القائمة الرئيسة
الرئيسية / سلسلة النصيحة الذهبية للعودة إلى السلفية / النصيحة الذهبية من الإمام إسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي الحنبلي: أبي الفضل الزاهد القدوة رحمه الله إلى أبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله فيما أخطأ فيه في الأصول والفروع في الدين

2026-08-26

صورة 1
النصيحة الذهبية من الإمام إسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي الحنبلي: أبي الفضل الزاهد القدوة رحمه الله إلى أبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله فيما أخطأ فيه في الأصول والفروع في الدين

 

 

 

 

 

                                                                                                                 

                                                                                 

 

النصيحة الذهبية

من الإمام إسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي الحنبلي: أبي الفضل الزاهد القدوة /

إلى أبي الفرج ابن الجوزي /

فيما أخطأ فيه في الأصول والفروع في الدين

 

 

إعداد:

فضيلة الشيخ المحدث الفقيه

أبي عبد الرحمن فوزي بن عبد الله الحميدي الأثري

حفظه الله ورعاه

 

        

إعصار فيه نار

فتوى

العلامة الشيخ أحمد بن حجر آل بو طامي / 

في

شدة الخطر الذي يحيط بالمسلم إذا أخذ بزلات العلماء

في الدين

 

قال العلامة الشيخ أحمد بن حجر آل بو طامي / في «إعلام الأنام» (ص8): (ولو تتبع المسلم العاقل العارف بدينه زلات العلماء ([1])، لأوشك أن يخرج من الدين).اهـ

قال أبو عبد الرحمن الأثري: لأوشك أن يخرج من الدين، وهو لا يشعر؛ لأن البدعة الصغيرة بريد إلى البدعة الكبيرة ولا بد، وأخذ زلات العلماء عن طريق تقليدهم من البدع في الدين([2])، نعوذ بالله من الخذلان.

قال الحافظ ابن حجر / في «فتح الباري» (ج12 ص30): (من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينا على دين الإسلام). اهـ.

 

ﭑ ﭑ ﭑ

 

 

 

 

        

وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت

المقدمة

 

الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، يبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم!.

* ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتنة المضلين ([3]).

أما بعد:

فهذه وريقات جليلة، وصفحات مشرقة، تتضمن نصيحة: الإمام أبي الفضل العلثي /، للإمام أبي الفرج ابن الجوزي /، فيما أخطأ فيه في اجتهاداته في أحكام الدين.

* وهي نصيحة مهمة أيضا لكل من يتصدر الإفتاء، والتدريس للمسلمين، وأنه لا بد أن يعتقد أنه يخطئ ويصيب، وأنه ليس بمعصوم في الدين.

* لذلك: يجب الرد عليه، ونصحه فيما زل فيه وأخطأ، حتى لو كان عالما من أهل السنة والجماعة، لأنه ليس بمعصوم من الخطأ في الاجتهاد. ([4])

 قال الإمام ابن رجب / في «الفرق بين النصيحة والتعيير» (ص25): (اعلم: أن ذكر الإنسان بما يكره محرم، إذا كان المقصود منه مجرد الذم، والعيب، والنقص.

* فأما إن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين، أو خاصة لبعضهم، وكان المقصود منه تحصيل تلك المصلحة فليس بمحرم، بل مندوب إليه.

* وقد قرر علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل، وذكروا الفرق بين جرح الرواة، وبين الغيبة، وردوا على من سوى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتسع علمه، ولا فرق بين الطعن في رواة ألفاظ الحديث، ولا التمييز بين من تقبل روايته منهم، ومن لا تقبل، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة، وتأول شيئـا منها على غير تأويله، وتمسك بما لا يتمسك به، ليحذر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه، وقد أجمع العلماء على جواز ذلك أيضا). اهـ.

وقال الإمام ابن رجب / في «الفرق بين النصيحة والتعيير» (ص29): (فحينئذ، فرد المقالات الضعيفة، وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية، ليس هو مما يكرهه أولـٰئك العلماء، بل مما يحبونه، ويمدحون فاعله، ويثنون عليه، فلا يكون داخلا في باب الغيبة بالكلية.

