الرئيسية / سلسلة النصيحة الذهبية للعودة إلى السلفية / إقامة المحجة على من لم يفهم الحجة
2026-08-26
إقامة المحجة على من لم يفهم الحجة
إقامة المحجة
على
من لم يفهم الحجة
حوار مع
يحيى الحجوري المرجئ
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين،
والعاقبة للمتقين
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد،
* لقد أنزل الله تعالى الكتاب تبيانا لكل شيء.
قال تعالى: ]ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء[ [النحل:89].
* كما أن هذا الكتاب واضح في نفسه وبين.
قال تعالى: ]آلر تلك آيات الكتاب المبين [ [يوسف:1].
*وهو ميسر لمن أراد تعلمه، والاستفادة من هديه.
قال تعالى: ]ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر[ [القمر:17].
* فكلام الله تعالى يفهمه من سمعه، لأنه ميسر، وكذلك كلام الرسول r، لأنه مفسر.
* غير أن هذه المسألة تتفاوت من عبد إلى آخر، إذا كانت على التفصيل، أما على الإجمال، فهذه الشريعة يفهمها كل أحد ابتداء، فإن الفهم لا يفوت جميعهم، لأن قدرات المكلفين تتفاوت في التفصيل في الأحكام في الفروع، والأصول.
* فمن منطلق وضوح «الرسالة» في نفسها، ثم توضيح الرسول r لها أحسن توضيح، اعتبر أهل العلم أن بلوغ الحجة كاف في قيامها على العباد.
* فلم يشترطوا فهم الخطاب التفصيلي، بل يكفي فهم الخطاب الإجمالي في إقامة الحجة على العباد.
ولذلك قالوا: إن كل من بلغه القرآن، وخبر الرسول r، قد قامت عليه الحجة، ولا داعي لبحث هل فهم مراد الخطاب، أم لم يفهمه، لأن الشريعة بينة لكل أحد، إذا بلغته؛ بأي وسيلة كانت. ([1])
* ولهذا: كان التكليف؛ بما يطاق من أهم مميزات ديننا الحنيف، فلو كان خطاب الله تعالى غير مفهوم لدى الناس، وهم أمروا بالعمل بمقتضاه، لكان ذلك تكليفا بما لا يطاق، وهذا ممتنع في دين الله تعالى.
* فجاء الرسول r: بالبينات، وجوامع الكلم.
قال تعالى: ]ولقد أنزلنا إليك آيات بينات[ [البقرة:99].
وقال تعالى: ]شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان[ [البقرة:185].
* والبيان: ما بين به الشيء من الدلالة، وبان الشيء بيانا: اتضح، فهو بين، واستبان الشيء: ظهر.
والتبين: الإيضاح، والتبيين: الوضوح، والبيان: إظهار المقصود، بأبلغ لفظ. ([2])
قال الإمام الطبري / في «جامع البيان» (ج17 ص128)، و(ج18 ص134)؛ عن تفسير الآيات: (البينات؛ أي: دلالات واضحات... ومبينات؛ أي: صارت مبينة، بنفسها الحق). اهـ
* والله تعالى أرسل رسوله r؛ ليعلم الناس: الكتاب والسنة.
قال تعالى: ]وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم[ [النحل:44].
وقال تعالى: ]ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين[ [النور:34].
* وأدى الرسول r هذه الأمانة، فبين الذكر، الذي أنزل عليه، وبلغه بلاغا مبينا، فعرف أصحابه y: الحق، والعلم، والهدى. ([3])
* فكان r أعلم الخلق بالحق، وكان أفصحهم لسانا، وأقواهم بيانا، وأحرصهم على هداية العباد، وهذا يوجب أن يكون بيانه أكمل من بيان كل الخلق. ([4])
* وهذه المسألة: تحتاج إلى تفصيل عن طريق أهل السنة والجماعة، حتى تتبين على وجهها الصحيح، ولا ينسب لأحد من أهل العلم: ما لم يقله، أو لم يرده، أو أخطأ فيه.
* وأشهر من تكلم في مسألة بلوغ الحجة على المعين، وغيره في هذا الزمان، وأنه كاف في إصدار الحكم على المخالف بحسبه، سواء فهم ([5])، أم لم يفهم. ([6])
فأشهر من تكلم في ذلك هو العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأحفاده، وتلاميذه رحمهم الله؛ وهم أئمة الدعوة النجدية رحمهم الله؛ في بلد الحرمين.
* وإليك الدليل:
قال العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب / في «الرسائل الشخصية» (ج7 ص244): (وأما أصول الدين التي أوضحها الله تعالى، وأحكمها في كتابه؛ فإن حجة الله تعالى هي القرآن، فمن بلغه القرآن، فقد بلغته الحجة.
* ولكن أصل الإشكال؛ أنكم لم تفرقوا: بين قيام الحجة، وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار، والمنافقين من المسلمين، لم يفهموا: حجة الله تعالى عليهم، مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: ]أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا[ [الفرقان:44].
* وقيام الحجة: نوع، وبلوغها نوع، فإن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قوله r: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم»([7])، وقوله r: «شر قتلى تحت أديم السماء»([8])، مع كونهم في عصر الصحابة y، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم، ومع إجماع الناس، أن الذي أخرجهم من الدين، هو التشديد، والغلو، والاجتهاد، وهم يظنون أنهم يطيعون الله تعالى، وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها -يعني: على التفصيل-.
* وكذلك قتل علي t، الذين اعتقدوا فيه، وتحريقهم بالنار، مع كونهم: تلاميذ الصحابة y، مع مبادئهم، وصلاتهم، وصيامهم، وهم يظنون أنهم على حق.
* وكذلك: إجماع السلف على تكفير غلاة القدرية، وغيرهم، مع علمهم، وشدة عبادتهم، وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم؛ لأجل كونهم، لم يفهموا).اهـ
وقال العلامة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ / في «حكم تكفير المعين، والفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة» (ص9): (قامت على الناس الحجة بالرسول r، وبالقرآن... فكل من سمع الرسول r، وبلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة). اهـ
* وسئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: هل يعذر الإنسان بجهله؟ مثلا: رجل زار قبور الأولياء بنية التبرك بهم، مع أنه لا يعلم أن ذلك الفعل من الشرك الأكبر، مع بيان وتوضيح الأدلة من الكتاب والسنة، جزاكم الله خيرا.
فأجاب فضيلته: (أمور العقيدة التي تتعلق بالتوحيد والشرك لا يعذر فيها بالجهل: وهو بين المسلمين، ويسمع القرآن والأحاديث، ويستطيع أن يسأل، ما يعذر بدعوة القبور، والاستغاثة بالأموات وأشباه ذلك، بل يجب عليه أن يتعلم، وأن يتفقه، وليس له أن يتساهل في هذا الأمر. وقد سأل النبي r ربه أن يستغفر لأمه، وهي ماتت في الجاهلية، فلم يؤذن له، وقال: «إن أبي وأباك في النار»([9]) لما سأله رجل عن أبيه، قال: «إن أبي وأباك في النار»([10])، وقد مات في الجاهلية. قال جمع من أهل العلم: إنما ذلك لأنهما ماتا على علم بشريعة إبراهيم عليه السلام، وشريعة إبراهيم النهي عن الشرك، فلعل أمه بلغها ذلك، فلهذا نهي عن الاستغفار لها، ولعل أباه بلغه ذلك، فلهذا قال: «إن أبي وأباك في النار»([11])، فإذا كان أبوه r، وأمه لم يعذرا وهما في حال الجاهلية، فكيف بالذي بين المسلمين، وعنده العلماء، ويسمع القرآن، ويسمع الأحاديث.
فالحاصل: أن هؤلاء الذين يعكفون على القبور، ويستغيثون بالأموات غير معذورين، بل يجب عليهم أن يتفقهوا في الدين، وأن يسألوا أهل العلم، وألا يبقوا على حالهم السيئة. والآيات تعمهم والأحاديث) ([12]).اهـ
* وفي حكم العذر بالجهل في اقتراف المعاصي: سئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: هل يعذر الشخص بالجهل إذا فعل فعلا مكفرا، وهو كبيرة من الكبائر بل من أكبرها؟ وجهونا حول هذا الموضوع، وكيف نقارن بين هذا، وبين قوله تعالى: ]إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء[ [النساء: 48].
فأجاب فضيلته: (لا يعذر في اقتراف المعاصي وهو بين المسلمين، في إمكانه أن يسأل أهل العلم ويتبصر، لا يعذر بالتساهل، وعليه أن يتوب إلى الله تعالى من ذلك، ويبادر بالتوبة من المعصية، والمعصية تختلف إن كانت كفرا؛ كدعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات، أو سب الدين، أو ترك الصلاة، هذا عليه التوبة إلى الله جل وعلا منها، والمبادرة بالتوبة، والله تعالى يتوب على التائبين. أما إن كانت معصية ليست كفرا، مثل التدخين، وشرب المسكر، وأكل الربا، هذه معاص، فالواجب عليه البدار بالتوبة، والاستغفار، والندم، والإقلاع، والعزم ألا يعود في ذلك، وإن مات عليها فهو تحت المشيئة، مثلما قال سبحانه وتعالى: ]إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء[ [النساء: 48]؛ إذا مات على المعصية، مات وهو يأكل الربا، أو مات وهو يشرب الخمر، لكنه مسلم يصلي، مسلم، هذا تحت مشيئة الله تعالى، أو مات وهو عاق لوالديه، أو مات وهو قد زنا، أو ما أشبه ذلك، تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء الله سبحانه غفر له، وإن شاء عذبه على قدر المعصية التي مات عليها، إذا كان غير تائب، ما تاب، أما إذا كان تائبا، فالتوبة تجب ما قبلها - والحمد لله - التائب لا ذنب له، أما لو مات على الزنى ما تاب، أو على العقوق وما تاب، أو على شرب مسكر ما تاب، أو نحو ذلك، فهذا تحت مشيئة الله، إن شاء الله جل وعلا غفر له، فضلا منه، وإحسانا منه، جل وعلا، وإن شاء عذبه على قدر المعصية التي مات عليها؛ وبعد التعذيب والتطهير يخرجه الله من النار إلى الجنة، إذا كان مات مسلما موحدا، لا يخلد في النار إلا الكفار، لكن هذا الذي دخل النار بمعصيته إذا عذب التعذيب الذي أراده الله، يخرجه الله من النار إلى الجنة بتوحيده، وإيمانه الذي مات عليه، لا يخلد في النار إلا الكفرة؛ هذا والله أعلم) ([13]).اهـ
وقال العلامة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ / في «حكم تكفير المعين، والفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة» (ص23): (الحجة بالقرآن على من بلغه، وسمعه، ولو لم يفهمه). اهـ؛ يعني: على التفصيل. ([14])
وقال العلامة الشيخ حمد بن معمر التميمي / في «النبذة الشريفة» (ص115): (إن الله تعالى: أرسل الرسل عليهم السلام، مبشرين، ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله تعالى حجة، بعد الرسل عليهم السلام.
* فكل من بلغه القرآن، ودعوة الرسول r، فقد قامت عليه الحجة.
فقال تعالى: ]لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19].
وقال تعالى: ]وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا[ [الإسراء:15].
* وقد أجمع العلماء: على أن من بلغته دعوة الرسول r، أن حجة الله تعالى قائمة عليه.
* فكل من بلغه القرآن، فليس بمعذور، فإن الأصول الكبار، التي هي: أصل دين الإسلام، قد بينها الله تعالى في كتابه، ووضحها، وأقام بها الحجة على عباده.
* وليس المراد: بقيام الحجة، أن يفهمها الإنسان فهما جليا؛ كما يفهمها من هداه الله تعالى ووفقه، وانقاد لأمره.
* فإن الكفار: قد قامت عليهم حجة الله تعالى مع إخباره، بأنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوا كلامه.
* فهذا: بينته لك أن بلوغ الحجة: نوع، وفهمها: نوع آخر).اهـ
قلت: وهذا يدل أن الفهم التفصيلي لا يشترط مطلقا، لقيام الحجة، بل يشترط فقط، الفهم الإجمالي، وذلك لوضوح القرآن؛ لأنه كلام الله تعالى، وبخاصة: في أمر توحيد الله تعالى في المعرفة والإثبات، وأصول الاعتقاد، والطاعة والاتباع، والنهي عن الشرك بالله تعالى، والإيمان بالرسول r، وطاعته، وكذا الإيمان بحياة البرزخ، والإيمان باليوم الآخر.
وسئل العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: نود من فضيلتكم توجيه أبنائكم الطلاب حول الجدل الحاصل بين طلبة العلم؛ حول مسألة العذر بالجهل.
فأجاب فضيلته: (اليوم ما فيه جهل ولله الحمد، تعلم الناس، أنتم تقولون الناس مثقفون وتعلموا، والناس، والناس... فما فيه جهل الآن، الكتاب يتلى على مسامع الناس في المشارق والمغارب، وتبثه وسائل الإعلام، القرآن تقوم به الحجة: ]وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام: 19]؛ هل ما بلغ القرآن؟! والله إنه بلغ المشارق والمغارب، ودخل البيوت، ودخل في الكهوف، وفي كل مكان، فقامت الحجة ولله الحمد، لكن من أعرض عنها فهذا لا حيلة له، أما من أقبل عليها، ولما سمع القرآن تمسك به، وطلب تفسيره الصحيح، وأدلته، وتمسك بها، فهذا ما يبقى على الجهل والحمد لله، مسألة العذر بالجهل هذه إنما جاءت من المرجئة؛ الذين يقولون: إن العمل ليس من الإيمان، لو الإنسان ما عمل، هو مؤمن، هذا مذهب باطل؛ الحجة قائمة ببعثة الرسول r: ]رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل[ [النساء:165]؛ القرآن: ]وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19]؛ فالرسول: جاء الرسول، والقرآن: موجود، وباق، ونسمعه، ونقرأه، فما للجهل مكان إلا لإنسان ما يريد العلم، معرض، فالمعرض لا حيلة فيه، أما من أحب العلم، وأقبل عليه فسيجد إن شاء الله العلم الصحيح، نعم) ([15]).اهـ
وسئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: لو قال لا بد أن تتوفر شروط فيمن أريد تكفيره بعينه، وتنتفي الموانع؟
فأجاب فضيلته: (مثل هذه الأمور الظاهرة، ما يحتاج فيها شيء، يكفر بمجرد وجودها، لأن وجودها لا يخفى على المسلمين، معلوم بالضرورة من الدين، بخلاف الذي قد يخفى؛ مثل: شرط من شروط الصلاة، بعض الأموال التي تجب فيها الزكاة، تجب أو لا تجب، بعض شؤون الحج، بعض شؤون الصيام، بعض شؤون المعاملات، بعض مسائل الربا) ([16]).اهـ
وسئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: بعض الناس يقول: المعين لا يكفر؟
فأجاب فضيلته: (هذا من الجهل، إذا أتى بمكفر: يكفر) ([17]).اهـ
وسئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: يا شيخ، جملة من المعاصرين ذكروا أن الكافر: من قال الكفر، أو عمل بالكفر، فلا يكفر حتى تقام عليه الحجة، وأدرجوا: عباد القبور في هذا؟
فأجاب فضيلته: (هذا من جهلهم، عباد القبور كفار، واليهود كفار، والنصارى كفار، ولكن عند القتل يستتابون، فإن تابوا؛ وإلا قتلوا) ([18]).اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد الله البابطين / في «الرسائل النجدية» (ج5 ص519): (التكفير، والقتل: ليسا موقوفين على فهم([19]) الحجة مطلقا، بل على بلوغها، ففهمها شيء، وبلوغها شيء آخر.
