازي في «المحصول» -هذا الكتاب في أصول الفقه- واختاره السرخسي في «الأصول» في أصول الفقه، إلى أن مرسل من كان من القرون الثلاثة حجة ما لم يعرف منه الرواية مطلقا عمن ليس بعدل ثقة، ومرسل من كان بعدهم لا يكون حجة إلا من اشتهر بأنه لا يروي إلا عمن هو عدل ثقة.
إذا ما ينقل عن غير عدل ثقة ما يحتج به، لكن إذا ينقل عن عدل ثقة يحتج به؛ إلى أن مرسل من كان من القرون الثلاثة حجة لكن بشرط، يعني ما يعرف أنه ينقل عن "من هب ودب" عن أي شخص، لا؛ ينقل عن ثقة عدل. وأبو بكر الرازي معروف من الأصوليين، كذلك السرخسي من الأصوليين والفقهاء.
القول الخامس: وذهب ابن الحاجب في «المختصر» في أصول الفقه -من الأصوليين الحاجب معروف وخرج كتابه الحافظ ابن حجر في «الموافقة» كتاب الموافقة تخريج هذا الكتاب- وذهب ابن الحاجب في المختصر وتبعه ابن الهمام في «التحرير» في أصول الفقه، إلى أن مرسل العدل يقبل مطلقا إن كان من أئمة النقل، سواء أكان من أهل القرون الثلاثة الأولى أم لا، وأما إذا لم يكن من أهل النقل فلا يقبل مرسله سواء من أهل القرون الثلاثة الأولى ومن بعدهم.
ونقله عنه ابن السبكي في «الإبهاج» -هذا كتاب في أصول الفقه-.
وقال السرخسي في «الأصول»: «فأما مراسيل القرن الثاني والثالث حجة في قول علمائنا -رحمهم الله-» -يعني الأحناف-.
فهذا القول كما ترون وكذلك هذا فيه نظر؛ فالصحيح أنه ما يحتج به سواء من القرون الثلاثة أو من بعدهم، فلا بد هنا من الراوي أن يسند الحديث إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ويكون متصلا على ما بينا في المتصل.
وقال السرخسي في «الأصول»: (فأما مراسيل من بعد القرون الثلاثة فقد كان أبو الحسن الكرخي لا يفرق بين مراسيل أهل الأعصار).
عند الكرخي معروف من الزهاد والوعاظ والفقهاء، فما يفرق بين مراسيل أهل الأعصار؛ يسميه أي منقطع، أي حديث منقطع مثلا مرسل، فيقول عن التابعي ومن بعد التابعي كله مراسيل.
«وكان يقول: من تقبل روايته مسندا تقبل روايته مرسلا».
ما دام الراوي يسند كذلك يرسل فحجة.
ونقل السرخسي في «الأصول»؛ عن عيسى بن أبان الحنفي: (من اشتهر في الناس يحمل العلم منه تقبل روايته مرسلا ومسندا).
هذا عيسى بن أبان؛ ما دام يحمل عنه العلم واشتهر بالعلم ويقبل المسند منه المتصل، فكذلك يقبل منه المرسل.
وهذه الأقاويل كلها مرجوحة ليست بصحيحة، لكنها كعلم لا بد يفهم طالب الحديث ويعرف أقوال أهل العلم.
ونقل ابن الهمام في «التحرير»: (وابن أبان يقبل في القرون الثلاثة وفيما بعدها إذا كان المرسل من أئمة النقل).
وقال الآمدي في «الأحكام» في أصول الفقه: (فإنه مهما كان المرسل للخبر في زماننا عدلا ولم يكذبه الحفاظ فهو حجة).
وقال الشوكاني في «إرشاد الفحول» في أصول الفقه: (محل الخلاف هو المرسل باصطلاح أهل الحديث).
واصطلاح أهل الحديث هو الصحيح؛ أن المرسل من قول التابعي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
(فمحل الخلاف هو المرسل باصطلاح أهل الحديث)؛ هكذا يقول الشوكاني، أي الذي فقد في السند الذي سقط منه الصحابي وغيره، وهو الحديث الذي يرويه التابعي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ويقول الغزالي في «المستصفى»: (المرسل مقبول عند مالك وأبي حنيفة والجماهير، ومردود عند الشافعي والقاضي أبي بكر).