* فلو فرض أن أحدا يكره إظهار خطئه المخالف للحق، فلا عبرة بكراهته لذلك، فإن كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفا لقول الرجل؛ ليس من الخصال المحمودة، بل الواجب على المسلم أن يحب ظهور الحق، ومعرفة المسلمين له، سواء كان ذلك في موافقته أو مخالفته، وهذا من النصيحة لله، ولكتابه، ورسوله، ودينه، وأئمة المسلمين وعامتهم، وذلك([5]) هو: الدين كما أخبر به النبي r، وأما بيان خطأ من أخطأ من العلماء قبله، إذا تأدب في الخطاب، وأحسن الرد والجواب، فلا حرج عليه، ولا لوم يتوجه إليه، وإن صدر منه من الاغترار بمقالته فلا حرج عليه.

* وقد بالغ الأئمة الورعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء، وردها أبلغ الرد، كما كان الإمام أحمد ينكر على أبي ثور، وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها، ويبالغ في ردها عليهم، هذا كله حكم الظاهر). اهـ.

  وبوب الحافظ البيهقي / في «المدخل» (ج2 ص870): باب ما يخشى من زلة العالم أو العمل.

وبوب الإمام ابن المبارك / في «الرقائق» (ج2 ص681): باب في زلة العالم.

قلت: وأكثر الناس يفتنون بزلة عالم، ولأنه إذا زل العالم زل بزلته عالم كثير ([6])، والعياذ بالله.

فعن الحسن البصري / قال: (لم يبق من العلم إلا غبرات ([7]) قليل في أوعية سوء، فانظروا عمن تأخذوا دينكم).([8])

وبوب الحافظ ابن أبي إياس / في «العلم» (ص162): باب أخذ العلم من غير أهله.([9])

قلت: وهؤلاء يضلون الناس ويحدثونهم بغير علم، والله المستعان.

قال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين / في «شرح القواعد المثلى» (ص226): (ومن هنا نعرف أن زلة العالم أشد من زلة غيره). اهـ.

وقال العلامة الشيخ أحمد بن حجر آل بو طامي / في «إعلام الأنام» (ص8): (ولو تتبع المسلم العاقل العارف بدينه زلات العلماء؛ لأوشك أن يخرج من الدين).اهـ.

* لهذا استقر أمر مذهب: أهل السنة والجماعة، على تبيين خطأ من أخطأ في الفتاوى، كائنا من كان.

* حتى صاروا يذكرون هذا الأصل: في الرد على المخالف في كتبهم، ويأمرون بذلك.   

قلت: ولهذا يجب أن نبين الحق الذي يجب اتباعه، وإن كان فيه بيان خطأ من أخطأ من الدعاة.

* وهذا التبيين هو من إنكار المنكر، وهو لحفظ الشريعة، وصيانتها عن أن تلزم بأخطاء الدعاة، وهو من النصيحة لله تعالى، ولكتابه الكريم، ورسوله r.([10])

قال الحافظ ابن رجب / في «جامع العلوم والحكم» (ص85): (ومن أنواع النصح لله، وكتابه، ورسوله، رد الأهواء المضلة بالكتاب والسنة على موردها، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها.

وكذلك: رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردها). اهـ

قلت: وهذا الأصل العظيم شوش عليه دعاة التجميع؛ فصاحوا بمن قام بهذا الأصل العظيم، وسموا من قام بهذا الواجب بداعية الفتنة!.

* وهذا مقام خطر؛ فإن الأخطاء، والبدع تصان طلبا لإزالة الفتنة التي زعموا، ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة لما فيه من صيانة الباطل، ومحاربة من ينكرونه.

بل وصل بهم الأمر أن نزلوا نصوص الخوارج في حق المنكرين، فقالوا عنهم: خوارج مع الدعاة!.

قال الحافظ ابن عبد البر / في «الجامع» (ج2 ص982): (وشبه العلماء زلة العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير، وإذا ثبت وصح أن العالم يخطئ ويزل لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه). اهـ.

وقال الإمام ابن حزم / في «المحلى بالآثار» (ج1 ص488): (ولا يحل لأحد أن يقلد أحدا، لا حيا ولا ميتا). اهـ.