* فلو كان هذا الحكم موقوفا على فهم الحجة، فلم نكفر، ونقتل، إلا من علمنا أنه: معاند خاصة، وهذا بين البطلان). اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد الله البابطين / في «الرسائل النجدية» (ج5 ص10): (فمن بلغته رسالة محمد r، وبلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة، فلا يعذر في عدم: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل.
* وقد أخبر الله تعالى، بجهل كثير من الكفار، مع تصريحه بكفرهم... لا عذر لمن كان حاله هكذا، بكونه: لم يفهم حجج الله تعالى وبيناته؛ لأنه لا عذر له بعد بلوغها له، وإن لم يفهمها.
* وقد أخبر الله تعالى، عن الكفار: أنهم لم يفهموا، فقال تعالى: ]وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا[ [الأنعام: 25]؛ فبين تعالى؛ أنهم: لم يفهموا، فلم يعذرهم، لكونهم: لم يفهموا).اهـ
قلت: فإذا ثبت ذلك في العبد، فليس أن يبحث، هل فهم المخاطب، أو لم يفهم، فمن كان صادقا، فإنه يوفق لفهم خطاب الله تعالى، ومن كان غير ذلك، فإنه يعمى عليه، ولا تكون له حجة في ذلك.
* فأهل العلم: لم يتنازعوا في كون فهم الخطاب في الجملة؛ من المكلف شرطا، في قيام الحجة عليه، يعني: المكلف العاقل الذي يدرك الخطاب ابتداء.
سئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: عن مسألة قيام الحجة؟
فأجاب فضيلته: (بلغهم القرآن، هذا بلاغ للناس، القرآن بلغهم، وبين المسلمين: ]وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19]، ]هذا بلاغ للناس[ [إبراهيم:52]، ]ياأيها الرسول بلغ[ [المائدة:67].
* قد بلغ الرسول، وجاء القرآن، وهم بين أيدينا يسمعونه في الإذاعات، ويسمعون في غيرها، ولا يبالون، ولا يلتفتون، وإذا جاء أحد ينذرهم ينهاهم آذوه، نسأل الله العافية) ([20]).اهـ
وسئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: الاختلاف في مسألة العذر بالجهل من المسائل الخلافية؟
فأجاب فضيلته: (مسألة عظيمة، والأصل فيها أنه لا يعذر من كان بين المسلمين، من بلغه القرآن والسنة، ما يعذر.
* الله جل وعلا قال: ]هذا بلاغ للناس[ [إبراهيم:52]، ]وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19]، من بلغه القرآن والسنة غير معذور، إنما أوتي من تساهله، وعدم مبالاته) ([21]).اهـ
قلت: فمن جهل الأحكام في مباني الإسلام، وهي: «الصلاة»، و«الزكاة»، و«الصيام»، و«الحج»، فتركها هذا الجاهل، يكفر بمجرد ذلك.
ولا يعذر بجهله، خاصة في زماننا هذا([22])، الذي استفاض فيه علم الشرع، وانتشر بين العامة والخاصة، وعرف هذا العلم، الخاص، والعام، واشترك فيه: العالم، والجاهل، فلا عذر لأحد، بتأويل: يتأوله بالباطل في الأصول والفروع في الدين.
* إن المعلوم من الدين بالضرورة قد اشترك فيه أفراد الأمة، علماء، وطلبة، وعامة([23])، فلا عذر لأحد في المعلوم من الدين بالضرورة.
وعليه؛ فإن إطلاق القول بأن المعلوم من الدين بالضرورة، أمر قد قامت به الحجة على جميع الناس، فلا يسعهم جهله، ومن ثمة مخالفته.
قال العلامة ابن أبي العز الحنفي / في «شرح العقيدة الطحاوية» (ص70): (فلا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول r، إيمانا عاما مجملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول r على التفصيل، فرض على الكفاية، فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله تعالى به رسوله r، وداخل في تدبر القرآن، وعقله، وفهمه). اهـ
* والمشركون: الذين عاصروا؛ نزول الوحي على رسول الله r؛ فهموا([24]): مدلول آيات القرآن على الإجمال، في التوحيد، والبعث، والرسالة، لأنهم أهل اللغة العربية، وكذا الأعاجم.
* وقد قامت عليهم الحجة، وكفروا بالله تعالى، ونفى الله عنهم الفهم، والفقه على التفصيل، وهذا النوع من الفهم: هو فهم التفقه في الدين.
قال تعالى: ]أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا[ [الفرقان:44].
وقال تعالى: ]وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا[ [الأنعام:25].
قلت: إذا، فلا بد من وجود نوع آخر من الفهم، لقيام الحجة على الخلق، وهو الفهم المجمل، الذي يعقل من الإنسان العاقل.
قلت: وهذا النوع من الفهم: هو الفهم اللغوي، فإنه لا يحتاج إليه، لقيام الحجة، فإذا وصل القرآن إلى الأعجمي، فقد قامت عليه الحجة، لأنه يفهم القرآن، الفهم المجمل.
فالأعاجم: لما بلغهم القرآن، فهموا مدلول آياته على الإجمال، من التوحيد، والبعث، والرسالة، لأنهم: عقلاء.
قال العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب / في «الرسائل الشخصية» (ج7 ص220): (إذا كان المعين: يكفر، إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم، أن قيامها ليس معناه، أن يفهم كلام الله تعالى، ورسوله r، مثل: فهم أبي بكر t.
* بل إذا بلغه كلام الله تعالى، ورسوله r، وخلا من شيء يعذر به، فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن، مع قول الله تعالى: ]وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه[ [الأنعام: 25 ]). اهـ
وقال العلامة الشيخ حمد بن معمر التميمي / في «النبذة الشريفة» (ص116): (وليس المراد بقيام الحجة، أن يفهمها الإنسان، فهما، جليا، كما يفهمها من هداه الله تعالى ووفقه، وانقاد لأمره). اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ / في «منهاج التأسيس» (ص251): (وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل عليهم السلام، فقد قامت عليه الحجة، إذا كان على وجه يمكن معه العلم). اهـ
قلت: والعلم هنا؛ المراد منه، ليس علم التفقه، بل المراد منه العلم في الجملة، الذي يعرفه كل عاقل مكلف، لأن بعقله، وبفهمه على الإجمال، يعلم أنه مكلف بالدين الإسلامي ابتداء. ([25])
* فإذا تمكن من هذا العلم في الجملة، بعد ذلك يأتي من هذا الإنسان العاقل علم التفقه، وفهم التفقه، حتى يعرف الإسلام جملة وتفصيلا، على حسب اجتهاده في تعلم علم الفقه.
والحاصل: أن مقصود أهل العلم، من عدم اشتراط الفهم، لقيام الحجة على الناس.
هو النوع الأول: من الفهم، وهو الفهم المجمل، وليس مقصودهم النوع الثاني وهو فهم التفقه، الذي يؤدى على الامتثال، والانقياد على التفصيل.
قال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ / في «منهاج التأسيس» (ص252): (ولا يشترط في قيام الحجة، أن يفهم عن الله تعالى، ورسوله r ما يفهمه أهل الإيمان، والقبول، والانقياد، لما جاء به الرسول r). اهـ
قلت: فالبيان يتحقق بما يفهمه الإنسان بحسب لغته، للجاهل العربي، والجاهل الأعجمي، ويعد بيانا لهما. ([26])
فبلوغ الحجة يكون بالعربية لمن يحسنها، أو بالترجمة، إن حصلت: لمن كان أعجميا، لا يعرف العربية، وإلا في الأصل إذا بلغ هذا الأعجمي القرآن، فقد قامت عليه الحجة، لأنه مكلف عاقل، ويعلم ماذا يريد منه القرآن، وإلا كيف أسلم الأعاجم على مر العصور، وكر الدهور، لأنهم: يعلمون ماذا يريد الله تعالى بالقرآن، والإسلام، وبعثة النبي r. ([27])
قال الإمام ابن القيم / في «طريق الهجرتين» (ص413): (الواجب على العبد، أن يعتقد أن كل من دان بدين، غير الإسلام، فهو كافر، وأن الله تعالى، لا يعذب أحدا؛ إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول r، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه). اهـ
هذا من جهة؛ إذ بعد أن بعث الله تعالى، محمدا r: رسولا، إلى الناس، وأكمل له الدين، ثم بيانه r: لما أرسل به، أحسن بيان وأبلغه.
* ومن جهة أخرى؛ فإن تخلية الله تعالى، للناس: بينهم، وبين الهدى، وبيان الرسول r له.
* وإراءتهم الصراط المستقيم، حتى كأنهم يشاهدونه، عيانا، وأقام لهم أسباب الهداية، ظاهرا، وباطنا.
* ولم يحل بينهم، وبين تلك الأسباب، بل ومن حال بينه، وبينها منهم؛ بزوال عقل، أو صغر، لا تمييز معه، أو كونه بناحية من الأرض، لم تبلغه دعوة رسله، فإنه لا يعذبه، حتى يقيم عليه حجته، فهذا كله مما يجعل حجة الله تعالى، قائمة على العباد.([28])
قال العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: (الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
* فقد كثر في هذا الوقت الكلام في العذر بالجهل مما سبب في الناس تهاونا في الدين، وصار كل يتناول البحث والتأليف فيه مما أحدث جدلا، وتعاديا من بعض الناس في حق البعض الآخر.
* ولو ردوا هذه المسألة إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله r، وإلى أهل العلم لزال الإشكال، واتضح الحق؛ كما قال الله تعالى: ]ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم[ [النساء: 83]، وإذا لسلمنا من هذه المؤلفات، والبحوث المتلاطمة التي تحدث الفوضى العلمية التي نحن في غنى عنها، فالجهل هو عدم العلم، وكان الناس قبل بعثة الرسول r في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، فلما بعث الله هذا الرسول r، وأنزل هذا الكتاب، زالت الجاهلية العامة، ولله الحمد، قال تعالى: ]هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين[ [الجمعة:2]، فالجاهلية العامة زالت ببعثته r، أما الجاهلية الخاصة قد يبقى شيء منها في بعض الناس، ولهذا قال النبي r: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، والجهل على قسمين: جهل بسيط، وجهل مركب، فالجاهل البسيط: هو الذي يعرف صاحبه أنه جاهل فيطلب العلم، ويقبل التوجيه الصحيح.
والجاهل المركب: هو الذي لا يعرف صاحبه أنه جاهل، بل يظن أنه عالم، فلا يقبل التوجيه الصحيح، وهذا أشد أنواع الجهل.
* والجهل الذي يعذر به صاحبه: هو الجهل الذي لا يمكن زواله، لكون صاحبه يعيش منقطعا عن العالم، لا يسمع شيئا من العلم، وليس عنده من يعلمه؛ فهذا إذا مات على حاله فإنه يعتبر من أصحاب الفترة([29])، قال تعالى: ]وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا[ [الإسراء:15].
* والجهل الذي لا يعذر به صاحبه: هو الجهل الذي يمكن زواله لو سعى صاحبه في إزالته؛ مثل: الذي يسمع أو يقرأ القرآن، وهو عربي يعرف لغة القرآن، فهذا لا يعذر في بقائه على جهله، لأنه بلغه القرآن بلغته، والله تعالى يقول: ]قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19]، فالذي بلغه القرآن، ووصلت إليه الدعوة، والنهي عن الشرك الأكبر، لا يعذر إذا استمر على الشرك، أو استمر على الزنا، أو الربا، أو نكاح المحارم، أو أكل الميتة، وأكل لحم الخنزير، وشرب الخمر، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو ترك الصلاة، أو منع الزكاة، أو امتنع عن الحج وهو يستطيعه، لأن هذه أمور ظاهرة، وتحريمها أو وجوبها قاطع، وإنما يعذر بالجهل في الأمور الخفية حتى يبين له حكمها، فالعذر بالجهل فيه تفصيل:
أولا: يعذر بالجهل من لم تبلغه الدعوة، ولم يبلغه القرآن، ويكون حكمه أنه من أصحاب الفترة.([30])
ثانيا: لا يعذر من بلغته الدعوة، وبلغه القرآن، في مخالفة الأمور الظاهرة كالشرك، وفعل الكبائر، لأنه قامت عليه الحجة، وبلغته الرسالة، وبإمكانه أن يتعلم، ويسأل أهل العلم؛ عما أشكل عليه، ويسمع القرآن، والدروس، والمحاضرات في وسائل الإعلام.
ثالثا: يعذر بالجهل في الأمور الخفية التي تحتاج إلى بيان حتى تبين له حكمها، ولهذا قال النبي r: «إن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه» ([31])، فالحلال بين يؤخذ، والحرام البين يتجنب، والمختلف فيه يتوقف فيه حتى يتبين حكمه بالبحث، وسؤال أهل العلم.
* فالجاهل يجب عليه أن يسأل أهل العلم، فلا يعذر ببقائه على جهله وعنده من يعلمه، قال الله تعالى: ]فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون[ [النحل: 43]، فيجب على الجاهل أن يسأل، ويجب على العالم أن يبين ولا يكتم، قال الله تعالى: ]إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم [ [البقرة: 159-160]، ولا يجوز للمتعالم؛ وهو: الجاهل المركب أن يتكلم في هذه الأمور بغير علم). اهـ
قلت: ومن التيسير على الخلق في هذا الزمان، أن يسر الله تعالى لهم، التطورات الحديثة، بجميع أنواعها، في معرفة علم الدين، وعلم الدنيا.
* من وسائل الاتصالات، ووسائل المواصلات، ووسائل الإعلام المرئي، والإعلام السمعي، ووسائل آلات الكتابة والطباعة، والإذاعات المتنوعة، التي تصل إلى جميع الخلق على وجه الأرض، مهما كان مكان الإنسان من البعد في الأرض، حتى الذين في الغابات، والذين على أطراف الأرض من القرى، فقد وصل لهم دين الإسلام، ووصل لهم علم الدين، وعلم الدنيا. ([32])
* فشاع دين الإسلام في العالم بأسره، وهذا من التيسير على الناس، ففي هذه الحالة، فلا عذر لهم بسبب جهلهم، إذا لم يتعلموا الدين، فقامت عليهم الحجة القاطعة للعذر.
* فالحكم في مسألة المعلوم من الدين بالضرورة، ومدى العذر بجهله، مرجعه الكتاب، والسنة، والآثار، لما في هذه الأصول من التفصيل على النحو الذي مر معنا: بالنسبة لمسألة العذر بالجهل، التي توصلت إليها:
1) أن الجهل صفة مذمومة، والواجب على الإنسان، أن يبذل وسعه قدر الإمكان في رفعها عنه، وبخاصة: في أمور دينه الذي لا يستقيم، إلا بإقامتها.