فهذا الغزالي الآن ينقل؛ يعني المرسل مقبول عند الإمام مالك والإمام أبي حنيفة والجماهير كما نقل عنهم النووي في مقدمة «المجموع»، والحديث المرسل مردود عند الشافعي وغيره عند أهل الحديث. وهذا يدل على أن الشافعي ما يحتج بالمرسل إلا في أضيق الأمور، ويأتي الكلام على هذا.
وقال ابن النجار من الحنابلة في «مختصر التحرير» -هذا في أصول الفقه-: (والمرسل قول غير صحابي في كل عصر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو حجة كمرسل الصحابة، ويشمل معضلا ومنقطعا).
يعني عام مطلقا، لكن بينت لكم المعضل غير، والمنقطع غير، والمرسل غير.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج في «مقدمة صحيحه»: (أن المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة).
يعني عند أهل الحديث لا يحتج بالمرسل، ولذلك ترى الآن من المقلدة والمتمذهبة في هذا الزمان ومن المتأخرين المتحزبة يحتجون بمراسيل التابعين ويحكمون بأحكام في الصلاة وفي أحكام الطهارة وأحكام الصيام وأحكام الحج وغير ذلك، ويكون هذا الحكم غلطا بناء على أن الفقهاء احتجوا بهذا المرسل أو الأصوليين احتجوا بالمرسل؛ فيحتج هؤلاء المقلدة من المعاصرين بهذا المرسل وهو ليس بحجة، يحكمون ويفتون الناس بأحكام غلط ليست من الدين ويقولون هذه من الدين وهو ليس من الدين؛ من حديث مرسل ضعيف ما يحتج به.
فلذلك ننقل لكم كلام أهل العلم ونتكلم عن المراسيل لهذا الأمر لكي لا يحتج بالحديث المرسل في الأحكام في الأصول والفروع، وأن يقال إن هذا من الدين وهو ليس من الدين، أو هذا حكم الله وهو ليس حكم الله، وهذا حكم الرسول وهو ليس حكم الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فلينتبه طلبة العلم لهذا الأمر.
فهذا الإمام مسلم ينقل عن المرسل في أصل قولنا -يعني الإمام مسلم ما يرى المرسل حجة- وقول أهل العلم -يعني كل أهل العلم من أهل الحديث الذين عرفوا الأخبار وعرفوا الأحاديث- ليس بحجة.
يقول: فأهل الحديث لا يحتجون بالمرسل ولا يحكمون في الدين به، وبينت لكم لا يحكمون إلا بالمسند المتصل الصحيح؛ فمن حكم في الدين في الأصول والفروع بالأحاديث الصحيحة المسندة المتصلة حكم بحكم النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فلذلك على طلبة العلم أن يحكموا بكتاب الله وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبالأخبار والأحاديث والآثار الصحيحة.
وهكذا حكاه ابن عبد البر في «التمهيد» عن جماعة من أصحاب أهل الحديث، فتكلم عن المرسل ابن عبد البر في التمهيد المجلد الأول.
ومن أراد الزيادة فلينظر: «المجموع» للنووي، و«نخبة الفكر» لابن حجر، و«جامع الأصول» لابن الأثير، و«التحبير شرح التحرير» للمرداوي في أصول الفقه، و«المنهل الروي» لابن جماعة، و«فتح المغيث» للسخاوي، و«شرح علل الترمذي» الصغير لابن رجب، و«النكت» للزركشي، و«تدريب الراوي» للسيوطي، وغير ذلك من كتب أهل الحديث.
وحرر هذه المسألة النووي في كتابه «المجموع» (ج1 ص60) يقول: (الحديث المرسل لا يحتج به عندنا وعند جمهور المحدثين وجماعة من الفقهاء وجماهير أصحاب الأصول والنظر).
وحكاه الحاكم أبو عبد الله ابن البيع -هكذا بكسر الباء مشددة- عن سعيد بن المسيب ومالك وجماعة أهل الحديث وفقهاء الحجاز.
وقال أبو حنيفة ومالك في المشهور عنه وأحمد وكثيرون من الفقهاء أو أكثرهم يحتج به -يعني الإمام مالك له رواية كذا وله رواية كذا-.
يقول النووي: (ونقله الغزالي عن الجماهير كما في المستصفى).
فالآن الحديث المرسل نقل النووي لا يحتج به عند جمهور المحدثين وجمهور حتى الفقهاء بعد، في فقهاء جمهور الفقهاء وجمهور أصحاب الأصول والنظر، لكن في فقهاء كما بينت لكم يحتجون به وفي أصوليون يحتجون به، لكن فيه كذلك عدد.