وقال الإمام ابن القيم / في «إعلام الموقعين» (ج3 ص462): (تحريم الإفتاء بالتقليد، فإنه إفتاء بغير ثبت؛ فإن الثبت الحجة التي يثبت بها الحكم باتفاق الناس). اهـ.

وقال العلامة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في «الأجوبة المفيدة» (ص64): (من يغلو في التقليد حتى يتعصب لآراء الرجال، وإن خالفت الدليل، وهذا مذموم، وقد يؤول للكفر). اهـ

قلت: فالتقليد عند العلماء غير الاتباع؛ لأن التقليد؛ كما بينا هو الأخذ بقول الغير بلا حجة.

قال الحافظ ابن رجب / في « الفرق بين النصيحة والتعيير» (ص25): (وأما إذا كان مراد الراد بذلك إظهار عيب من رد عليه، وتنقصه، وتبيين جهله، وقصوره في العلم بزعمه - ونحو ذلك كان محرما، سواء كان رده لذلك في وجه من رد عليه، أو في غيبته، وسواء كان في حياته، أو بعد موته، وهذا داخل فيما ذمه الله تعالى في كتابه، وتوعد عليه في الهمز واللمز). اهـ

وقال الحافظ ابن رجب / في «الفرق بين النصيحة والتعيير» (ص22): (وأما بيان خطأ من أخطأ من العلماء قبله، إذا تأدب في الخطاب، وأحسن في الرد والجواب فلا حرج عليه، ولا لوم يتوجه إليه). اهـ

وقال الحافظ ابن رجب / في «الفرق بين النصيحة والتعيير» (ص29): (وأما إشاعة، وإظهار العيوب فهو مما حرمه الله تعالى، ورسـوله r، قال الله تعالى: ]إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون [[النور:19]، فلهذا كان إشاعة الفاحشة مقترنة بالتعيير، وهما من خصال الفجار، لأن الفاجر لا غرض له في زوال المفاسـد، ولا في اجتناب المؤمن للنقائص والمعايب، إنما غرضه في مجرد إشاعة العيب في أخيه المؤمن، وهتك عرضه، فهو يعيد ذلك ويبديه، ومقصوده تنقص أخيه المؤمن في إظهار عيوبه، ومساويه للناس ليدخل عليه بذلك الضرر في الدنيا!). اهـ

وقال الحافظ ابن رجب / في «الفرق بين النصيحة والتعيير» (ص30): (وأما الحامل للفاجر على إشاعة السوء وهتكه، فهو القسوة والغلظة، ومحبته إيذاء أخيه المؤمن، وإدخال الضرر عليه، وهذه صفة الشيطان الذي يزين لبني آدم الكفر، والفسوق، والعصيان ليصيروا بذلك من أهل النيران، كما قال تعالى: ]إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحـاب السعير[ [فاطر:6] ... فشتان بين من قصده النصيحة، وبين من قصده الفضيحة، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى إلا على من ليس من ذوي العقول الصحيحة). اهـ

قلت: ومـن أعـظـم القـربـات إلى الله تعالى توحيد الكلمة على شـرع الله تعالى،

وإشاعة الألفة والمحبة والأخوة ([11]) بين المسلمين، ومراعاة ما أوجبه الله تعالى علينا من الحقوق تجاه إخواننا، وهذا لا يأتي إلا بعد علم، ومعرفة، واطلاع.

قال تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم[ [الحجرات:12].

* يقول الله تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة، والتخون للأهل، والأقـارب، والنــاس في غيـر مـحـلـه، لأن بعـض ذلـك يـكون إثـمـا مـحـضا، فليجتنب كثير منه احتياطا.([12])