2) أن الجهل عذر مؤقت، ومقيد بعدم توفر الشروط، فإذا وجدت هذه الشروط، أو أمكن وجودها، تقديرا، فإن الجهل لا يبقى عذرا، بل يصبح ذما، وسببا في الخسران، في الدنيا، والآخرة.
3) أن قيام الحجة على من خالف، أمرا، شرعيا، بفعل، أو قول، أو ترك، أو غير ذلك، هو: مناط المؤاخذة.
4) التقدير في قيام الحجة، من عدمه: مرجعه الكتاب، أو السنة، أو الآثار، أو الإجماع.
5) أن دار الإسلام، بالضرورة ظهور الأحكام الشرعية فيها، وبالتالي قامت الحجة على الناس فيها.
6) أن دار الكفر في الغرب، قد ظهرت فيها الأحكام الشرعية، وانتشر المسلمون فيها، وبنيت المساجد، وقامت فيها شعائر الدين، من: «صلاة»، و«صيام»، و«دعوة»، و«مراكز تعليم القرآن والسنة»، وغير ذلك، فقد قامت عليهم الحجة، ببلوغ الرسالة إليهم، وبلغتهم الدعوة الإسلامية.
7) أن الكفار كلهم بلغتهم الدعوة، على وجه الفهم، سواء المجمل، أو المفصل في بلدانهم، وقامت عليهم الحجة، فلا عذر لهم.
8) أن العذر بالجهل ثابت في الأحكام الدقيقة، وهي قليلة جدا، بالنسبة، للأحكام الظاهرة، والبينة، في أصول الدين، وفروعه.
9) أن الإقرار المجمل بالتوحيد، والبراءة المجملة، من الشرك، قد قامت فيها الحجة؛ بالنطق بالشهادتين، وبلوغ القرآن، والرسالة.
ولذلك؛ لا يعذر أحد، بجهل، أن الله تعالى وحده، هو المستحق للعبادة؛ لأن ذلك، هو مقتضى الشهادة لله بالوحدانية، فمن اعتقد أن غير الله تعالى يستحق العبادة مع الله تعالى، أو من دونه، فلا يكون مسلما أصلا، فضلا، عن أن يعذر بجهل، ذلك بعد الإسلام.
10) أن الحكم على شخص، بكفر، أو غيره، مرتبط بمدى توفر الشروط، وانتفاء الموانع.
11) أن القول، بالتكفير؛ عند أهل السنة، هو بالعموم، فإذا تحقق من أحد، أنه كفر حقيقة، كانت الحقيقة مقدمة، فيحكم بكفره بعينه.
12) أن المعلوم من الدين بالضرورة، يتنوع في الأحكام، ويحكم على تاركه بالكفر، ولا يعذر بجهله.
13) أن منهج أهل السنة، في تكفير المعين، هو القول بالعموم.
أما التعيين، فمناطه العلم، بحال المعين.
لذلك؛ فمن قام الدليل، على أنه وجدت فيه شروط التكفير، وانتفت عنه موانعه، فإنه يكفر بعينه.
14) أن مناط التكليف، والجزاء، هو ورود الشرع، وقيام الحجة.
15) أن بلوغ الحجة، وفهمها، شرط في قيامها، وأن الفهم الذي ثار حوله: نوع من الخلاف، يطلق، ويراد به معنيان:
المعنى الأول: هو الفهم المجمل، للنص، والخطاب، الذي يدرك به المقصود، من مراد الشارع على وجه الإجمال.
المعنى الثاني: هو الفهم المفصل للنصوص، وهو المؤثر في السلوك، كفهم طلبة العلم.
* والمشروط: في قيام الحجة، هو الفهم، بالمعنى الأول، وهو: الفهم المجمل.
16) أن الجهل إذا توفرت أسبابه الشرعية، وخلا من التفريط، والإهمال، والعداوة، ثم أوقع في الخطأ، من غير مشاقة: الله تعالى، ورسوله r، فإنه يكون عذرا، في مسائل الفروع.
ولذلك؛ أمكن القول، في مثل هذه الحالة، بتلازم الجهل والعذر.
17) أن التأويل الذي يعذر صاحبه، هو الذي يصدر، عن أهل العلم: من ذوي الفضل والعقل، الذين عندهم حرص على اتباع الكتاب والسنة والآثار.
أما التأويل: الذي لا يعذر صاحبه، فهو الذي يتضمن، في حقيقته التكذيب، أو الإعراض، أو غير ذلك، كما هو حال أهل الأهواء والبدع، بجميع أنواعهم، ومن هم على شاكلتهم.
18) أن القول بعذر الجاهل، بالضوابط الشرعية، هو الذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة.
19) أن مناط تكفير، من وقع في الشرك.
1) اعتقاد استحقاق غير الله تعالى للعبادة، بالقول، أو الفعل.
2) الوقوع في الشرك الأكبر.
3) الإصرار على المخالفة في ذلك.
20) أن وصف الإسلام، يثبت للشخص، بالنطق بالشهادتين، في الجملة، ثم التفصيل.
قال تعالى: ]وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا[ [الحشر:7].
وقال تعالى: ]من يطع الرسول فقد أطاع الله[ [النساء:80].
وقال تعالى: ]وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول[ [المائدة:92].
قلت: لقد فرض الله تعالى طاعته، وطاعة رسوله r، وحجج الله تعالى، في مثل: هذا قائمة على الخلق، فلا يسع أحدا، أن يستنكف عن طاعة الله تعالى، وطاعة الرسول r.
ومما يتصل بهذا الموضوع: مسائل الحلال والحرام، التي تحتاج الأمة إلى بيانها، فقد قطع العذر فيها، ببيان الكتاب والسنة لها.
قال تعالى: ]ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء[ [النحل:89].
وقال تعالى: ]يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم[ [النساء:176].
وقال تعالى: ]وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم[ [النحل:44].
ثم إن هذا التقرير متعلق بما وضح من أمور الدين، وشاع العلم به وذاع.
وعن النعمان بن بشير ﭭ قال: سمعت رسول الله r يقول: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). ([33])
* أما المسائل الدقيقة، والخفية، والتي ليس فيها مناقضة للتوحيد، والرسالة، والتي لا يعلمها؛ إلا أهل العلم، فليست داخلة، فيما سبق ذكره، وفيما نحن بصدد تقريره.
سئل: العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: متى يعذر الإنسان بالجهل، لو تكرمتم؟
فأجاب فضيلته: (يعذر بالأشياء الخفية، لا سيما في بعض الأحكام الشرعية، قد تخفى على العامي حتى يتعلم، أما الذي بين المسلمين وقال: لا أدري عن الزنى، ما يعذر وهو بين المسلمين، الزنى معروف عند المسلمين أنه حرام، فلو قال: ما عرفت أن الزنى حرام، لا يعذر بهذا، أو قال: ما عرفت أن الخمر حرام وهو بين المسلمين، لا يعذر، لكن في بعض المسائل التي قد تخفى في مسائل الأحكام الدقيقة قد يعذر فيها الإنسان، لأجل كونه ليس من أهل العلم، كذلك لو قال: ما أعلم أن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات ممنوع، لا يعذر بهذا؛ لأن هذا هو أصل التوحيد وأصل الدين، والله أنزل القرآن للنهي عن هذه الأمور والقضاء عليها، وبين حال المشركين، وحذر من أعمالهم) ([34]). اهـ
وقال العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في «مسألة العذربالجهل» (ص55): (يعذر بالجهل في الأمور الخفية التي تحتاج إلى بيان حتى تبين له حكمها، ولهذا قال النبي r: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه»([35])، فالحلال بين يؤخذ، والحرام البين يتجنب، والمختلف فيه يتوقف فيه حتى يتبين حكمه بالبحث، وسؤال أهل العلم.
* فالجاهل يجب عليه أن يسأل أهل العلم، فلا يعذر ببقائه على جهله، وعنده من يعلمه، قال الله تعالى: ]فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون[ [النحل: 43]، فيجب على الجاهل أن يسأل، ويجب على العالم أن يبين ولا يكتم، قال الله تعالى: ]إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم[ [البقرة: 159-160]، ولا يجوز للمتعالم؛ وهو: الجاهل المركب أن يتكلم في هذه الأمور بغير علم). اهـ
وفق الله الجميع للعلم النافع، والعمل الصالح، والإخلاص في القول والعمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
كتبه
أبو عبد الرحمن الأثري
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
ذكر الدليل على أن حجة الله تعالى قامت على الخلق، بنزول القرآن الكريم، وبرسالة السنة النبوية، وإن لم يفهموا حجة الله تعالى؛ لأنهم: يعقلون ويعلمون بحجة الله تعالى، وبحجة الرسول صلى الله عليه وسلم.
· فيعلمون بحجة الله تعالى عليهم، ويفهموها على الإجمال؛ بمعنى: أنهم يتفكرون ويدركون حجج الله تعالى في هذا الكون، ويفهمون أمر الله تعالى، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم في الإسلام في هذه الحياة الدنيا.
· وهذا هو المطلوب من بلوغ حجة الله تعالى إليهم، ولا حاجة ابتداء أن يعلموها، أو يفهموها على التفصيل، فهذا الفهم، يكون بعد توبتهم لله تعالى، ورجوعهم إليه، من فعلهم للعبادات، وبتعليمهم لها على التفصيل لأحكام الأصول، وأحكام الفروع.
· * فهم: يفهمون بعقولهم ماذا يريد الإسلام منهم، أن يسلموا حقيقة لرب العالمين، وأيضا: يسمعون برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلمون أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى العالم كله إلى قيام الساعة: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [سبأ: 28].
قال تعالى: (قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) [الأعراف: 158].
وقال تعالى: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) [الفرقان: 1].
قال العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب / في «الرسائل الشخصية» (ج7 ص244): (وأما أصول الدين التي أوضحها الله تعالى، وأحكمها في كتابه؛ فإن حجة الله تعالى هي القرآن، فمن بلغه القرآن، فقد بلغته الحجة.
* ولكن أصل الإشكال؛ أنكم لم تفرقوا: بين قيام الحجة، وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار، والمنافقين من المسلمين، لم يفهموا: حجة الله تعالى عليهم، مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: ]أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا[ [الفرقان:44].
* وقيام الحجة: نوع، وبلوغها نوع، فإن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قوله r: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم»([36])، وقوله r: «شر قتلى تحت أديم السماء»([37])، مع كونهم في عصر الصحابة y، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم، ومع إجماع الناس، أن الذي أخرجهم من الدين، هو التشديد، والغلو، والاجتهاد، وهم يظنون أنهم يطيعون الله تعالى، وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها -يعني: على التفصيل-.
* وكذلك قتل علي t، الذين اعتقدوا فيه، وتحريقهم بالنار، مع كونهم: تلاميذ الصحابة y، مع مبادئهم، وصلاتهم، وصيامهم، وهم يظنون أنهم على حق.
* وكذلك: إجماع السلف على تكفير غلاة القدرية، وغيرهم، مع علمهم، وشدة عبادتهم، وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم؛ لأجل كونهم، لم يفهموا).اهـ
وقال العلامة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ / في «حكم تكفير المعين، والفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة» (ص9): (قامت على الناس الحجة بالرسول r، وبالقرآن... فكل من سمع الرسول r، وبلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة). اهـ
* وسئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: هل يعذر الإنسان بجهله؟ مثلا: رجل زار قبور الأولياء بنية التبرك بهم، مع أنه لا يعلم أن ذلك الفعل من الشرك الأكبر، مع بيان وتوضيح الأدلة من الكتاب والسنة، جزاكم الله خيرا.
فأجاب فضيلته: (أمور العقيدة التي تتعلق بالتوحيد والشرك لا يعذر فيها بالجهل: وهو بين المسلمين، ويسمع القرآن والأحاديث، ويستطيع أن يسأل، ما يعذر بدعوة القبور، والاستغاثة بالأموات وأشباه ذلك، بل يجب عليه أن يتعلم، وأن يتفقه، وليس له أن يتساهل في هذا الأمر) ([38]).اهـ
وقال العلامة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ / في «حكم تكفير المعين، والفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة» (ص23): (الحجة بالقرآن على من بلغه، وسمعه، ولو لم يفهمه). اهـ؛ يعني: على التفصيل. ([39])
وقال العلامة الشيخ حمد بن معمر التميمي / في «النبذة الشريفة» (ص115): (إن الله تعالى: أرسل الرسل عليهم السلام، مبشرين، ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله تعالى حجة، بعد الرسل عليهم السلام.
* فكل من بلغه القرآن، ودعوة الرسول r، فقد قامت عليه الحجة.
فقال تعالى: ]لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19].
وقال تعالى: ]وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا[ [الإسراء:15].
* وقد أجمع العلماء: على أن من بلغته دعوة الرسول r، أن حجة الله تعالى قائمة عليه.
* فكل من بلغه القرآن، فليس بمعذور، فإن الأصول الكبار، التي هي: أصل دين الإسلام، قد بينها الله تعالى في كتابه، ووضحها، وأقام بها الحجة على عباده.
* وليس المراد: بقيام الحجة، أن يفهمها الإنسان فهما جليا؛ كما يفهمها من هداه الله تعالى ووفقه، وانقاد لأمره.
* فإن الكفار: قد قامت عليهم حجة الله تعالى مع إخباره، بأنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوا كلامه.
* فهذا: بينته لك أن بلوغ الحجة: نوع، وفهمها: نوع آخر).اهـ
قلت: وهذا يدل أن الفهم التفصيلي لا يشترط مطلقا، لقيام الحجة، بل يشترط فقط، الفهم الإجمالي، وذلك لوضوح القرآن؛ لأنه كلام الله تعالى، وبخاصة: في أمر توحيد الله تعالى في المعرفة والإثبات، وأصول الاعتقاد، والطاعة والاتباع، والنهي عن الشرك بالله تعالى، والإيمان بالرسول r، وطاعته، وكذا الإيمان بحياة البرزخ، والإيمان باليوم الآخر.
وسئل العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: نود من فضيلتكم توجيه أبنائكم الطلاب حول الجدل الحاصل بين طلبة العلم؛ حول مسألة العذر بالجهل.
فأجاب فضيلته: (اليوم ما فيه جهل ولله الحمد، تعلم الناس، أنتم تقولون الناس مثقفون وتعلموا، والناس، والناس... فما فيه جهل الآن، الكتاب يتلى على مسامع الناس في المشارق والمغارب، وتبثه وسائل الإعلام، القرآن تقوم به الحجة: ]وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام: 19]؛ هل ما بلغ القرآن؟! والله إنه بلغ المشارق والمغارب، ودخل البيوت، ودخل في الكهوف، وفي كل مكان، فقامت الحجة ولله الحمد، لكن من أعرض عنها فهذا لا حيلة له، أما من أقبل عليها، ولما سمع القرآن تمسك به، وطلب تفسيره الصحيح، وأدلته، وتمسك بها، فهذا ما يبقى على الجهل والحمد لله، مسألة العذر بالجهل هذه إنما جاءت من المرجئة) ([40]).اهـ
* قد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاء القرآن، وهم بين أيدينا يسمعونه في الإذاعات، ويسمعون في غيرها، ولا يبالون، ولا يلتفتون، وإذا جاء أحد ينذرهم ينهاهم آذوه، نسأل الله العافية. ([41])
وسئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: الاختلاف في مسألة العذر بالجهل من المسائل الخلافية؟
فأجاب فضيلته: (مسألة عظيمة، والأصل فيها أنه لا يعذر من كان بين المسلمين، من بلغه القرآن والسنة، ما يعذر.