وقال أبو حنيفة ومالك في المشهور عنه وأحمد وكثيرون من الفقهاء وأكثرهم يحتج به، ونقله الغزالي عن الجماهير.
وقال أبو عمر بن عبد البر وغيره: «ولا خلاف أنه لا يجوز العمل به إذا كان مرسله غير متحرز يرسل عن الثقات وغير الثقات».
أما إذا كان يرسل عن غير الثقات -الضعفاء والثقات- هذه ما تقبل. وهناك كلام له ممكن يقرأ فيه في تعليق شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله تعالى- على هذا؛ شيخنا الشيخ عثيمين يرى مرسل الصحابي حجة، أما مرسل التابعي فشيخنا ما يراه حجة في تعليقه على مقدمة «المجموع» للنووي.
وذكر هو هنا شيخنا في تعليقه على مقدمة «المجموع» يقول: (الحديث المرسل قسمان: الحديث المرسل الخاص، والحديث المرسل العام؛ أما الحديث المرسل العام فهو ما سقط منه راو فأكثر، هذا مرسل عام سواء كان من أول السند أو وسطه أو آخره، ولهذا دائما تسمع في كلام المحدثين: أرسله فلان، يعنون أحد الرواة وإن كان في وسط الإسناد).
هذا بالنسبة عن المنقطع والمعضل وإلى آخره؛ فهذا يسمى المرسل العام.
يقول شيخنا بعد ذلك في تعليقه على مقدمة «المجموع» للنووي: (أما المرسل الخاص فذكر أمرين: ما سقط منه الصحابي فهذا يسمى مرسلا وهذا مرسل الصحابي وهذا حجة).
ويقول بعد ذلك شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين: (ما رفعه التابعي فهذا عند شيخنا غير حجة لا يحتج به).
فالمرسل الخاص: مرسل الصحابي ومرسل التابعي؛ مرسل الصحابي حجة عند شيخنا، ومرسل التابعي غير حجة.
ذكر هذا في التعليق على مقدمة «المجموع» فيقول: (فنقول في تعريف المرسل الخاص: ما رفعه التابعي، أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي إلى النبي هذا هو المرسل).
وعلق صاحب «البيقونية» في القصيدة البيقونية: (ومرسل منه الصحابي سقط).
يقول: هذا في نظر؛ لأن إذا سقط الصحابي وعرفنا أنه صحابي فهذا متصل أصلا لأن رواه التابعي أو رواه الصحابي، إذا عرفنا من طريق آخر -وسيأتي الكلام على هذا- إذا عرفنا من طريق آخر أنه صحابي سقط هنا؛ لماذا؟ لأن هذا الوجه رواه تابعي عن النبي وفي رأينا وجه آخر وطرق أخرى أن بين مثلا الزهري أنس بن مالك عن النبي وبإسناده الصحيح وغير معلول وعلى الشروط -شروط صحة الحديث- فهذا يقبل.
فلذلك قول البيقوني: (ومرسل منه الصحابي سقط) غير صحيح.
ويبين بعد ذلك شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين عن مرسل التابعي: (فحينئذ يكون في قسم الضعيف لا يقبل لأنه سقط منه راو مجهول، مجهول العين ومجهول الحال لا يعلم عنه).
فإذا الآن شيخنا -رحمه الله تعالى- لا يحتج بالحديث المرسل الذي هو ما رواه التابعي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ثم يقول النووي في مقدمة «المجموع»: (ثم إن مرادنا بالمرسل هنا ما انقطع إسناده فسقط من رواته واحد فأكثر).
يقول: (وخالفنا في حده أكثر المحدثين فقالوا: هو رواية التابعي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-).
فهو كذلك يقل إن هذا قول أهل الحديث، قول المحدثين؛ وهذا من إنصاف الإمام النووي -رحمه الله تعالى- يعني نقل مذهبه وقول المذهب الشافعي ثم بين وخالفنا في حده أكثر المحدثين فقالوا هو رواية التابعي عن النبي.
وهذه اللفظة لعل الدرس القادم نعلق عليها تعليقا شغل عدل، وهو كيف شغل عدل؟ هذا الذي ينبغي قوله، وهذا يدل أن من إنصافه وأن هكذا العلماء -علماء أهل الحديث مثل النووي وغيره- ينقلون الذي لهم والذي عليهم.