قال الحافظ ابن رجب / في «الفرق بين النصيحة والتعيير» (ص26): (ومن حمل كلامه، والحال على ما ذكر، فهو ممن يظن بالبريء الظن السوء، وذلك من الظن الذي حرمه الله تعالى، ورسـوله r، وهو داخل في؛ قوله تبارك وتعالى: ]ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا[ [النساء:112]، فإن الظن السوء ممن لا يظهر منه - أعني هذا الظان - أمارات السوء، مثل: كثرة البغي، والعدوان، وقلة الورع، وإطلاق اللسان، وكثرة الغيبة، والبهتان، والحسد للناس، على ما آتاهم الله من فضله والامتنان، وشدة الحرص على المزاحمة على الرئاسـات قبل الأوان، فمن عرفت منه هذه الصفات التي لا يرضى بها أهل العلم والإيمان، فإنه إنما يحمل تعرضه للعلماء، ورده عليهم على الوجه الثاني فيستحق حينئذ مقابلته بالهوان، ومن لم تظهر منه أمارات بالكلية تدل على شيء، فإنه يجب أن يحمل كلامه على أحسن محملاته، ولا يجوز حمله على أسـوأ حالاته، وقد قال عمر t: (لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا)([13]). اهـ

قلت: فالعلة إذا تتبع الأخ، وسوء الظن به([14])، اللهم غفرا.

* وهذه العلة الأساسـية والأولى في أتباع الجماعات الحزبية، فإنهم في تمزيق الأخوة، وتشتيت الأحباب، وذهاب الألفة، والمودة بينهم، فلم يرحموا المسلمين، بل ولم يرحموا أنفسهم، كما هو مشاهد منهم في اختلافاتهم بعضهم مع بعض، وهذا عقاب الله تعالى لهم.

فعن جرير بن عبد الله t عن النبي r قال: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله

 عز وجل)، وفي رواية: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس).([15])

قلت: وعلى هذا فمن ابتلي بشيء من مكر الحزبية، فليتق الله تعالى، ويستعين به، ويصبر فإن العاقبة له.

قال الحافظ ابن رجب / في «الفرق بين النصيحة والتعيير» (ص37): (ومن بلي بشيء من هذا المكر، فليتق الله، ويستعين به، ويصبر، فإن العاقبة للتقوى، كما قال الله تعالى بعد أن قص قصة يوسـف عليه السلام، وما حصل له من أنواع الأذى بالمكر، والمخادعة: ]وكذلك مكنا ليوسـف في الأرض[ [يوسـف:21]، وقال الله تعالى حكاية عنه أنه قال لإخوته: ]أنا يوسف وهـذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين[ [يوسف:90]، وقال تعالى في قصة موسى عليه السلام، وما حصل له، ولقومه من أذى فرعون وكيده، قال لقومه: ]استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين[ [الأعراف:128]، وقد أخبر الله تعالى أن المكر يعود وباله على صاحبه، قال تعالى: ]استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا[ [فاطر:43]، وقال تعالى: ]وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون[ [الأنعام:123]، والواقع يشهد بذلك، فإن من سبر أخبار الناس، وتواريخ العالم وقف على أخبار من مكر بأخيه فعاد مكره عليه، وكان ذلك سببا لنجاته وسلامته على العجب العجاب).([16]) اهـ

قلت: وهؤلاء لهم النصيب الأوفر في هذا الكلام، لأنهم أهل مكر([17])، ويظهرون مكرهم في صورة نصح، اللهم سلم سلم.

قال الحافظ ابن رجب / في «الفرق بين النصيحة والتعيير» (ص31): (وعقوبة من أشاع السوء على أخيه المؤمن، وتتبع عيوبه، وكشف عورته، أن يتبع الله عورته، ويفضحه، ولو في جوف بيته). اهـ

وقـال الحافظ ابن رجب / في «الفرق بين النصيحة والتعيير» (ص34) فيمن يظهر النصح، ويبطن التعيير والأذى، وأن ذلك من صفات المنافقين: (ومن أخرج التعيير وأظهر السوء وإشاعته في قالب النصح، وزعم أنه إنما يحمله على ذلك العيوب، إما عاما أو خاصا، وكان في الباطن إنما غرضه التعيير والأذى، فهو من إخوان المنافقين الذين ذمهم الله في كتابه، في مواضع، فإن الله تعالى ذم من أظهر فعلا أو قولا حسنا، وأراد به التوصل إلى غرض فاسد يقصده في الباطن، وعد ذلك من خصال النفاق؛ كما في سورة براءة التي هتك فيها المنافقين وفضحهم بأوصافهم الخبيثة: ]والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون «107» لا تقم فيه أبدا...[ [التوبة:107]، وقال تعالى: ]لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم[ [آل عمران:188]، وهذه الآية نزلت في اليهود، لما سألهم النبي r عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره، وقد أروه أن قد أخبروه بما سـألهم عنه، واسـتحمدوا بذلك عليه وفرحوا بما أتوا من كتمانه، وما سألهم عنه.