* الله جل وعلا قال: ]هذا بلاغ للناس[ [إبراهيم:52]، ]وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19]، من بلغه القرآن والسنة غير معذور، إنما أوتي من تساهله، وعدم مبالاته) ([42]).اهـ
قلت: فمن جهل الأحكام في مباني الإسلام، وهي: «الصلاة»، و«الزكاة»، و«الصيام»، و«الحج»، فتركها هذا الجاهل، يكفر بمجرد ذلك.
ولا يعذر بجهله، خاصة في زماننا هذا([43])، الذي استفاض فيه علم الشرع، وانتشر بين العامة والخاصة، وعرف هذا العلم، الخاص، والعام، واشترك فيه: العالم، والجاهل، فلا عذر لأحد، بتأويل: يتأوله بالباطل في الأصول والفروع في الدين.
* إن المعلوم من الدين بالضرورة قد اشترك فيه أفراد الأمة، علماء، وطلبة، وعامة([44])، فلا عذر لأحد في المعلوم من الدين بالضرورة.
وعليه؛ فإن إطلاق القول بأن المعلوم من الدين بالضرورة، أمر قد قامت به الحجة على جميع الناس، فلا يسعهم جهله، ومن ثمة مخالفته.
قال العلامة ابن أبي العز الحنفي / في «شرح العقيدة الطحاوية» (ص70): (فلا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول r، إيمانا عاما مجملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول r على التفصيل، فرض على الكفاية، فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله تعالى به رسوله r، وداخل في تدبر القرآن، وعقله، وفهمه). اهـ
* والمشركون: الذين عاصروا؛ نزول الوحي على رسول الله r؛ فهموا([45]): مدلول آيات القرآن على الإجمال، في التوحيد، والبعث، والرسالة، لأنهم أهل اللغة العربية، وكذا الأعاجم.
* وقد قامت عليهم الحجة، وكفروا بالله تعالى، ونفى الله عنهم الفهم، والفقه على التفصيل، وهذا النوع من الفهم: هو فهم التفقه في الدين.
قال تعالى: ]أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا[ [الفرقان:44].
وقال تعالى: ]وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا[ [الأنعام:25].
قلت: إذا، فلا بد من وجود نوع آخر من الفهم، لقيام الحجة على الخلق، وهو الفهم المجمل، الذي يعقل من الإنسان العاقل.
قلت: وهذا النوع من الفهم: هو الفهم اللغوي، فإنه لا يحتاج إليه، لقيام الحجة، فإذا وصل القرآن إلى الأعجمي، فقد قامت عليه الحجة، لأنه يفهم القرآن، الفهم المجمل.
فالأعاجم: لما بلغهم القرآن، فهموا مدلول آياته على الإجمال، من التوحيد، والبعث، والرسالة، لأنهم: عقلاء.
قال العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب / في «الرسائل الشخصية» (ج7 ص220): (إذا كان المعين: يكفر، إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم، أن قيامها ليس معناه، أن يفهم كلام الله تعالى، ورسوله r، مثل: فهم أبي بكر t.
* بل إذا بلغه كلام الله تعالى، ورسوله r، وخلا من شيء يعذر به، فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن، مع قول الله تعالى: ]وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه[ [الأنعام: 25 ]). اهـ
وقال العلامة الشيخ حمد بن معمر التميمي / في «النبذة الشريفة» (ص116): (وليس المراد بقيام الحجة، أن يفهمها الإنسان، فهما، جليا، كما يفهمها من هداه الله تعالى ووفقه، وانقاد لأمره). اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ / في «منهاج التأسيس» (ص251): (وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل عليهم السلام، فقد قامت عليه الحجة، إذا كان على وجه يمكن معه العلم). اهـ
قلت: والعلم هنا؛ المراد منه، ليس علم التفقه، بل المراد منه العلم في الجملة، الذي يعرفه كل عاقل مكلف، لأن بعقله، وبفهمه على الإجمال، يعلم أنه مكلف بالدين الإسلامي ابتداء. ([46])
* فإذا تمكن من هذا العلم في الجملة، بعد ذلك يأتي من هذا الإنسان العاقل علم التفقه، وفهم التفقه، حتى يعرف الإسلام جملة وتفصيلا، على حسب اجتهاده في تعلم علم الفقه.
والحاصل: أن مقصود أهل العلم، من عدم اشتراط الفهم، لقيام الحجة على الناس.
هو النوع الأول: من الفهم، وهو الفهم المجمل، وليس مقصودهم النوع الثاني وهو فهم التفقه، الذي يؤدى على الامتثال، والانقياد على التفصيل.
قال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ / في «منهاج التأسيس» (ص252): (ولا يشترط في قيام الحجة، أن يفهم عن الله تعالى، ورسوله r ما يفهمه أهل الإيمان، والقبول، والانقياد، لما جاء به الرسول r). اهـ
قلت: فالبيان يتحقق بما يفهمه الإنسان بحسب لغته، للجاهل العربي، والجاهل الأعجمي، ويعد بيانا لهما. ([47])
* فبلوغ الحجة يكون بالعربية لمن يحسنها، أو بالترجمة، إن حصلت: لمن كان أعجميا، لا يعرف العربية، وإلا في الأصل إذا بلغ هذا الأعجمي القرآن، فقد قامت عليه الحجة، لأنه مكلف عاقل، ويعلم ماذا يريد منه القرآن، وإلا كيف أسلم الأعاجم على مر العصور، وكر الدهور، لأنهم: يعلمون ماذا يريد الله تعالى بالقرآن، والإسلام، وبعثة النبي r. ([48])
قال الإمام ابن القيم / في «طريق الهجرتين» (ص413): (الواجب على العبد، أن يعتقد أن كل من دان بدين، غير الإسلام، فهو كافر، وأن الله تعالى، لا يعذب أحدا؛ إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول r، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه). اهـ
هذا من جهة؛ إذ بعد أن بعث الله تعالى، محمدا r: رسولا، إلى الناس، وأكمل له الدين، ثم بيانه r: لما أرسل به، أحسن بيان وأبلغه.
* ومن جهة أخرى؛ فإن تخلية الله تعالى، للناس: بينهم، وبين الهدى، وبيان الرسول r له.
* وإراءتهم الصراط المستقيم، حتى كأنهم يشاهدونه، عيانا، وأقام لهم أسباب الهداية، ظاهرا، وباطنا.
* ولم يحل بينهم، وبين تلك الأسباب، بل ومن حال بينه، وبينها منهم؛ بزوال عقل، أو صغر، لا تمييز معه، أو كونه بناحية من الأرض، لم تبلغه دعوة رسله، فإنه لا يعذبه، حتى يقيم عليه حجته، فهذا كله مما يجعل حجة الله تعالى، قائمة على العباد.([49])
قال العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: (الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
* فقد كثر في هذا الوقت الكلام في العذر بالجهل مما سبب في الناس تهاونا في الدين، وصار كل يتناول البحث والتأليف فيه مما أحدث جدلا، وتعاديا من بعض الناس في حق البعض الآخر.
* ولو ردوا هذه المسألة إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله r، وإلى أهل العلم لزال الإشكال، واتضح الحق؛ كما قال الله تعالى: ]ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم[ [النساء: 83]، وإذا لسلمنا من هذه المؤلفات، والبحوث المتلاطمة التي تحدث الفوضى العلمية التي نحن في غنى عنها، فالجهل هو عدم العلم، وكان الناس قبل بعثة الرسول r في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، فلما بعث الله هذا الرسول r، وأنزل هذا الكتاب، زالت الجاهلية العامة، ولله الحمد، قال تعالى: ]هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين[ [الجمعة:2]، فالجاهلية العامة زالت ببعثته r، أما الجاهلية الخاصة قد يبقى شيء منها في بعض الناس، ولهذا قال النبي r: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، والجهل على قسمين: جهل بسيط، وجهل مركب، فالجاهل البسيط: هو الذي يعرف صاحبه أنه جاهل فيطلب العلم، ويقبل التوجيه الصحيح.
والجاهل المركب: هو الذي لا يعرف صاحبه أنه جاهل، بل يظن أنه عالم، فلا يقبل التوجيه الصحيح، وهذا أشد أنواع الجهل.
* والجهل الذي يعذر به صاحبه: هو الجهل الذي لا يمكن زواله، لكون صاحبه يعيش منقطعا عن العالم، لا يسمع شيئا من العلم، وليس عنده من يعلمه؛ فهذا إذا مات على حاله فإنه يعتبر من أصحاب الفترة([50])، قال تعالى: ]وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا[ [الإسراء:15].
* والجهل الذي لا يعذر به صاحبه: هو الجهل الذي يمكن زواله لو سعى صاحبه في إزالته؛ مثل: الذي يسمع أو يقرأ القرآن، وهو عربي يعرف لغة القرآن، فهذا لا يعذر في بقائه على جهله، لأنه بلغه القرآن بلغته، والله تعالى يقول: ]قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19]، فالذي بلغه القرآن، ووصلت إليه الدعوة، والنهي عن الشرك الأكبر، لا يعذر إذا استمر على الشرك، أو استمر على الزنا، أو الربا، أو نكاح المحارم، أو أكل الميتة، وأكل لحم الخنزير، وشرب الخمر، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو ترك الصلاة، أو منع الزكاة، أو امتنع عن الحج وهو يستطيعه، لأن هذه أمور ظاهرة، وتحريمها أو وجوبها قاطع، وإنما يعذر بالجهل في الأمور الخفية حتى يبين له حكمها، فالعذر بالجهل فيه تفصيل:
أولا: يعذر بالجهل من لم تبلغه الدعوة، ولم يبلغه القرآن، ويكون حكمه أنه من أصحاب الفترة.([51])
ثانيا: لا يعذر من بلغته الدعوة، وبلغه القرآن، في مخالفة الأمور الظاهرة كالشرك، وفعل الكبائر، لأنه قامت عليه الحجة، وبلغته الرسالة، وبإمكانه أن يتعلم، ويسأل أهل العلم؛ عما أشكل عليه، ويسمع القرآن، والدروس، والمحاضرات في وسائل الإعلام.
ثالثا: يعذر بالجهل في الأمور الخفية التي تحتاج إلى بيان حتى تبين له حكمها، ولهذا قال النبي r: «إن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه» ([52])، فالحلال بين يؤخذ، والحرام البين يتجنب، والمختلف فيه يتوقف فيه حتى يتبين حكمه بالبحث، وسؤال أهل العلم.
* فالجاهل يجب عليه أن يسأل أهل العلم، فلا يعذر ببقائه على جهله وعنده من يعلمه، قال الله تعالى: ]فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون[ [النحل: 43]، فيجب على الجاهل أن يسأل، ويجب على العالم أن يبين ولا يكتم، قال الله تعالى: ]إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم [ [البقرة: 159-160]، ولا يجوز للمتعالم؛ وهو: الجاهل المركب أن يتكلم في هذه الأمور بغير علم). اهـ
قلت: ومن التيسير على الخلق في هذا الزمان، أن يسر الله تعالى لهم، التطورات الحديثة، بجميع أنواعها، في معرفة علم الدين، وعلم الدنيا.
* من وسائل الاتصالات، ووسائل المواصلات، ووسائل الإعلام المرئي، والإعلام السمعي، ووسائل آلات الكتابة والطباعة، والإذاعات المتنوعة، التي تصل إلى جميع الخلق على وجه الأرض، مهما كان مكان الإنسان من البعد في الأرض، حتى الذين في الغابات، والذين على أطراف الأرض من القرى، فقد وصل لهم دين الإسلام، ووصل لهم علم الدين، وعلم الدنيا. ([53])
* فشاع دين الإسلام في العالم بأسره، وهذا من التيسير على الناس، ففي هذه الحالة، فلا عذر لهم بسبب جهلهم، إذا لم يتعلموا الدين، فقامت عليهم الحجة القاطعة للعذر.
* فالحكم في مسألة المعلوم من الدين بالضرورة، ومدى العذر بجهله، مرجعه الكتاب، والسنة، والآثار، لما في هذه الأصول من التفصيل على النحو الذي مر معنا: بالنسبة لمسألة العذر بالجهل، التي توصلت إليها:
1) أن الجهل صفة مذمومة، والواجب على الإنسان، أن يبذل وسعه قدر الإمكان في رفعها عنه، وبخاصة: في أمور دينه الذي لا يستقيم، إلا بإقامتها.
2) أن الجهل عذر مؤقت، ومقيد بعدم توفر الشروط، فإذا وجدت هذه الشروط، أو أمكن وجودها، تقديرا، فإن الجهل لا يبقى عذرا، بل يصبح ذما، وسببا في الخسران، في الدنيا، والآخرة.
3) أن قيام الحجة على من خالف، أمرا، شرعيا، بفعل، أو قول، أو ترك، أو غير ذلك، هو: مناط المؤاخذة.
4) التقدير في قيام الحجة، من عدمه: مرجعه الكتاب، أو السنة، أو الآثار، أو الإجماع.
5) أن دار الإسلام، بالضرورة ظهور الأحكام الشرعية فيها، وبالتالي قامت الحجة على الناس فيها.
6) أن دار الكفر في الغرب، قد ظهرت فيها الأحكام الشرعية، وانتشر المسلمون فيها، وبنيت المساجد، وقامت فيها شعائر الدين، من: «صلاة»، و«صيام»، و«دعوة»، و«مراكز تعليم القرآن والسنة»، وغير ذلك، فقد قامت عليهم الحجة، ببلوغ الرسالة إليهم، وبلغتهم الدعوة الإسلامية.
7) أن الكفار كلهم بلغتهم الدعوة، على وجه الفهم، سواء المجمل، أو المفصل في بلدانهم، وقامت عليهم الحجة، فلا عذر لهم.
8) أن العذر بالجهل ثابت في الأحكام الدقيقة، وهي قليلة جدا، بالنسبة، للأحكام الظاهرة، والبينة، في أصول الدين، وفروعه.
9) أن الإقرار المجمل بالتوحيد، والبراءة المجملة، من الشرك، قد قامت فيها الحجة؛ بالنطق بالشهادتين، وبلوغ القرآن، والرسالة.
ولذلك؛ لا يعذر أحد، بجهل، أن الله تعالى وحده، هو المستحق للعبادة؛ لأن ذلك، هو مقتضى الشهادة لله بالوحدانية، فمن اعتقد أن غير الله تعالى يستحق العبادة مع الله تعالى، أو من دونه، فلا يكون مسلما أصلا، فضلا، عن أن يعذر بجهل، ذلك بعد الإسلام.
