الرئيسية / شرح اختصار علوم الحديث (تفريغ) / الجزء (59) اختصار علوم الحديث: الحديث المرسل (تفريغ)
2026-10-27
الجزء (59) اختصار علوم الحديث: الحديث المرسل (تفريغ)
المتن:
النوع التاسع: المرسل. قال ابن الصلاح: وصورته التي لا خلاف فيها حديث التابعي الكبير الذي قد أدرك جماعة من الصحابة وجالسهم، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، ثم سعيد بن المسيب وأمثالهما، إذا قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك. وحكى ابن عبد البر عن بعضهم أنه لا يعد إرسال صغار التابعين مرسلا. ثم إن الحاكم يخص المرسل بالتابعين، والجمهور من الفقهاء والأصوليين يعممون التابعين وغيرهم.
الشرح:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وفي الدرس الذي سلف انتهينا من النوع الثاني وهو المقطوع، وبينا ذلك جملة وتفصيلا، وسوف ندخل في النوع التاسع وهو المرسل.
وبين الإمام ابن الصلاح في «معرفة أنواع علم الحديث» صورة الحديث المرسل، وهذه الصورة لم يختلف فيها العلماء في حديث التابعي الكبير الذي قد أدرك جماعة من الصحابة وجالسهم ويقول: «قال رسول الله»، فهذا اتفق عليه العلماء أنه مرسل؛ أي حديث مرسل.
والحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- بين في هذه المسألة أن المشهور التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك؛ يعني التابعي الكبير إذا قال: «قال رسول الله» فهذا حديثه مرسل، وإذا قال التابعي الصغير كالزهري مثلا: «قال رسول الله» فهذا حديث مرسل.
ويأتي الكلام على هذه الأمور، وكلام العلماء كثير من أهل الحديث، ومن أصول الفقه، ومن الفقهاء، وسوف نهذب كل كلامهم ونبين الصحيح في أحكام المرسل.
وقبل أن ندخل في هذه الأحكام لعل نتكلم عن مقدمة في المرسل.
فالمرسل في اللغة: هو اسم مفعول من أرسل بمعنى أطلق، فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف.
فهذا المرسل في لغة العرب هو اسم مفعول من أرسل بمعنى أطلق، فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف.
وهذا التابعي يقول: «قال رسول الله»، فأطلق الإسناد ولم يقيد هذا الإسناد براو معروف؛ لأن التابعي الكبير والصغير لم يدرك النبي -صلى الله عليه وسلم- فأطلق الإسناد ولم يقيده بأحد.
والمرسل في الاصطلاح هو ما سقط من آخر إسناده من جهة التابعي.
هو ما سقط من آخر إسناده من جهة التابعي؛ فعند التابعي هنا في سقط ممكن أن يكون الصحابي، ممكن أن يكون تابعي، وممكن أن يكون تابعي ثقة، وممكن أن يكون تابعي ضعيف، وممكن أن يكون تابعي مجهول، وهكذا.
فلذلك التابعي هنا أسقط راويا وأسند الأمر إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وبينا من قبل أن قول التابعي: «قال رسول الله» مسند؛ يعني مرفوع، يعني مرفوع.
وصورة الحديث المرسل أن يقول التابعي -سواء كان صغيرا أو كبيرا-: «قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا»، أو «فعل كذا»، أو «فعل بحضرته كذا».
وهذه صورة المرسل عند أئمة أهل الحديث؛ فيذكر التابعي أحيانا «قال رسول الله»، وأحيانا «فعل رسول الله»، وأحيانا «فعل بحضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- كذا»، هذا كله مرسل عند أهل الحديث.
وبيأتي الكلام، أقوال الفقهاء، أقوال الأصوليين، ونهذب هذا الأمر، لكن هذا هو الآن الصحيح، وإلا لو تقرأ المرسل في أصول الفقه وعند الفقهاء لرأيت أمورا أخرى.
ومثال الحديث المرسل ما أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب البيوع: قال حدثني محمد بن رافع، قال حدثنا حجين، قال حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب؛ «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن المزابنة».
فسعيد بن المسيب تابعي كبير، روى هذا الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بدون أن يذكر الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد أسقط من إسناد هذا الحديث آخره، وهو من بعد التابعي، وأقل هذا السقط أن يكون قد سقط الصحابي، ويحتمل أن يكون قد أسقط معه غيره كـتابعي مثلا.
والتابعي هو من لقي الصحابي مسلما ومات على الإسلام، فلا بد من هذين الشرطين لكي يكون تابعيا.
ويقول العلائي -رحمه الله تعالى- في «جامع التحصيل»: (المرسل أصله من قولهم: أرسلت كذا إذا أطلقته ولم تمنعه).
هذا المرسل في اللغة؛ من قولهم أرسلت كذا إذا أطلقته ولم تمنعه، كما في قوله تعالى: ﴿ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا﴾ [مريم: ٨٣].