* كذلك: قال ابن عباس ، وحديثه بذلك مخرج في «الصحيحين».([18])

وعن أبي سعيد الخدري t قال: (إن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله r إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله r، فإذا قدم رسول

الله اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت هذه الآية).([19])

* فهذه الخصال، خصال اليهود والمنافقين، وهو أن يظهر الإنسان في الظاهر قولا أو فعلا، وهو في الصورة التي ظهر عليها حسن، ومقصوده بذلك التوصل إلى غرض فاسـد، فيحمده على ما أظهر من ذلك الحسن، ويتوصل هو به إلى غرضه الفاسد الذي أبطنه، ويفرح بحمده على ذلك الذي أظهر أنه حسن، وفي الباطن شيء، وعلى توصله في الباطن إلى غرضه السيء، فتتم له الفائدة، وتنفذ له الحيلة بهذا الخداع!!.

* ومن كانت هذه صفته فهو داخل في هذه الآية ولا بد، فهو متوعد بالعذاب

 الأليم، ومثال ذلك: أن يريد الإنسان ذم رجل وتنقصه، وإظهار عيبه لينفر الناس عنه؛ إما محبة لإيذائه أو لعداوته، أو مخافة من مزاحمته على مال أو رياسة أو غير ذلك من الأسـباب المذمومة، فلا يتوصل إلى ذلك إلا بإظهار الطعن فيه بسبب ديني، مثل: أن يكون قد رد قولا ضعيفا من أقوال عالم([20]) مشهور فيشيع بين من يعظم ذلك العالم، أن فلانا يبغض هذا العالم ويذمه ويطعن عليه فيغر بذلك كل من يعظمه، ويوهمهم أن بغض الراد وأذاه من أعمال القرب، لأنه ذب عن ذلك العالم، ورفع الأذى عنه، وذلك قربة إلى الله عز وجل وطاعته؛ فيجمع هذا المظهر للنصح بين أمرين قبيحين محرمين:

أحدهما: أن يحمل رد هذا العالم القول الآخر على البغض، والطعن، والهوى،

وقد يكون إنما أراد به النصح للمؤمنين، وإظهار ما لا يحل له كتمانه من العلم.

والثاني: أن يظهر الطعن عليه ليتوصل بذلك إلى هواه، وغرضه الفاسـد في قالب النصح، والذب عن علماء الشرع.

* وبمثل هذه المكيدة كان ظلم بني مروان وأتباعهم، يستميلون الناس إليهم، وينفرون قلوبهم عن علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين وذريتهم y أجمعين).اهـ

وقال الإمام البربهاري / في «شرح السنة» (ص39): (واعلم أن الخروج عن الطريق على وجهين: أما أحدهما، فرجل قد زل عن الطريق، وهو لا يريد إلا الخير([21])؛ فلا يقتدى بزلته فإنه هالك، ورجل عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين؛ فهو ضال مضل، شيطان مريد في هذه الأمة حقيق على من عرفه أن يحذر الناس منه، ويبين للناس قصته لئلا يقع في بدعته أحد فيهلك). اهـ

* وليس العجب أن تنزلق أقدام أهل البدع في هذا الأمر.

* وإنما العجب ممن تربى على كتب أئمة الحديث في الجملة، ونشأ بينهم، كيف يضل في ذلك، ويغضب لزلات العلماء؛ ويقول بها على أنها من الدين، وهي ليست من الدين، فزل بسبب جهله، وخالف نصيحة الدين.

* والرسول r: بين هذا الأصل، بيانا، شائعا، ذائعا، لكل وجه من أنواع البيان شرعا، وقدرا.

* ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم، فكيف العمل به على وجه الأرض، وأن زلات العلماء: لا يؤخذ بها في الدين. ([22])

* وهذا إنما نتج عن تحكيم العواطف، والتعصب للرجال، وتلقي هذه الأفكار عن غير أهل السنة والجماعة.