10) أن الحكم على شخص، بكفر، أو غيره، مرتبط بمدى توفر الشروط، وانتفاء الموانع.
11) أن القول، بالتكفير؛ عند أهل السنة، هو بالعموم، فإذا تحقق من أحد، أنه كفر حقيقة، كانت الحقيقة مقدمة، فيحكم بكفره بعينه.
12) أن المعلوم من الدين بالضرورة، يتنوع في الأحكام، ويحكم على تاركه بالكفر، ولا يعذر بجهله.
13) أن منهج أهل السنة، في تكفير المعين، هو القول بالعموم.
أما التعيين، فمناطه العلم، بحال المعين.
لذلك؛ فمن قام الدليل، على أنه وجدت فيه شروط التكفير، وانتفت عنه موانعه، فإنه يكفر بعينه.
14) أن مناط التكليف، والجزاء، هو ورود الشرع، وقيام الحجة.
15) أن بلوغ الحجة، وفهمها، شرط في قيامها، وأن الفهم الذي ثار حوله: نوع من الخلاف، يطلق، ويراد به معنيان:
المعنى الأول: هو الفهم المجمل، للنص، والخطاب، الذي يدرك به المقصود، من مراد الشارع على وجه الإجمال.
المعنى الثاني: هو الفهم المفصل للنصوص، وهو المؤثر في السلوك، كفهم طلبة العلم.
* والمشروط: في قيام الحجة، هو الفهم، بالمعنى الأول، وهو: الفهم المجمل.
16) أن الجهل إذا توفرت أسبابه الشرعية، وخلا من التفريط، والإهمال، والعداوة، ثم أوقع في الخطأ، من غير مشاقة: الله تعالى، ورسوله r، فإنه يكون عذرا، في مسائل الفروع.
ولذلك؛ أمكن القول، في مثل هذه الحالة، بتلازم الجهل والعذر.
17) أن التأويل الذي يعذر صاحبه، هو الذي يصدر، عن أهل العلم: من ذوي الفضل والعقل، الذين عندهم حرص على اتباع الكتاب والسنة والآثار.
أما التأويل: الذي لا يعذر صاحبه، فهو الذي يتضمن، في حقيقته التكذيب، أو الإعراض، أو غير ذلك، كما هو حال أهل الأهواء والبدع، بجميع أنواعهم، ومن هم على شاكلتهم.
18) أن القول بعذر الجاهل، بالضوابط الشرعية، هو الذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة.
19) أن مناط تكفير، من وقع في الشرك.
1) اعتقاد استحقاق غير الله تعالى للعبادة، بالقول، أو الفعل.
2) الوقوع في الشرك الأكبر.
3) الإصرار على المخالفة في ذلك.
20) أن وصف الإسلام، يثبت للشخص، بالنطق بالشهادتين، في الجملة، ثم التفصيل.
قال تعالى: ]وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا[ [الحشر:7].
وقال تعالى: ]من يطع الرسول فقد أطاع الله[ [النساء:80].
وقال تعالى: ]وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول[ [المائدة:92].
قلت: لقد فرض الله تعالى طاعته، وطاعة رسوله r، وحجج الله تعالى، في مثل: هذا قائمة على الخلق، فلا يسع أحدا، أن يستنكف عن طاعة الله تعالى، وطاعة الرسول r.
ومما يتصل بهذا الموضوع: مسائل الحلال والحرام، التي تحتاج الأمة إلى بيانها، فقد قطع العذر فيها، ببيان الكتاب والسنة لها.
قال تعالى: ]ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء[ [النحل:89].
وقال تعالى: ]يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم[ [النساء:176].
وقال تعالى: ]وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم[ [النحل:44].
ثم إن هذا التقرير متعلق بما وضح من أمور الدين، وشاع العلم به وذاع.
وعن النعمان بن بشير ﭭ قال: سمعت رسول الله r يقول: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). ([54])
وقال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ / في «مصباح الظلام» (ص233): (وما المانع من تكفير من فعل([55]): ما فعلت اليهود من تكفيرهم بالصد عن سبيل الله، والكفر به، مع معرفته؟). اهـ
وقال العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب /؛ في معرض حديثه عمن فهم كلام شيخ الإسلام؛ خاطئا في مسألة قيام الحجة: (فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال، أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة، وبين فهم الحجة، فإن أكثر الكفار، والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: ]أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا[ [الفرقان:44]) ([56]). اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين / في «الدرر السنية» (ج10 ص404): (كل من فعل اليوم ذلك عند هذه المشاهد، فهو مشرك كافر بلا شك، بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، ونحن نعلم: أن من فعل ذلك ممن ينتسب إلى الإسلام، أنه لم يوقعهم في ذلك إلا الجهل، فلو علموا: أن ذلك يبعد عن الله غاية الإبعاد، وأنه من الشرك الذي حرمه الله، لم يقدموا عليه، فكفرهم جميع العلماء، ولم يعذروهم بالجهل، كما يقول بعض الضالين: إن هؤلاء معذورون لأنهم جهال.
* وهذا قول على الله بغير علم، معارض؛ بمثل قوله تعالى: ]فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله[ [الأعراف:30]، ]قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا[ [الكهف:103-104].
* وكذلك الخوارج، ورد فيهم الذم العظيم، مع أنهم ما ارتكبوا ما ارتكبوا إلا عن جهل، ولم يعذروا بذلك؛ وهذا جواب لمن يعترف بأن ما يفعلون شرك.
* وأما كثير من الناس، فيقولون: ما يقوله هؤلاء الضالون عند المشاهد، ليس بشرك، بل يقول إنه جائز، أو إنه مستحب، كما يزعمه بعض أئمة الضالين). اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين / في «الدرر السنية» (ج10 ص491): (فمن جعل شيئا من العبادة لغير الله، فهذا هو الشرك الأكبر، الذي لا يغفره الله، قال تعالى: ]إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء[ [النساء: 48]؛ فمن زعم: أن الله يغفره، فقد رد خبر الله سبحانه). اهـ
وقال الحافظ النووي / في «شرح صحيح مسلم» (ج9 ص165): (أجمع العلماء: على أن الكافر الذي مات على كفره لا ثواب له في الآخرة، ولا يجازى فيها بشيء من عمله في الدنيا متقربا إلى الله تعالى). اهـ
وقال العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب / في «الدرر السنية» (ج10 ص93): (وقيام الحجة نوع، وبلوغها نوع، وقد قامت عليهم -يعني: على الكفار-، وكفرهم ببلوغها إياهم، وإن لم يفهموها، وإن أشكل عليكم ذلك؛ فانظروا: قوله r في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم»([57])، وقوله r: «شر قتلى تحت أديم السماء»([58])، مع كونهم في عصر الصحابة y.
* ويحقر الإنسان عمل الصحابة y معهم، وقد بلغتهم الحجة، ولم يفهموها.
* وكذلك إجماع السلف على تكفير غلاة القدرية، وغيرهم، مع علمهم، وشدة عبادتهم، وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم؛ لأجل كونهم لم يفهموا، فإذا علمتم ذلك؛ فإن هذا الذي أنتم فيه كفر).اهـ
قلت: وهذا يدل على عدم اشتراط فهم الحجة للتكفير، بل إذا بلغه كلام الله تعالى، وكلام رسوله r، وخلا عما يعذر به، فهو كافر، كما كان الكفار تقوم عليهم الحجة بالقرآن. ([59])
قال تعالى: ]وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا [ [الأنعام: 25].
وقال العلامة الشيخ حمد بن ناصر بن معمر / في «الفتاوى النجدية» (ج3 ص240): (كل من بلغه القرآن، ودعوة الرسول r، فقد قامت عليه الحجة، كما قال تعالى: ]لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام: 19]؛ وقد أجمع العلماء: أن من بلغته دعوة الرسول r أن حجة الله تعالى قائمة عليه). اهـ
وقال العلامة الشيخ حمد بن ناصر بن معمر / في «الفتاوى النجدية» (ج3 ص241): (وكل من بلغه القرآن فليس بمعذور، فإن الأصول الكبار التي هي أصل دين الإسلام قد بينها الله تعالى في كتابه، وأوضحها، وأقام بها حجته على عباده.
* وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهما جليا، كما يفهمها من هداه الله تعالى، ووفقه، وانقاد لأمره.
* فإن الكفار قد قامت عليهم الحجة من الله تعالى مع إخباره، بأنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوا كلامه، قال تعالى: ]وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا [ [الأنعام: 25]؛... يخبر سبحانه أنهم لم يفهموا القرآن، ولم يفقهوه، وأنه عاقبهم بالأكنة، والوقر في آذانهم، وأنه ختم على قلوبهم، وأسماعهم، وأبصارهم.
* فلم يعذرهم مع هذا كله، بل حكم بكفرهم، وأمر بقتالهم، وقاتلهم رسول الله r، وحكم بكفرهم، فهذا يبين لك أن بلوغ الحجة نوع، وفهمها نوع آخر) ([60]). اهـ
قلت: وهذا يدل على أن الحجة تقوم في: «المسائل الظاهرة» ببلوغ القرآن، وأنه لا يشترط فهمها.
قال تعالى: ]ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة[ [البقرة: 7].
قلت: فينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة.
* فإن من بلغته دعوة الرسل، فقد قامت عليه الحجة، إذا كان على وجه يمكن معه العلم في الجملة ([61])، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله تعالى، ورسوله r ما يفهمه أهل الإيمان، والقبول، والانقياد لما جاء به الرسول r، فافهم هذا يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة قيام الحجة. ([62])
قال تعالى: ]أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا[ [الفرقان:44].
وقال العلامة الشيخ سليمان بن سحمان / في «الفتاوى النجدية» (ج3 ص245): (ولا عذر لمن كان حاله هكذا؛ لكونه لم يفهم حجج الله تعالى وبيناته؛ لأنه لا عذر له بعد بلوغها، وإن لم يفهمها
* قد أخبر الله تعالى عن الكفار، أنهم لم يفهموا، قال تعالى: ]وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا [ [الأنعام: 25]؛ فبين سبحانه أنهم لم يفقهوا، فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا.
* بل صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار). اهـ
قلت: فبين /: بتكفير المعين، وإن لم يفهم الحجة.
* فلا يشترط في قيام الحجة الفهم؛ بل تقوم الحجة بمجرد بلوغها.
وقال العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين / في «الفتاوى النجدية» (ج3 ص311): (ممن بلغته رسالة محمد r، وبلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة، فلا يعذر في عدم الإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل). اهـ
قلت: ففهم الحجة شيء، وبلوغها شيء آخر.
* فلو كان هذا الحكم موقوفا على فهم الحجة لم نكفر إلا من علمنا أنه معاند خاصة، وهذا بين البطلان. ([63])
وقال العلامة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن النجدي / في «الفتاوى النجدية» (ج3 ص124): (والمقصود: أن الحجة قامت بالرسول r، والقرآن، فكل من سمع بالرسول r، وبلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة). اهـ
قلت: وفي صفة قيام الحجة، وأنها تكون بالبلوغ فقط.
وقال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ / في «شرح كشف الشبهات» (ص101): (ولا فرق بين من يكون كفره عنادا، أو جهلا.
الكفر: منه عناد، ومنه جهل، وليس من شرط قيام الحجة على الكافر أن يفهمها، بل من أقيمت عليه الحجة مثل ما يفهمها مثله، فهو كافر، سواء أفهمها، أم لم يفهمها، ولو كان فهمها شرطا لما كان الكفر إلا قسما واحدا، وهو الجحود، بل الكفر أنواع منه الجهل، وغيره). اهـ
قلت: فبين / عدم اشتراط فهم الحجة، وأنه يكفي بلوغ الحجة، فهمها، أو لم يفهمها.
قلت: واشتراط قيام الحجة للتكفير المعين، أو للتكفير العام؛ ببلوغ حجة القرآن عليه، ووصوله إليه.
* فمن بلغه القرآن، فقد بلغته الحجة، وقامت الحجة عليه، ووصلت إليه حجية الرسالة.
فلا يعذر؛ أي جاهل بجهله على وجه الأرض([64])، لأن جميع الخلق، وصل لهم الإسلام عن طريق طباعة القرآن الكريم، وطباعة السنة النبوية، والأجهزة الحديثة بواسطة الإعلام، والإذاعات، والتلفاز، والهاتف، والأخبار، والأنباء، وغير ذلك.
قلت: وقيام الحجة لا يشترط فيه فهم الحجة، بل تقوم بمجرد بلوغ الدليل من الكتاب والسنة.
* وقد ذكر أهل العلم في معرض حديثهم عن قيام الحجة؛ أنه ليس من شروط قيام الحجة فهمها.
فقد تقوم الحجة على قوم دون فهمهم لوجه الصواب منها.
* وإلا لو اشترطنا فهم الحجة للزم من ذلك أن لا يكفر إلا المعاند، وهو باطل قطعا.
فمن سمع الحجة وهو عاقل، فقد قامت عليه الحجة.
قال العلامة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ / في «حكم تكفير المعين» (ص13): (هذه ثلاثة مواضع يذكر فيها أن الحجة قامت بالقرآن على كل من بلغه، وسمعه ولو لم يفهمه.
* وهذا لله الحمد يؤمن به كل مسلم سمع القرآن). اهـ
وقال العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب / في «الدرر السنية» (ج10 ص434): (فإن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في: «مسائل خفية»، مثل: مسألة الصرف، والعطف، فلا يكفر حتى يعرف.
* وأما أصول الدين: التي وضحها الله تعالى، وأحكمها في كتابه، فإن حجة الله تعالى هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة.
ولكن أصل الإشكال: أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة، وفهم الحجة.
* فإن الكفار، والمنافقين: لم يفهموا حجة الله تعالى مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: ]أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلسبيلا[ [الفرقان:44]، وقال تعالى: ]وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا[ [الأنعام:25]؛ فقيام الحجة، وبلوغها نوع، وفهمها نوع آخر؛ وكفرهم الله تعالى ببلوغها إياهم، مع كونهم لم يفهموها). اهـ
قلت: والصرف: صرف الرجل عما يهواه؛ كصرفه: مثلا؛ عن محبة زوجته، إلى بغضها.
والعطف: عمل، سحري؛ كالصرف: ولكنه يعطف الرجل عما لا يهواه، إلى محبته، بطرق شيطانية. ([65])
قال تعالى: ]فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه[ [البقرة:102].
قلت: فالشيخ محمد بن عبد الوهاب /: يفرق بين «المسائل الظاهرة»، وبين «المسائل الخفية»، في مسائل تكفير المعين.
* فمن وقع في «الشرك الأكبر»، أو «الكفر الأكبر»، في: «المسائل الظاهرة» أمكن تكفيره، إذا بلغته الحجة بالقرآن. ([66])
* ومن وقع في: «مسألة»، من «المسائل الخفية»، لا يمكن تكفيره على التعيين؛ إلا بعد التعريف، وإقامة الأدلة على ذلك. ([67])
وقال العلامة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ / في «حكم تكفير المعين» (ص13): (والمقصود: أن الحجة قامت بالرسول r، والقرآن الكريم؛ فكل من سمع بالرسول r، وبلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة.