فكان المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف؛ فأصل الإرسال الإطلاق.
ولذلك يقول الحافظ العلائي: (كأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف).
كما بينا؛ ممكن يكون صحابي، وممكن أن يكون تابعي، وممكن أن يكون الراوي ثقة، وممكن أن يكون الراوي ضعيف، فغير معروف، فلذلك سمي حديثا مرسلا.
ثم يقول الحافظ العلائي: (ويحتمل أن يكون من قولهم: جاء القوم أرسالا، أي قطعا متفرقين).
فكان تصور من هذا اللفظ الاقتطاع، فقيل للحديث الذي قطع إسناده وبقي غير متصل مرسل؛ أي كل طائفة منهم لم تلق الأخرى ولا لحقتها.
ويحتمل أن يكون أصله من الاسترسال؛ وهو الطمأنينة إلى الإنسان والثقة به فيما يحدثه، فكأن المرسل للحديث اطمأن إلى من أرسل عنه ووثق به لمن يوصله إليه، وهذا اللائق بقول المحتج بالمرسل.
ويجوز أيضا أن يكون المرسل من قولهم: ناقة مرسال؛ أي سريعة السير، فكأن المرسل للحديث أسرع فيه عجلا فحذف بعض إسناده، والكل محتمل.
والصحيح من هذا؛ هذا كله في لغة العرب وكيف أخذ هكذا، فالأصل بهذا أن أصل الإرسال في لغة العرب الإطلاق.
وهنا في قول الإمام ابن الصلاح هو قول التابعي الكبير، يقول الحافظ ابن حجر في «النكت على ابن الصلاح»: (لم أر تقييده بالكبير صريحا عن أحد، لكن نقله ابن عبد البر عن قول بخلاف ما يوهمه كلام المصنف)، يعني ابن الصلاح.
فالآن عندنا تقييد المرسل بالتابعي الكبير ليس بصحيح، ولذلك يبين هذا ابن حجر: (لم أر تقييده بالكبير صريحا عن أحد).
فالأصل في هذا أن الحديث المرسل يكون من الكبير -يعني التابعي الكبير- ومن التابعي الصغير.
ولذلك هنا يقول ابن جماعة في «المنهل الروي»: (وأما قول من دون التابعي: قال رسول الله؛ فقد قال أهل الفقه والأصول: يسمى مرسلا، سواء كان منقطعا أو معضلا).
وبهذا قطع الخطيب، ثم قال في «الكفاية»: (إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال رواية التابعي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-).
ولذلك يقول ابن جماعة: وقال الحاكم -الحاكم في كتابه «معرفة علوم الحديث»- وغيره من أهل الحديث لا يسمى مرسلا؛ يعني ما دون التابعي يكون في أثناء مثلا، ويعنون به المرسل الأصل حديث التابعي.
يقول: وخصوا المرسل بالتابعي؛ هذا الذي ذكره الحاكم في «معرفة علوم الحديث».
فالآن عندنا أن الصحيح أن الحديث المرسل هو قول التابعي الكبير أو التابعي الصغير: «قال رسول الله».
«قال رسول الله كذا»، أو «فعل رسول الله»، أو «فعل بحضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- كذا»، هذا كله مرسل.
وقول الخطيب في «الكفاية»: (أن أكثر ما يوصف بالإرسال رواية التابعي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-)؛ يعني الكبير أو الصغير.
وهذا الذي عليه جمهور المحدثين؛ قول جمهور المحدثين أن قول التابعي الكبير: «قال رسول الله» هذا مرسل، وقول التابعي الصغير: «قال رسول الله» فهذا مرسل، فهذا قول جمهور العلماء هو الصحيح.
أما تقييد الإمام ابن الصلاح على أن التابعي الكبير فهذا ليس بصحيح؛ لأن التابعي الكبير يطلق عليه تابعيا، والتابعي الصغير يطلق عليه تابعيا.
فالتابعي الكبير مثل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وغير ذلك من التابعين الكبار، والتابعي الصغير مثل الزهري، تابعي صغير لكن إذا قال الزهري: «قال رسول الله» فهذا مرسل.
ويقول الحافظ ابن حجر في «نزهة النظر» في الحديث المرسل في صورته: (أن يقول التابعي -سواء كان كبيرا أم صغيرا-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا، أو فعل كذا، أو فعل بحضرته كذا أو نحو ذلك).
فيبين الحافظ ابن حجر أن التابعي الصغير إذا قال: «قال رسول الله» فهذا مرسل، فالتقييد على أن التابعي الكبير ليس بصحيح.
وبعد ذلك سوف نتكلم عن المرسل الخفي الذي يكون في أثناء السند، والكلام عليه في ماذا؟ في النوع العاشر؛ النوع العاشر في المنقطع، وهناك نتكلم عن المرسل الخفي الذي يكون في أثناء السند من الرواة.