أما أهل البدع والمتحزبة والمقلدة والمتمذهبة وغيرهم ما ينقلون إلا لهم؛ عليهم ما ينقلون، ولذلك الآن نأتي لهم بأقوال صحيحة عليهم، مثلا ننقل للربيعية الإجرامية عن ربيع يقول بالإرجاء ويقول بالتجهم ويقول بالخروج وسفك الدماء في ليبيا وفي غيره ثورات؛ يقول بالثورات؛ ما يأخذون إذا غيرهم سفك الدماء وقام بالثورة شنه ينقلون؟ طيب الكلام أنتم الذي تنكرونه على غيركم فيكم؟ لا ما ينقلون عن أنفسهم، وهذا يدل على أن الربيعي مبتدعه ضلال ما ينقلون إلا الذي لهم، لماذا؟ لأن أهل الأهواء والمبتدعة ما ينقلون إلا الذي لهم في الدين أما الذي عليهم ما ينقلون؛ وهذه طريقة أهل البدع قديما وحديثا كما بين شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وشيخنا الشيخ محمد بن عثيمين -رحمهم الله-، وسيأتي الكلام عليه في التعليق وسوف نتكلم بعد ذلك.
ويقول بعد ذلك النووي في مقدمة «المجموع»: (قال الشافعي: وأحتج بمرسل كبار التابعين إذا أسند من جهة أخرى، وأرسله من أخذ عن غير رجال الرجال الأول ممن يقبل عنه العلم، أو وافق قول بعض الصحابة، أو أفتى أكثر العلماء بمقتضاه).
فالآن ينقل عن الإمام الشافعي يحتج بمرسل كبار التابعين لكنه بشروط، وإلا أصل مذهب الشافعي ما يحتج بالمرسل. ولذلك ينقلون عن الإمام الشافعي كله غلط ويقولون إن من أصول مذهب الإمام الشافعي أنه يحتج بالمرسل هكذا ويقولون مثل ابن المسيب ما يفصلون ينقلون في الإجمال.
وهذا غلط ويأتي الكلام على هذا لكي نظهر جهل المقلدة في كل شيء حتى في أصول الفقه حتى في هذه الأمور، وأن هؤلاء يقلدون ينقلون، شيء غلط؛ لو أخطأ فقيه ونقل قولا أخذه المقلدة ولا يبحثون ولا يعرفون هل قول هذا العالم أو لا؟ هل من أصول هذا العالم أو لا؟ ما يعرفون ينقلون كل واحد حاطب بليل.
فيقول هنا يعلق شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين على هذا الأمر: (فالشافعي -رحمه الله تعالى- احتج بمرسل كبار التابعين، ومعلوم أن التابعين طبقات، وعلى هذا فمتوسط التابعين في العلم والرواية لا يقبل مرسله؛ الشافعي إنما يقبل المراسيل من الكبار بالشروط التي ذكرها).
هذا هو الكلام الصحيح الذي سوف نحرره -إن شاء الله- في الدروس القادمة؛ فيبين شيخنا -رحمه الله تعالى- أن الإمام الشافعي ما يحتج بمراسيل كبار التابعين، لماذا؟ لأن التابعين درجات في العلم وطبقات، ما يصير نحتج بهم هكذا، لا بد بشروط.
ولذلك الصحيح أن المرسل ما يقبل لا من الكبار ولا الصغار كما بينت لكم، وهذا قول جمهور المحدثين ونقل لكم الإمام النووي هذا الأمر وغيره كما بينا.
والإمام الشافعي يحتج بمثل من الكبار كعمرو بن حزم، وهذا الحديث مشهور في الديات وغير ذلك وفيه: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر»؛ هذا الحديث حديث أخرجه مالك في «الموطأ»، وهو حديث ضعيف مرسل لا يصح ولا يحتج به.
فالإمام الشافعي يحتج بمثل هؤلاء، لكن هذا الحديث إذا جمعت حديث عمرو بن حزم وجدت له أصولا وأحاديث موجودة في الديات وفي غيرها؛ نأخذ بالأحاديث هذه في الديات وفي غيرها فلا نحتاج إلى هذا الحديث المرسل.
ولذلك يبين شيخنا هذا الأمر في التعليق على مقدمة «المجموع» ويبين عن هؤلاء المقلدة وغيرهم يقول شيخنا: (وهذا شأن كثير من الناس أن ينظر إلى مجرد الإسناد دون النظر إلى المتن والمعنى، وهذا تقصير بلا شك أو قصور).