* وهذا ظاهر في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية /؛ عند قوله: فمن المعلوم أن قيامها ليس أن يفهم كلام الله تعالى، ورسوله r؛ مثل: أبي بكر الصديق t، بل إذا بلغه كلام الله تعالى، ورسوله r، وخلى عن شيء يعذر به([68]): فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قوله تعالى: ]وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا [ [الأنعام: 25]؛ فتأمل كلامه، وأحضر فكرك، واسأل الله الهداية). اهـ
وقال الإمام ابن القيم /: (إن الله سبحانه قد أقام الحجة على خلقه بكتابه، ورسوله r، قال تعالى: ]تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا[ [الفرقان:1]، وقال تعالى: ]وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19]؛ فكل من بلغه القرآن، فقد أنذر به، وقامت عليه الحجة) ([69]). اهـ
قلت: وعلى هذا يكفي فيه مجرد بلوغ الحجة، والجزم بتكفير المعين، أو غيره.
وقال العلامة الشيخ سليمان بن سحمان / في «الضياء الشارق» (ص290)؛ رادا على داود بن جرجيس: (وأما قول هذا الجاهل: «أو لم يتمكن من معرفتها وفهمها»؛ فإنما هو من عدم معرفته بالفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة.
* فإن من بلغته دعوة الرسل عليهم السلام، فقد قامت عليه الحجة: إذا كان على وجه يمكن معه العلم([70])، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله تعالى، ورسوله r ما يفهمه أهل الإيمان، والانقياد لما جاء به الرسول r، فإن فهم الحجة نوع غير قيامها). اهـ
وقال العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب / في «الدرر السنية» (ج9 ص405)، شارحا موقف شيخ الإسلام ابن تيمية / في: «مسألة قيام الحجة، وأن المراد من قيام الحجة: بلوغها»: (وهذه صفة كلامه -يعني: ابن تيمية- في كل موضع وقفنا عليه لا يذكر عدم تكفير المعين، إلا يصله بما يزيل الإشكال، أن المراد بالتوقف عن تكفيره، قبل أن تبلغه الحجة، وأما إذا بلغته الحجة حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير، أو تفسيق، أو معصية). اهـ
قلت: وهذا يدل أن ضابط قيام الحجة، هو أن يكون ببلوغ الدليل من القرآن، والسنة. ([71])
* فمن بلغه الكتاب والسنة، فقد قامت عليه الحجة، ولا يشترط في قيام الحجة أن تكون من عالم، أو غيره، بل يقيمها من يحسن إقامتها، أو بأي طريقة يصل عليه الإسلام، ويبلغه القرآن، أو السنة، كما سبق ذكر ذلك. ([72])
وقال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ / في «منهاج التأسيس والتقديس» (ص485): (وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة؛ فإن من بلغته دعوة الرسل عليهم السلام، فقد قامت عليه الحجة.
* إذا كان على وجه يمكن معه العلم([73])، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله تعالى، ورسوله r ما يفهمه أهل الإيمان، والقبول، والانقياد لما جاء به الرسول r.
* فهم هذا يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة قيام الحجة، قال تعالى: ]أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا[ [الفرقان:44]، وقال تعالى: ]ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة[ [البقرة: 7]). اهـ
وقال العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب / في «الدرر السنية» (ج10 ص88)؛ في باب: حكم المرتد، الذي يكفر بعد إسلامه، نطقا، أو شكا، أو اعتقادا، أو فعلا: (أو كان مبغضا لرسوله r، أو لما جاء به الرسول r اتفاقا كفر، أو جعل بينه، وبين الله تعالى وسائط، يتوكل عليهم، ويدعوهم، ويسألهم، كفر إجماعا، لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام، قائلين: ]ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى[ [الزمر:3].
* أو سجد لصنم، أو شمس، أو قمر، أو أتى بقول، أو فعل صريح، في الاستهزاء بالدين الذي شرعه الله تعالى([74])، أو وجد منه امتهان القرآن، أو أنكر الإسلام: كفر، لأن الدين عند الله تعالى: الإسلام، أو سحر، أو أتى عرافا فصدقه، أو جحد البعث: كفر.
* أو أتى بقول يخرجه عن الإسلام، مثل أن يقول: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو برئ من الإسلام، أو القرآن، أو النبي r، أو يعبد الصليب، وقد عمت البلوى بهذه الفرق، وأفسدوا كثيرا من عقائد أهل التوحيد). اهـ
قلت: وقد ذكر العلماء، وحكوا إجماع المذاهب كلها، في أناس يشهدون أن لا إله إلا الله، ويصلون، ويصومون، لكنهم يعتقدون في عدد من الأولياء، بمثل: عبد القادر الجيلاني، والسيد البدوي، ومعروف الكرخي وغيرهم، ويفعلون الشرك عند قبورهم، فإن هؤلاء من أهل الكفر. ([75])
قلت: إذا فلا يشترط في قيام الحجة فهمها، وإنما يشترط بلوغها على وجه يمكن معه العلم؛ أي: إذا كان الذي تبلغه عاقلا، مميزا يعي ما يسمع، وهذا العلم في جميع الخلق في هذا الزمان.
* وعدم اعتبار العذر بالشبهة، أو التأويل، أو الخطأ، أو الجهل في: «مسائل الشرك الأكبر» لظهور أدلتها، ووضوح برهانها، لأنها من: «مسائل الاعتقاد» التي تعلم من الدين بالضرورة. ([76])
قلت: لذلك عدم اعتبار الشبهة، أو التأويل، أو الجهل، أو الخطأ في: «مسائل الكفر الأكبر»، أو في: «مسائل الشرك الأكبر».
قال العلامة الشيخ أبو بطين النجدي / في «الانتصار لحزب الله تعالى» (ص46): (قد ذكر أهل العلم من أهل كل مذهب أشياء كثيرة لا يمكن حصرها من الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، أنه يكفر صاحبها، ولم يقيدوا ذلك بالمعاند، فالدعي أن مرتكب الكفر: «متأولا»، أو «مجتهدا»، أو «مخطئا»، أو «مقلدا»، أو «جاهلا» معذور؛ مخالف للكتاب، والسنة، والإجماع بلا شك). اهـ
قلت: فبين / بالإجماع، بأنه لا يعذر العبد بالخطأ، أو الشبهة، أو التأويل، أو الجهل، أو التقليد، أو الاجتهاد الفاسد بدون ضوابط شرعية.
وقال العلامة الشيخ أبو بطين / في «الدرر السنية» (ج10 ص40)؛ موضحا أن شيخ الإسلام لا يعذر بالجهل، أو التأويل في مسائل الشرك: (فقد جزم / في مواضع كثيرة بكفر من فعل ما ذكره من: «أنواع الشرك».
* وحكى إجماع المسلمين على ذلك، ولم يستثن الجاهل، ونحوه، قال تعالى: ]إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء[ [النساء:116]، وقال تعالى عن المسيح: ]إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار[ [المائدة:72].
* فمن خص ذلك الوعيد بالمعاند فقط، فأخرج: «الجاهل»، و«المتأول»، و«المقلد»، فقد شاق الله تعالى، ورسوله r، وخرج عن سبيل المؤمنين، والفقهاء يصدرون باب: «حكم المرتد» بمن أشرك، ولم يقيدوا ذلك بالمعاند).اهـ
قلت: فالشرك خطره عظيم، بل هو أخطر الذنوب على الإطلاق، ومن تدبر القرآن، والسنة، وجدهما مصرحين ببطلان دين المشركين، وكفر أهله، وبيان أنهم أعداء الرسل عليهم السلام، وأنهم أصحاب النار؛ لأن ذنبهم لا يساويه ذنب.
* وقد قرر العلماء أن الواقع الذي نحن فيه من عبادة لكثير من الناس للقبور: هو بعينه فعل الجاهلية الوثنيين، وهو الذي جاءت الرسل عليهم السلام بمحوه، وإبطاله، وتكفير فاعله.
* وقد قرر العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب /: أن مجرد الإتيان بلفظ الشهادة مع مخالفة ما دلت عليه من الأصول المقررة، ومع: «الشرك الأكبر» في العبادة لا يدخل المكلف في الإسلام. ([77])
* إذ المقصود من الشهادتين حقيقة الأعمال التي لا يقوم الإيمان بدونها، كمحبة الله تعالى لوحده، والخضوع له، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وإفراده بالاستعانة، والاستغاثة فيما لا يقدر عليه سواه، وعدم الإشراك به فيما يستحقه من العبادات، كالذبح، والنذر، والتقوى، والخشية، ونحو ذلك من الطاعات. ([78])
قال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ / في «منهاج التأسيس والتقديس» (ص170): (فتشبيه عباد القبور؛ بأنهم يصلون، ويصومون، ويؤمنون بالبعث، مجرد تعمية على العوام، وتلبيس لينفق شركهم، ويقال بإسلامهم، وإيمانهم، ويأبى الله تعالى ذلك، ورسوله r، والمؤمنون). اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ / في «منهاج التأسيس والتقديس» (ص190): (وعباد القبور: ما رأيت أحدا من أهل العلم الذين يرجع إليهم، توقف في كفرهم). اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ / في «منهاج التأسيس والتقديس» (ص199): (أجمعت الأمة على تحريم هذا -يعني: الشرك- وعلى كفر فاعله إجماعا ضروريا، يعرف بالضرورة من دين الإسلام، وبتصور ما جاءت به الرسل عليهم السلام، واتفاق دعوتهم، فإن كل رسول أول ما يقرع أسماع قومه بقوله: ]اعبدوا الله ما لكم من إله غيره[([79]) [الأعراف:59]). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج1 ص124): (من جعل بينه، وبين الله تعالى وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم: كفر إجماعا). اهـ
وقال الحافظ ابن عبد الهادي / في «الصارم المنكي» (ص464): (فدعوى المبالغة([80]) في التعظيم، مبالغة في الشرك، وانسلاخ من جملة الدين). اهـ
وقال الإمام ابن القيم / في «مدارج السالكين» (ج1 ص346): (ومن أنواعه([81]): طلب حوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم). اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ /: (فإنه لا يكفر: إلا بما أجمع المسلمون على تكفيرفاعله من: «الشرك الأكبر»، والكفر بآيات الله تعالى، ورسوله r، أو شيئا منها: بعد قيام الحجة، وبلوغها المعتبر، كتكفير من عبد الصالحين، ودعاهم مع الله تعالى) ([82]). اهـ
قلت: والمشرك في عبادته للقبور: يساوي ذلك برب العالمين، وقد اعترف بذلك فقال تعالى: ]تالله إن كنا لفي ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين[ [الشعراء: 97 و98].
قال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ / في «مصباح الظلام» (ص73): (ومعلوم أنهم ما سووهم بالله تعالى في الخلق، والرزق، والتدبير.
وإنما هو في: المحبة، والخضوع، والتعظيم، والخوف، والرجاء، ونحو ذلك من العبادات.
قال تعالى: ]ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله[ [البقرة:165]، وهذا حب عبادة، وتأله، وتعظيم.
* فمن عبد غير الله تعالى، وعدل بربه، وسوى بينه تعالى، وبين غيره في خالص حقه: صدق عليه أنه مشرك ضال غير مسلم، وإن عمر المدارس، ونصب القضاة، وشيد المنار، ودعا بداعي الفلاح، لأنه لا يلتزمه. ([83])
قال تعالى: ]قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل[ [المائدة:68]). اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ / في «مصباح الظلام» (ص219): (المعرض: عما جاء الرسول r من الهدي، ودين الحق يكفر إن عرف ولم ينكر). اهـ
وقال الإمام ابن عبد الهادي / في «الصارم المنكي» (ص210): (وليس أحد من البشر، بل ولا من الخلق: يسمع أصوات العباد كلهم، ومن قال هذا في بشر: فقوله؛ من جنس قول النصارى الذين يقولون: إن المسيح هو الله، وأنه يعلم ما يفعله العباد، ويسمع أصواتهم، ويجيب دعاءهم، قال تعالى: ]لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم[ [المائدة:72]). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الرد على البكري» (ج2 ص731): (ونحن نعلم بالضرورة: أن رسول الله r لم يشرع لأمته؛ أن يدعو أحدا من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم.
* لا بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها، لأنه r لم يشرع للأمة السجود لميت، ولا إلى ميت، ونحو ذلك، بل نعلم أنه r: نهى عن كل هذه الأمور). اهـ
وقال العلامة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ / في «حكم تكفير المعين» (ص19): (وهذا من أعظم ما يبين الجواب عن قوله([84]) في الجاهل العابد لقبة الكواز؛ لأنه لم يستثن في ذلك لا جاهلا، ولا غيره، وهذه طريقة القرآن، تكفير من أشرك مطلقا). اهـ
قلت: وهذا يدل على أن كفر من اتبعهم؛ إنما هو مجرد اتباعهم، وتقليدهم في أمور مكفرة([85])، فالمقلد يكفر إذا تمكن من العلم، وتمكن من معرفة الحق([86])؛ فأعرض عنه، وعاند وأصر على باطله، كمن يكون في دار الإسلام. ([87])
قال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز / في «الفتاوى في العذر بالجهل» (ص15): (فالواجب على الرجال والنساء: من المسلمين، هو: التفقه في الدين، والتبصر، والسؤال عما أشكل عليهم، وعدم السكوت على الجهل، وعدم الإعراض، وعدم الغفلة؛ لأنهم: خلقوا ليعبدوا الله تعالى، ويطيعوه سبحانه، ولا سبيل إلى ذلك، إلا بالعلم، لا يحصل هكذا من دون طلب، ولا سؤال، لا بد من طلب العلم، ولا بد من السؤال: لأهل العلم، حتى يتعلم الجاهل). اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز / في «الفتاوى في العذر بالجهل» (ص26): (بل يجب عليهم أن يطلبوا العلم، وأن يتبصروا، وأن يتفقهوا في الدين، ويسألوا عما أشكل عليهم.
* هذا الواجب عليهم، إذا سكتوا، واستمروا على عبادة الأموات، أو الأشجار، أو الأحجار، أو الأنبياء، أو الملائكة، أو الجن؛ صاروا كفارا بذلك، في دعائهم إياهم، وطلبهم منهم: الشفاعة، أو شفاء المريض، أو رد الغائب، أو ما أشبه ذلك).اهـ
وقال العلامة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ / في «حكم تكفير المعين» (ص18): (مع أن العلامة ابن القيم / جزم بكفر المقلدين لمشايخهم في: «المسائل المكفرة»: إذا تمكنوا من طلب الحق ومعرفته، وتأهلوا لذلك، وأعرضوا ولم يلتفتوا). اهـ
وقال الإمام ابن رجب / في «القواعد» (ص343): (إذا زنى من نشأ في دار الإسلام بين المسلمين، وادعى الجهل بتحريم الزنا، لم يقبل قوله، لأن الظاهر يكذبه، وإن كان الأصل عدم علمه بذلك). اهـ
قلت: والمقصود من كلام الإمام ابن رجب /، أن حكم الزنا مشتهر، وذائع في دار الإسلام.