* وقد ترتقي هذه الأفكار إلى مقاصد، وعلل، لا ندرك غورها، ولا نحيط بكنهها، والله يتولاها، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. 

يا أيها الناس: ارجعوا إلى علماء التوحيد، مرة ثانية... واعتنوا بكتبهم، وتأملوها؛ فإن فيها ما يكفل لكم السعادة دينا ودنيا، وما يحفظكم من مضلات الفتن، ومواطن المحن. ([23])

* وأقبلوا على السنة الصحيحة، تعلما، وتعليما، وتطبيقا.

* وأقبلوا على أنفسكم فزكوها، وعلى مجتمعكم، فعظوه المواعظ الحسنة، ودعوا ما ليس من شأنكم، وما ليس لكم فيه نفع، فإن من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه.

قال الإمام ابن حزم / في «الفصل» (ج4 ص227): (فالله الله أيها المسلمون، تحفظوا بدينكم، ونحن نجمع لكم بعون الله الكلام، الزموا القرآن، وسنن رسول الله r، وما مضى عليه الصحابة y، والتابعون، وأصحاب الحديث عصرا عصرا؛ الذين طلبوا الأثر؛ فلزموا الأثر، ودعوا كل محدثة، فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). اهـ

* فهل عندكم شك في هذا الكلام من الإمام ابن حزم /.

* هل يخالجكم شك في القرآن، والسنة، وفقه الصحابة y، ومذهب أهل الحديث؟!.([24])

اسألوا أنفسكم في ذلك؟!.

* فأقبلوا على التوحيد الخالص، تعلما، وتعليما، وتطبيقا.

* وأقبلوا على علمائكم، واثقين بهم، محترمين لهم، ثم اقتدوا بهم في الدين.

* فأعط هذه النصيحة قلبك وقالبك، وتمعن في مضمونها، ثم انظر إلى واقع المقلدة، لترى لأي منحى ينحون، وأي سبيل يتجهون، وينهجون.

قال تعالى: ]وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون[ [الشعراء: 227].

والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل.

وصلى الله، وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

                                                                                                كتبه

أبو عبد الرحمن الأثري

 

 

        

رب يسر

ذكر الدليل على نصيحة الإمام: إسحاق بن أحمد بن محمد العلثي /، إلى الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي /، فيما تأوله في الدين([25])

 

قال الإمام ابن رجب / في «الذيل على طبقات الحنابلة» (ج3 ص445)؛ في ترجمة: الإمام أحمد بن محمد العلثي: (إسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي، الزاهد، القدوة أبو الفضل، ويقال: أبو محمد.

* وكان قدوة، صالحا، زاهدا، فقيها، عالما، أمارا بالمعروف، نهاء عن المنكر، لا يخاف أحدا إلا الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم. ([26])

* وله رسائل كثيرة إلى الأعيان بالإنكار عليهم، والنصح لهم... وأرسل رسالة طويلة إلى الشيخ أبي الفرج بن الجوزي بالإنكار عليه ([27])، فيما يقع في كلامه من الميل إلى أهل التأويل؛ يقول فيها: من عبيد الله إسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي، إلى عبد الرحمن بن الجوزي، حمانا الله وإياه من الاستكبار عن قبول النصائح، ووفقنا وإياه لاتباع السلف الصالح، وبصرنا بالسنة السنية، ولا حرمنا الاهتداء باللفظات النبوية، وأعاذنا من الابتداع في الشريعة المحمدية، فلا حاجة إلى ذلك، فقد تركنا على بيضاء نقية، وأكمل الله تعالى لنا الدين، وأغنانا عن آراء المتنطعين، ففي كتاب الله تعالى، وسنة رسوله r مقنع لكل من رغب أو رهب، ورزقنا الله تعالى الاعتقاد السليم، ولا حرمنا التوفيق، فإذا حرمه العبد لم ينفع التعليم، وعرفنا أقدار نفوسنا، وهدانا الصراط المستقيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وفوق كل ذي علم عليم، وبعد حمد الله سبحانه، والصلاة على رسوله، فلا يخفى أن: «الدين النصيحة» ([28])؛ خصوصا للمولى الكريم، والرب الرحيم، فكم قد زل قلم، وعثر قدم، وزلق متكلم، ولا يحيطون به علما، قال عز من قائل: ]ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير[ [الحج: 8].