فلا يبحثون ولا ينظرون ولا يسألون أهل الحديث عن هذه الأسانيد والمتون، بس مجرد من ينظر للإسناد وأنهم كلهم ثقات، أو الشيخ الألباني قال إسناده صحيح، أو الهيثمي قال عنه رجاله ثقات أو رجال الصحيح، أو المنذري أو غيرهم؛ ولا يبحث هذا المقلد والحديث ضعيف ومعلول.
فلذلك يبين شيخنا -رحمه الله تعالى- عن هؤلاء المقلدة ويذمهم في التعليق على مقدمة «المجموع»: «وهذا شأن كثير من الناس» يعني المقلدة الذي يحكمون، شأنهم هكذا؛ شأنهم التقليد المذموم. وبين عن المقلدة هؤلاء المتمذهبة والمتحزبة وغيرهم موجودين الآن عندنا ويفتون الناس في كل مكان، والخطباء يقول: (وهذا تقصير بلا شك وقصور).
تقصير منهم في عدم السؤال، عدم البحث، وتقصير منهم في طلب العلم ولا يتعلمون، بس من كتاب ينقل، سماع شريط، وجريدة؛ حتى عندهم الجرائد هذه حجة مقلدة! وفي خطباء عدد منهم يقرأ من الجريدة فوق المنبر، واحد يقول دخلت أشوف جريدة ولا أشوف الخطيب؛ هل هذه الجريدة واقفة بروحها فوق المنبر والله الخطيب أوقفها؟ هل حاملها الخطيب أو هي حامله نفسها أو واقفة بـ "هكذا الجريدة على المنبر؟" وكيف يعني؟!
فلذلك هؤلاء الخطباء والمقلدة والمتحزبة وغيرهم موجودين الآن عندهم تقصير وقصور في الدين والعلم ومعرفة السنة؛ فلذلك لم يوفقوا من شيء، ولا في دعوة، ولا في خطابة، ولا في دروس، ولا في أي شيء؛ فلذلك أعرض عنهم وعليك بأهل الحديث.
يقول: «قد يكون تقصيرا وقد يكون قصورا؛ أما كونه تقصيرا فإن من الناس من يقتصر على الإسناد ولا ينظر إلى الحديث ولا للعمل به، وهذا يعتبر تقصيرا أو قصورا بحيث لا يعرف أقاويل الناس، ولأن الأمة تلقته بالقبول أو رفضته، وهذا يعتبر قصورا؛ فلا بد النظر إلى كل هذه الأشياء، فالنظر إلى الإسناد والنظر إلى المتن وقبوله وعدم قبوله».
فكل أهل العلم والفقهاء تكلموا عن هذه الأشياء وفي رفض هذا الحديث وقبول هذا الحديث، فهذا يعتبر قصورا فلا يبحثون ولا ينظرون في الإسناد وفي متنه وفي قبوله وفي رفضه وإلى آخره.
ونقل الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في التعليق على مقدمة «المجموع»: وقد قال الشافعي في «مختصر المزني» في آخر باب الربا: (أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع اللحم بالحيوان).
وهذا الحديث أخرجه الإمام مالك في «الموطأ»؛ فالشافعي يحتج بمثل هذه المراسيل، بمثل هذه المراسيل؛ هذا مذهب الإمام الشافعي يعني يحتج بالمراسيل لكبار التابعين في أضيق الأمور، أما هؤلاء الذي يطلقون عنه فكلامهم كله في نظر أصلا. فلذلك لا بد نعرف هذا الأمر.
ولذلك يقول النووي في مقدمة «المجموع»: (قال الشافعي: وإرسال ابن المسيب عندنا حسن).
هذا نص الشافعي في «المختصر للمزني» (ج8 ص176)، وكذلك تكلم على هذا الأمر الخطيب البغدادي في كتابه «الفقيه والمتفقه»، وكذلك في «الكفاية»؛ كما نقلنا لكم.
ولعل نكمل في مسألة نتكلم عن مذهب الإمام الشافعي بالتفصيل لكي نعرف قول الإمام الشافعي ونحرر هذا القول، لكن أصل مذهب الشافعي لا يحتج بالحديث المرسل، وجمهور المحدثين والإمام مالك والإمام أحمد وغيرهم من العلماء لا يحتجون بالحديث المرسل، وهذا هو القول الصحيح.
ولعل نكمل الدرس القادم.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.