وعن أبي هريرة t قال: قال النبي r: (رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي، يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب). ([88])
وعن عائشة ﭭ قالت: قال رسول الله r: (رأيت جهنم: يحطم بعضها بعضا، ورأيت عمرا، يجر قصبه، وهو أول من سيب السوائب).([89])
فإن العرب: بقوا، قرونا على دين إبراهيم عليه السلام، حتى غير دينهم: «عمرو بن لحي الخزاعي».
قلت: وعمرو بن لحي، هو أول من غير دين إبراهيم عليه السلام، وقد استحسن هذا بجهله، فدخل النار، ولم يعذر بجهله، بل وكل من قلدوه في الجاهلية في ذلك، فهو مثله في نار جهنم، ولم يعذر بجهله.
قلت: وهذه الأحاديث تدل أن النبي r أخبر عنهم، أنهم في النار، وهم: من كبارهم، وأفاضلهم، فلم ينفعهم ذلك، بل منهم: من كان يتصدق، ويفعل الأعمال الطيبة، ومع ذلك لم ينفعه ذلك، لأنه مات على الكفر.
قال العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب / في «كشف الشبهات» (ص1): (وآخر الرسل: محمد r، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله الله تعالى، إلى أناس يتعبدون، ويحجون، ويتصدقون، ويذكرون الله تعالى كثيرا، ولكنهم: يجعلون بعض المخلوقات وسائط: بينهم، وبين الله تعالى). اهـ
وعن عكرمة / قال: في قوله تعالى: ]لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون[ [يس:6]؛ قال: (قد أنذروا). ([90])
وقال تعالى: ]لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون[ [يس:7].
فعن الضحاك بن مزاحم / قال: في قوله تعالى: ]لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون[ [يس:7]؛ قال: (سبق في علمه). ([91])
قلت: فسبق القول على من لا يؤمن في الحياة الدنيا. ([92])
قال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ / في «شرح كشف الشبهات» (ص101): (ولو كان فهمها -يعني: الحجة- شرطا، لما كان الكفر؛ إلا قسما، واحدا، وهو كفر الجحود، بل الكفر: أنواع، منه: الجهل، وغيره). اهـ
وقال تعالى: ]وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها[ [آل عمران:103].
قال الإمام الطبري / في «جامع البيان» (ج7 ص85): (على حرف، حفرة من النار، وإنما ذلك، مثل لكفرهم الذي كانوا عليه، قبل أن يهديهم الله تعالى، للإسلام). اهـ
قلت: وهذا يدل على أن أهل الجاهلية، كفرة، وهم في النار، ولم يعذرهم الله تعالى بجهلهم.
وقال الإمام الشافعي / في «الرسالة» (ص11): (فكانوا قبل إنقاذه إياهم: بمحمد r، أهل كفر، في تفرقهم، واجتماعهم، يجمعهم أعظم الأمور: الكفر بالله، وابتداع ما لم يأذن به الله تعالى، تعالى عما يقولون: علوا كبيرا، لا إله غيره). اهـ
وقال تعالى: ]يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير[ [المائدة:19].
قال الإمام الطبري / في «جامع البيان» (ج8 ص277): (أنه قد قطع عذرهم، برسوله r، وأبلغ عليهم في الحجة). اهـ
وقال العلامة الشوكاني / في «فتح القدير» (ج2 ص30): (قوله تعالى: ]أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير[ [المائدة:19]؛ تعليل: لمجيء الرسول r بالبيان على حين فترة؛ أي: كراهة أن تقولوا، هذا القول معتذرين عن تفريطكم؛ أي: لا تعتذروا، فقد جاءكم: بشير، ونذير، وهو: محمد r). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج16 ص483): (قوله تعالى: ]حتى تأتيهم البينة[ [البينة:1]؛ ومعناه: الماضي، والبينة: الرسول، وهو محمد r، بين لهم ضلالهم، وجهلهم). اهـ
وقال العلامة الشيخ أبو بطين النجدي مفتي الديار النجدية / في «الانتصار» (ص46): (قد ذكر أهل العلم من أهل كل مذهب: أشياء كثيرة، لا يمكن حصرها من الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، أنه يكفر صاحبها، ولم يقيدوا ذلك بالمعاند، فالمدعي أن مرتكب الكفر: «متأولا»، أو «مجتهدا»، أو «مخطئا»، أو «مقلدا»، أو «جاهلا»، معذور، مخالف: للكتاب، والسنة، والإجماع؛ بلا شك). اهـ
* وأما ما يقع منه في: «المسائل الظاهرة الجلية»، أو ما يعلم من الدين بالضرورة، فهذا لا يتوقف في كفر قائله، أو فاعله. ([93])
قال العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب / في «الدرر السنية» (ج8 ص244): (إن الشخص المعين، إذا قال ما يوجب الكفر، فإنه لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة، التي يكفر تاركها، وهذا في: «المسائل الخفية»، التي قد يخفى دليلها على بعض الناس.
* وأما ما يقع منهم: في «المسائل الظاهرة الجلية»، أو ما يعلم من الدين بالضرورة، فهذا لا يتوقف في كفر قائله). اهـ
وقال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ / في «الفتاوى» (ج1 ص73 و74): (ثم إن الذين توقفوا، في تكفير المعين، في الأشياء التي يخفى دليلها، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية، من حيث الثبوت، والدلالة.
* فإذا أوضحت له بالبيان الكافي: كفر، سواء فهم أو أنكر، ليس كفر الكفار كله عن عناد، أما ما علم بالضرورة، أن الرسول r جاء به، فهذا يكفر بمجرد ذلك، ولا يحتاج إلى تعريف سواء: في الأصول، أو الفروع([94])، ما لم يكن حديث عهد بالإسلام). اهـ
* فشيخ الإسلام ابن تيمية /، يكفر المعين، إذا وقع منه في: «المسائل الجلية» المعلومة من الدين بالضرورة؛ مثل: عبادة القبور، والاستغاثة بها، وترك الصلاة، وترك الأركان، وما شابه ذلك من أصول الإسلام، لوضوح البرهان فيها، وقيام الحجة بالرسالة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج35 ص105): (من لم يعتقد وجوب الصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق، ولا يحرم ما حرم الله تعالى، ورسوله r، من الفواحش، والظلم، والشرك، والإفك، فهو كافر، مرتد: يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل؛ باتفاق أئمة المسلمين، ولا يغني عنه التكلم: بالشهادتين). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج35 ص105): (إن كل من تكلم بـ«الشهادتين»، ولم يؤد الفرائض، ولم يجتنب المحارم، يدخل الجنة، ولا يعذب أحد منهم بالنار، فهو كافر، مرتد، يجب أن يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل). اهـ
قلت: وهذا يدل على أن شيخ الإسلام ابن تيمية /، يكفر المعين في «المسائل الظاهرة».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج1 ص124): (فمن جعل: الملائكة، والأنبياء، وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم: جلب المنافع، ودفع المضار، مثل: أن يسألهم؛ غفران الذنب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو: كافر؛ بإجماع المسلمين). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج1 ص124)؛ في معرض حديثه، عن الأدعية الشركية: (أن يدعو غير الله تعالى، وهو: ميت، أو غائب، سواء كان من الأنبياء، والصالحين، أو غيرهم، فيقول: يا سيدي: فلان «أغثني»، أو «أنا أستجير بك»، أو «أستغيث بك»، أو «انصرني على عدوي»، ونحو ذلك، فهذا هو: «الشرك بالله»، وأعظم من ذلك، أن يقول: «اغفر لي»، و«تب علي»، كما يفعله: طائفة من الجهال المشركين). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج30 ص108)؛ في تكفير الحلاج: (الحلاج: قتل على الزندقة، التي ثبتت عليه بإقراره، وبغير إقراره، والأمر الذي ثبت عليه، بما يوجب القتل؛ باتفاق المسلمين). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية /: (من استغاث بميت، أو غائب من البشر، بحيث يدعوه في الشدائد، والكربات، ويطلب منه قضاء الحوائج، فيقول: «يا سيدي فلان» أنا في حسبك وجوارك، أو يقول: عند هجوم العدو عليه: «ياسيدي فلان» يستوحيه، ويستغيث به، أو يقول ذلك، عند مرضه، وفقره، وغير ذلك من حاجاته، فإن هذا ضال، جاهل، مشرك، عاص لله تعالى، باتفاق المسلمين) ([95]). اهـ
* وسئل العلامة الشيخ أبا بطين النجدي /، عن تكفير المعين؛ فأجاب: (نقول في تكفير المعين: ظاهر الآيات، والأحاديث، وكلام جمهور العلماء، تدل على كفر من أشرك بالله، فعبد معه غيره، ولم تفرق الأدلة بين المعين وغيره، قال تعالى: ]إن الله لا يغفر أن يشرك به[ [النساء:48]، وقال تعالى: ]فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم[ [التوبة:5]، وجميع العلماء: في كتب الفقه يذكرون «حكم المرتد»، وأول ما يذكرون من أنواع الكفر والردة: «الشرك»، فقالوا: من «أشرك بالله كفر»، ومن زعم لله صاحبة، أو ولدا: كفر، ولم يستثنوا الجاهل، ويذكرون أنواعا، مجمعا على كفر صاحبها، ولم يفرقوا بين المعين وغيره) ([96]). اهـ
وقال العلامة الشيخ أبو بطين /؛ وهو يرد على من قال إن المقلد في الشرك معذور: (قد افترى، وكذب على الله تعالى، وقد قال الله تعالى؛ عن المقلدين من أهل النار: ]إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا[ [الأحزاب:67]، وقال تعالى؛ حاكيا، عن الكفار: قولهم: ]إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون[ [الزخرف:22]، واستدل العلماء: بهذه الآية ونحوها، على أنه لا يجوز التقليد في التوحيد، والرسالة، وأصول الدين، وأن فرضا على كل مكلف، أن يعرف التوحيد بدليله، وكذلك الرسالة، وسائر أصول الدين، لأن أدلة هذه النصوص ظاهرة) ([97]). اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ / في «فتاوى الأئمة النجدية» (ج3 ص226): (ولا ريب: أن الله تعالى، لم يعذر أهل الجاهلية، الذين لا كتاب لهم، بهذا: «الشرك الأكبر»، فكيف يعذر أمة، كتاب الله تعالى بين أيديهم، يقرؤونه، وهو حجة الله تعالى على عباده). اهـ
وقال العلامة الشيخ سليمان بن سحمان / في «فتاوى الأئمة النجدية» (ج3 ص231): (إن الشرك الأكبر: من عبادة غير الله تعالى، صرفها، لمن أشركوا به، مع الله تعالى، من الأنبياء، والأولياء، والصالحين، فإن هذا: لا يعذر أحد في الجهل به، بل معرفته، والإيمان به من ضروريات الإسلام). اهـ
هذا آخر ما وفقني الله سبحانه وتعالى إليه في تصنيف هذا الكتاب النافع المبارك ـ إن شاء الله ـ سائلا ربي جل وعلا أن يكتب لي به أجرا، ويحط عــنـي به وزرا،
وأن يجعله لي عنده يوم القيامة ذخرا ... وصلى الله وسـلـم
وبارك على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين
فهرس الموضوعات
|
الرقم |
الموضوع |
الصفحة |
|
1) |
المقدمة..................................................................................................... |
5 |
|
2) |
ذكر الدليل على أن حجة الله تعالى قامت على الخلق، بنزول القرآن الكريم، وبرسالة السنة النبوية، وإن لم يفهموا حجة الله تعالى؛ لأنهم: يعقلون ويعلمون بحجة الله تعالى، وبحجة الرسول صلى الله عليه وسلم............................................................................. |
36 |
([1]) انظر: «الدرر السنية» (ج10 ص93 و95)، و«مجموع الفتاوى النجدية» (ج3 ص238)، و«حكم تكفير المعين، والفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة» للشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ (ص11 و12)، و«مسألة في العذر بالجهل» للشيخ ابن باز (ص15 و26 و27 و36 و43)، و«مسألة العذر بالجهل» للشيخ الفوزان (ص57)، و«شرح كشف الشبهات» للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ص101)، و«الضياء الشارق في الرد على المازق المارق» لابن سحمان النجدي (ص290 و291)، و«فتاوى اللجنة الدائمة» (ج2 ص96 و99).
([3]) وهذه الصفات، التي تميز بها كلام الله تعالى، وكلام رسوله r، القصد منها أساسا، إفهام الناس، خطاب الله تعالى الموجه إليهم، والمتضمن بعبادة الله تعالى وحده وطاعته، والنهي عن عبادة غير الله تعالى معه، أو من دونه، والنهي عن عصيانه تعالى.
([6]) الفهم: يعني، الفهم على التفصيل، فلا حاجة منه، بالنسبة إلى قيام الحجة، فمن بلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة.
وانظر: «الدرر السنية» (ج10 ص93 و95).
([7]) أخرجه البخاري في «صحيحه» (ج12 ص295)؛ في كتاب: «استتابة المرتدين»، في باب: «قتل الخوارج» (6930)، ومسلم في «صحيحه» (1066) من حديث علي بن أبي طالب t.
أخرجه الترمذي في «سننه» (3000)، وابن ماجه في «سننه» (176)، وأحمد في «المسند» (ج5 ص250) من حديث أبي أمامة t.
([14]) قلت: وأما على الإجمال، فإنه يفهم حجة القرآن، ويفهم السنة، ويعلم أنه رسول الله r إذا سمع به، ويدري بالرسالة إذا وصلت إليه، وسمع بها.
([22]) فأما اليوم، وقد شاع الدين في الأرض، واستفاض في دار الإسلام، علم الأصول، وعلم الفروع في العالم كله.
* حتى في دار الكفر شاع دين الإسلام، بين الكفار؛ لوجود المسلمين بينهم، فلا عذر لأحد من الخلق بسبب الجهل، لأن الحجة قامت عليهم، ببلوغ القرآن إليهم، وترجمة القرآن بغالب اللغات في العالم، وبلغت رسالة الرسول r لذلك.
([23]) ومنه ما هو مختص بالعلماء فقط، وهذا في الأمور الدقيقة، بحيث يكون معلوما لهم بالضرورة، ولا يكون كذلك لمن هم دونهم في العلم، كالعامة مثلا.
انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي (ص70).
([25]) لذلك ترى الكفار من اليهود والنصارى، والمجوس وغيرهم، يعادون الدين الإسلامي، لعلمهم، بأنه دين الحق، الذي أنزله الله تعالى للخلق كافة.
* فعلموا هذا الدين على الإجمال، وفهموه في الجملة، فقامت عليهم الحجة، فكفروا بالله تعالى، وبرسوله r.
([26]) والفهم المنفي: عن الخلق، هو فهم التفقه فقط ابتداء، ولم ينف الله تعالى عنهم: ابتداء، الفهم المجمل، الذي تقوم عليهم الحجة، ببلوغ القرآن إليهم.
قال تعالى: ]وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19].
وقال تعالى: ]رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل[ [النساء:165].