أما هذا الآن الحديث المرسل نتكلم عنه عن قول التابعي؛ لأن أئمة الحديث قسموا الحديث على أنه حديث مرفوع -وأخذناه وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم-، والحديث الموقوف وهو قول الصحابي، والحديث المرسل وهو قول التابعي.
لكي إذا اطلعت على كتب أهل الحديث ورأيت: هذا حديث مرفوع، وهذا حديث موقوف، وهذا حديث مرسل؛ تعرف أن هذا المرفوع قول النبي، والموقوف قول الصحابي، والمرسل قول التابعي.
وبين كذلك شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين في «شرح نزهة النظر» أن المرسل ما رفعه التابعي.
وذكر أو الصحابي؛ يعني مرسل الصحابي، وبيأتي الكلام على مرسل الصحابي.
الصحابي أحيانا لم يسمع الحديث من النبي -صلى الله عليه وسلم- فهذا يسمى مرسل، لكن مرسل صحابي، وهذا لا يضر؛ لأن الصحابي هذا نقل عمن؟ عن صحابي عن صحابي، والصحابة كلهم عدول.
فمثلا عندنا ابن عباس -رضي الله عنه- أرسل عن الصحابة وروى مباشرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبيأتي الكلام بعد ذلك في مرسل الصحابي.
الآن نتكلم نحن عن مرسل التابعي؛ فمرسل التابعي هو الذي يرفع الحديث إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم يقول الحافظ ابن حجر في «نزهة النظر»: (وإنما ذكر في قسم المردود -يعني الحديث المرسل- للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون صحابيا، ويحتمل أن يكون تابعيا، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر).
فلذلك رد المرسل وهو الصحيح؛ يرد الحديث المرسل مطلقا، ولا يؤخذ بأي مرسل، لا مرسل سعيد بن المسيب ولا غيره.
ويأتي الكلام لماذا؟ لأن أصلا لم يدرك النبي -صلى الله عليه وسلم- فكيف نقول إن مراسيل التابعين الكبار نقبلهم؟ وعندنا أن المحذوف ممكن أن يكون تابعي، وممكن أن يكون تابعي ضعيف أو ثقة ما ندري؛ فلذلك يرد الحديث المرسل مطلقا.
يقبل في الشواهد؛ هذا أمر آخر بيأتي بعد ذلك، الآن نؤصل الحديث المرسل عن التابعين.
ولذلك من أراد الزيادة في هذا فينتقل إلى هذه المراجع، ويتعلم طالب الحديث على المراجع ويعرف مراجع مصطلح الحديث وأنواع الحديث وأقسام الحديث.
هذا الآن عندنا مقدمة في الحديث المرسل، ولعل الدرس القادم نكمل.
فانظر: «معرفة علوم الحديث» للحاكم، و«الكفاية» للخطيب، و«شرح علل الترمذي» لابن رجب، و«النكت» للزركشي، و«التقييد والإيضاح» للعراقي، و«الشذا الفياح» للأبناسي، و«النكت على ابن الصلاح» لابن حجر، و«فتح المغيث» للسخاوي، و«تدريب الراوي» للسيوطي، و«التمهيد» لابن عبد البر، و«جامع الأصول» لابن الأثير، و«إرشاد طلاب الحقائق» للنووي، و«المجموع شرح المهذب» -هذه المقدمة فيها أشياء كثيرة وفوائد وشرحها شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين-، و«المنهل الروي» لابن جماعة، و«جامع تحصيل» للعلائي، و«الموقظة» للذهبي، و«نزهة النظر» لابن حجر، و«قواعد التحديث» للقاسمي، و«توضيح الأفكار» للصنعاني.
وفي أي سؤال في شيء في أسئلة في مصطلح الحديث؟
يعني خلاص فهمت؟
سؤال: ...
الجواب: هذا سؤال بالنسبة من أكره على الذبح لغير الله مثلا لقبر لأي شيء؛ فهذا بلا شك أنه ما يأثم ما دام مكرها في أي شيء، فما يؤثم على هذا لأنه مكره غير مؤاخذ.
ولذلك بين شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وشيخنا الشيخ ابن عثيمين وخلق من الأئمة هذا الأمر في مسألة الإكراه، حتى لو تلفظ كلمة الكفر؛ يعني أكره على هذا أن يكفر يتلفظ، لكن بشرط أن يكون قلبه مطمئنا بالإيمان، هذا الأمر لا بد منه.
ولا يأتي في قلبه الموافقة لهم؛ فهذا حال المنافقين، فلا بد أن يكون قلب هذا المكره -أكره على الذبح لغير الله أو الكفر أو ما شابه ذلك- فهذا الأمر لا بد أن يكون قلبه مطمئنا بالإيمان، مطمئنا بالإيمان.
والإكراه أو الذي أكره غير مؤاخذ ولا يأثم على أي شيء.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.