وعن عبد الله بن عمرو t قال: قال رسول الله r: (بلغوا عني ولو آية).
أخرجه البخاري في «صحيحه» (3461).
([28]) انظر: «شفاء العليل» لابن القيم (ص168 و169)، و«طريق الهجرتين» له (ص413 و414).
قلت: والناس أقسام؛ حيال حجة الله تعالى:
* فمنهم: القابل لها، والمذعن لأحكامها.
* ومنهم: المعرض عن حجة الله تعالى.
* ومنهم: العالم بها، المعاند لها.
* ومنهم: الجاهل بها، مع عدم التمكين من معرفتها، إلا ابتداء.
* ومنهم: الجاهل بها، مع عدم التمكين من معرفتها على وجه التفصيل في الأحكام إلى أن مات.
قلت: ولكل قسم، من هذه الأقسام: حكمه عند الله تعالى.
([29]) قلت: أصحاب الفترة، قد قامت عليهم الحجة بالرسالات؛ إلى قيام الساعة؛ فلا عذر لهم، فيما وقعوا فيه من الشرك مثلا.
* والذين قالوا بعذر أهل الفترة، ابتداء، هم: عدد من أهل العلم المتأخرين، حيث أطلقوا على أهل الفترة، هم: الذين لم تبلغهم الدعوة، وبما فيهم: أطفال المشركين، وأنهم: يمتحنون يوم القيامة، وهذا ليس بصحيح، ولذلك أنهم: استدلوا، باجتهادهم على الأحاديث الضعيفة في ذلك، وهي ليست بحجة في الإسلام.
* وأهل الفترة: على الصحيح، هم: الذين عاشوا بين رسولين، لم يرسل إليهم الرسول الأول، ولم يدركوا الرسول الثاني، فهم: بين فترة من الرسل عليهم السلام، وهؤلاء: قامت عليهم الحجة بالرسول الذي من قبلهم، وببقايا من أهل العلم في تلك الفترة.
([30]) قلت: لا يعذر أحد بالجهل، حتى من أهل الفترة؛ لأنه قامت عليهم الحجة بالرسول الذي من قبلهم، وببقايا من أهل العلم، فقد بلغتهم الدعوة على ذلك، فلا وجود «لأهل الفترة» على وجه الأرض لا في قديم الزمان، ولا في هذا الزمان، إلى قيام الساعة.
([32]) لذلك، لا عذر لمن نشأ ببادية بعيدة، لم يتعلم الدين، في الأصول، والفروع، لأنه استفاضت الأحكام، حتى في البادية الآن، وانتشر العلم عندهم، عن طريق الوسائل الحديثة، وغيرها، بين أهل البادية، بجميع أنواعهم، وأماكنهم في البلدان.
([35]) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب: «الإيمان»، باب: «فضل من استبرأ لدينه» (52)، ومسلم في «صحيحه» (1599)، من حديث النعمان بن بشير t.
([36]) أخرجه البخاري في «صحيحه» (ج12 ص295)؛ في كتاب: «استتابة المرتدين»، في باب: «قتل الخوارج» (6930)، ومسلم في «صحيحه» (1066) من حديث علي بن أبي طالب t.
أخرجه الترمذي في «سننه» (3000)، وابن ماجه في «سننه» (176)، وأحمد في «المسند» (ج5 ص250) من حديث أبي أمامة t.
([39]) قلت: وأما على الإجمال، فإنه يفهم حجة القرآن، ويفهم السنة، ويعلم أنه رسول الله r إذا سمع به، ويدري بالرسالة إذا وصلت إليه، وسمع بها.
([43]) فأما اليوم، وقد شاع الدين في الأرض، واستفاض في دار الإسلام، علم الأصول، وعلم الفروع في العالم كله.
* حتى في دار الكفر شاع دين الإسلام، بين الكفار؛ لوجود المسلمين بينهم، فلا عذر لأحد من الخلق بسبب الجهل، لأن الحجة قامت عليهم، ببلوغ القرآن إليهم، وترجمة القرآن بغالب اللغات في العالم، وبلغت رسالة الرسول r لذلك.
([44]) ومنه ما هو مختص بالعلماء فقط، وهذا في الأمور الدقيقة، بحيث يكون معلوما لهم بالضرورة، ولا يكون كذلك لمن هم دونهم في العلم، كالعامة مثلا.
انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي (ص70).
([46]) لذلك ترى الكفار من اليهود والنصارى، والمجوس وغيرهم، يعادون الدين الإسلامي، لعلمهم، بأنه دين الحق، الذي أنزله الله تعالى للخلق كافة.
* فعلموا هذا الدين على الإجمال، وفهموه في الجملة، فقامت عليهم الحجة، فكفروا بالله تعالى، وبرسوله r.
([47]) والفهم المنفي: عن الخلق، هو فهم التفقه فقط ابتداء، ولم ينف الله تعالى عنهم: ابتداء، الفهم المجمل، الذي تقوم عليهم الحجة، ببلوغ القرآن إليهم.
قال تعالى: ]وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19].
وقال تعالى: ]رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل[ [النساء:165].
وعن عبد الله بن عمرو t قال: قال رسول الله r: (بلغوا عني ولو آية).
أخرجه البخاري في «صحيحه» (3461).
([49]) انظر: «شفاء العليل» لابن القيم (ص168 و169)، و«طريق الهجرتين» له (ص413 و414).
قلت: والناس أقسام؛ حيال حجة الله تعالى:
* فمنهم: القابل لها، والمذعن لأحكامها.
* ومنهم: المعرض عن حجة الله تعالى.
* ومنهم: العالم بها، المعاند لها.
* ومنهم: الجاهل بها، مع عدم التمكين من معرفتها، إلا ابتداء.
* ومنهم: الجاهل بها، مع عدم التمكين من معرفتها على وجه التفصيل في الأحكام إلى أن مات.
قلت: ولكل قسم، من هذه الأقسام: حكمه عند الله تعالى.
([50]) قلت: أصحاب الفترة، قد قامت عليهم الحجة بالرسالات؛ إلى قيام الساعة؛ فلا عذر لهم، فيما وقعوا فيه من الشرك مثلا.
* والذين قالوا بعذر أهل الفترة، ابتداء، هم: عدد من أهل العلم المتأخرين، حيث أطلقوا على أهل الفترة، هم: الذين لم تبلغهم الدعوة، وبما فيهم: أطفال المشركين، وأنهم: يمتحنون يوم القيامة، وهذا ليس بصحيح، ولذلك أنهم: استدلوا، باجتهادهم على الأحاديث الضعيفة في ذلك، وهي ليست بحجة في الإسلام.
* وأهل الفترة: على الصحيح، هم: الذين عاشوا بين رسولين، لم يرسل إليهم الرسول الأول، ولم يدركوا الرسول الثاني، فهم: بين فترة من الرسل عليهم السلام، وهؤلاء: قامت عليهم الحجة بالرسول الذي من قبلهم، وببقايا من أهل العلم في تلك الفترة.
([51]) قلت: لا يعذر أحد بالجهل، حتى من أهل الفترة؛ لأنه قامت عليهم الحجة بالرسول الذي من قبلهم، وببقايا من أهل العلم، فقد بلغتهم الدعوة على ذلك، فلا وجود «لأهل الفترة» على وجه الأرض لا في قديم الزمان، ولا في هذا الزمان، إلى قيام الساعة.
([53]) لذلك، لا عذر لمن نشأ ببادية بعيدة، لم يتعلم الدين، في الأصول، والفروع، لأنه استفاضت الأحكام، حتى في البادية الآن، وانتشر العلم عندهم، عن طريق الوسائل الحديثة، وغيرها، بين أهل البادية، بجميع أنواعهم، وأماكنهم في البلدان.
([55]) قلت: والمرجئ لا يبدي قوله في اعتراضه، وتلبيسه؛ إلا هي أكبر من أختها في الجهالة، والضلالة.
وانظر: «مصباح الظلام» للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (ص234).
([56]) وانظر: «مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب» (ج3 ص159 -160)، و«فتاوى الأئمة النجدية» (ج3 ص238).
أخرجه ابن أبي أسامة في «المسند» (ص221-الزوائد)، والآجري في «الشريعة» (ج1 ص156)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (ج15 ص307)، وابن أبي عاصم في «السنة» (ج1 ص34)، واللالكائي في «الاعتقاد» (ج1 ص102) من حديث أبي أمامة t.
وإسناده حسن.
([59]) وانظر: «فتاوى الأئمة النجدية» (ج3 ص122)، و«حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة» للشيخ إسحاق آل الشيخ (ص11 و12)، و«ضوابط تكفير المعين» للراشد (ص53)، «تقديم الشيخ الفوزان»، و«مسألة العذر بالجهل» للشيخ الفوزان (ص55)، و«فتاوى العذر بالجهل» للشيخ ابن باز (ص43 و47 و48)، و«الفتاوى» لشيخنا ابن عثيمين (ج2 ص126).
([61]) ألا يكون عديم العقل، والتمييز؛ كالصغير، والمجنون، وغيرهما.
وانظر: «فتاوى الأئمة النجدية» (ج3 ص243 و244)، و«كشف الشبهتين» لابن سحمان (ص91 و92).
([62]) وانظر: «فتاوى الأئمة النجدية» (ج3 ص243 244)، و«الدرر السنية» (ج10 ص360 و375)، و«فتاوى نور على الدرب» لشيخنا ابن عثيمين (ج1 ص659)، و«الفتاوى» له (ج2 ص126)، و«القول المفيد على كتاب التوحيد» له أيضا (ص297)، و«فتاوى في العذر بالجهل» للشيخ ابن باز (ص 12 و13)، و«حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة» للشيخ إسحاق آل الشيخ (ص 17).
([63]) وانظر: «فتاوى الأئمة النجدية» (ج3 ص311)، و«الدرر السنية» (ج10 ص360 و375)، و«الضياء الشارق في الرد على المازق المارق» للشيخ ابن سحمان (ص290 و291)، و«حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة» للشيخ إسحاق آل الشيخ (ص 19 و20)، )، و«فتاوى في العذر بالجهل» للشيخ ابن باز (ص 12 و13).
([64]) ولم يعذر أهل العلم الجاهل؛ إلا من كان لقرب عهده بالإسلام، في مدة قصيرة، أما إذا أخذ فترة طويلة في الإسلام، ولم يتعلم وأهمل العلم، ووقع في الشرك الأكبر، وترك الفرائض، فهذا لا يعذر بجهله بعد ذلك، أو لنشأته ببادية بعيدة مثلا، لم يصل إليه الإسلام مطلقا، أو بأرض بعيدة لم يصل إليه القرآن والسنة مطلقا، فهذا لا نكفره إلا بعد قيام الحجة عليه، وبلوغ الرسالة إليه، فهذا إن وجد في هذا الزمان.
* أما الجاهل الذي في دار الإسلام، فهذا قامت عليه الحجة أصلا عند أهل العلم، وبلغته الرسالة، ووصل إليه القرآن، فهذا يكفر إذا وقع في الكفر.
* وذلك بمثل: الذي في البلدان الإسلامية، وغيرها من البلدان على وجه الأرض الآن، لأنه بلغته الحجة، والرسالة.
* وكذلك: الذي نشأ الآن في البادية بلغته الحجة، ووصل إليه القرآن والسنة، فلا يعذر هذا.
وانظر: «تقديم الشيخ الفوزان، لفتاوى الشيخ ابن باز في العذر بالجهل» (ص7 و55 و57).
([65]) فالصرف، والعطف، هذا نوع من السحر، فمن فعله، أو رضي به كفر.
والدليل: قوله تعالى: ]وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر[ [البقرة: 102].
وقوله تعالى: ]وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر[ [البقرة: 102].
قلت: والسحر، محرم في جميع شرائع الرسل عليهم السلام.
([67]) وليس من شرط قيام الحجة: فهم الحجة، ففهمها: نوع، وبلوغها: نوع آخر.
قلت: والمعين إذا قامت عليه الحجة، ببلوغها، وكان عاقلا، مميزا، يسمع الحجة، فإنه يكفر.
([72]) فمجرد بلوغ الحجة كاف في قيامها على المعين مطلقا، وعدم إعذاره، حتى لو كانت له شبهة، وهذا منهج أهل السنة والجماعة.
([75]) وانظر: «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (ج10 ص89)، و«شرح كشف الشبهات» للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ص101)، و«الفتاوى» للشيخ ابن باز (ج2 ص282 و284)، و«حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة» للشيخ إسحاق آل الشيخ (ص17 و18)، و«مسألة العذر بالجهل» للشيخ الفوزان (ص55 و57)، و«فتاوى لقاءات الباب المفتوح» لشيخنا ابن عثيمين (ج3 ص215)، و«الفتاوى» له (ج2 ص126)، و«فتاوى نور على الدرب» له أيضا (ج1 ص659).
([76]) وانظر: «فتاوى الأئمة النجدية» (ج3 ص194)، و«الدرر السنية» (ج11 ص446)، و«مسألة العذر بالجهل» للشيخ الفوزان (ص57)، و«الفتاوى في العذر بالجهل» للشيخ ابن باز (ص29 و43)، و«حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة» للشيخ إسحاق آل الشيخ (ص10 و11)، و«الانتصار لحزب الله تعالى» للشيخ أبا بطين (ص46)، و«القول المفيد على التوحيد» لشيخنا ابن عثيمين (ص97 و264)، و«فتاوى نور على الدرب» له (ج1 ص431).
([77]) وانظر: «منهاج التأسيس والتقديس في الرد على المبطل داود بن سليمان بن جرجيس» للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (ص83).
([78]) وانظر: «منهاج التأسيس والتقديس في الرد على المبطل داود بن سليمان بن جرجيس» للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (ص83 و84).
([79]) قلت: وهذا مما اتفقت عليه جميع الكتب، والرسل، وهو من المحكم الذي لا يجوز أن تأتي شريعة بخلافه، ولا يخبر نبي بخلافه.
([83]) وهذا مثل: الذي يحتجون بالأعمال الخيرية، وهم: متحزبون في الدين، ولا يلتزمون بالدين.
قال تعالى: ]إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر[ [التوبة:18].
وقال تعالى: ]وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين[ [الأعراف:102].
وانظر: «مصباح الظلام» للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (ص75).
([86]) أما المقلد الذي لم يتمكن من معرفة العلم، ووقع في شيء من الخطأ في الفروع، فهذا لا يكفر، للعذر بجهله.
([87]) وانظر: «حكم تكفير المعين» للشيخ إسحاق آل الشيخ (ص21)، و«فتاوى في العذر بالجهل» للشيخ ابن باز (ص14 و15 و20 و24 و27).
أخرجه الطبري في «جامع البيان» (ج22 ص150).
وإسناده صحيح.
وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (ج12 ص321).
أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسير القرآن» (ج13 ص177).
وإسناده حسن.
وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (ج12 ص322).
([93]) وانظر: «الدرر السنية» (ج8 ص244)، و(ج10 ص433 و438 و515 و516)، و«فتاوى الأئمة النجدية» (ج3 ص144 و146)، و«إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله» للشيخ ابن باز (ص22 و23 و34 و38).