وأنت يا عبد الرحمن، فما يزال يبلغ عنك، ويسمع منك، ويشاهد في كتبك المسموعة عليك، تذكر كثيرا ممن كان قبلك من العلماء بالخطأ، اعتقادا منك: أنك تصدع بالحق من غير محاباة، ولا بد من الجريان في ميدان النصح، إما لتنتفع إن هداك الله، وإما لتركيب حجة الله عليك، ويحذر الناس قولك الفاسد، ولا يغرك كثرة اطلاعك على العلوم؛ «فرب مبلغ أوعى من سامع»، و«رب حامل فقه لا فقه له»، و«رب بحر كدر، ونهر صاف»، فلست بأعلم من الرسول، حيث قال له الإمام عمر: أتصلي على ابن أبي؟، فأنزل القرآن: ]ولا تصل على أحد منهم[ [التوبة: 84]، ولو كان لا ينكر من قل علمه على من كثر علمه؛ إذا لتعطل الأمر بالمعروف، وصرنا كبني إسرائيل حيث قال تعالى: ]كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه[ [المائدة: 79]؛ بل ينكر المفضول على الفاضل، وينكر الفاجر على الولي، على تقدير معرفة الولي، وإلا فأين العنقاء([29]) ليطلب؟، وأين السمندل([30])، ليجلب؟.

* إلى أن قال: واعلم أنه قد كثر النكير عليك من العلماء والفضلاء([31])، والأخيار في الآفاق بمقالتك الفاسدة في الصفات، وقد أبانوا وهاء مقالتك، وحكوا عنك أنك أبيت النصيحة، فعندك من الأقوال التي لا تليق بالسنة ما يضيق الوقت عن ذكرها، فذكر عنك أنك ذكرت في الملائكة المقربين، الكرام الكاتبين، فصلا؛ زعمت أنه مواعظ، وهو تشقيق وتفهيق، وتكلف بشع، خلا أحاديث رسول الله r، وكلام السلف الصالح الذي لا يخالف سنة، فعمدت وجعلتها مناظرة معهم، فمن أذن لك في ذلك؟، وهم يستغفرون للذين آمنوا، ولا يستكبرون عن عبادة الله، وقد قرن شهادته بشهادتهم قبل أولي العلم، وما علينا كان الآدمي أفضل منهم أم لا، فتلك مسألة أخرى.

فشرعت تقول: إذا ثارت نار الحسد فمن يطفيها؟، وفي الغيبة ما فيها، مع كلام غث، أليس منا فلان؟ ومنا فلان؟ ومنا الأنبياء والأولياء!.

* من فعل هذا من السلف قبلك؟ ولو قال لك قائل من الملائكة: أليس منكم فرعون وهامان؟ أليس منكم من ادعى الربوبية؟

* فعمن أخذت هذه الأقوال المحدثة، والعبارات المزوقة، التي لا طائل تحتها، وقد شغلت بها الناس عن الاشتغال بالعلم النافع، أحدهم قد أنسي القرآن، وهو يعيد فضل الملائكة ومناظرتهم، ويتكلم به في الآفاق، فأين الوعظ والتذكير من هذه الأقوال الشنيعة البشعة؟

ثم تعرضت لصفات الخالق تعالى([32])؛ كأنها صدرت: لا من صدر سكن فيه احتشام العلي العظيم، ولا أملاها قلب مليء بالهيبة والتعظيم، بل من واقعات النفوس البهرجية الزيوف، وزعمت أن طائفة من أهل السنة والأخيار تلقوها وما فهموا؛ وحاشاهم من ذلك، بل كفوا عن الثرثرة والتشدق، لا عجزا - بحمد الله - عن الجدال والخصام، ولا جهلا بطرق الكلام، وإنما أمسكوا عن الخوض في ذلك عن علم ودراية، لا عن جهل وعماية.

* والعجب ممن ينتحل مذهب السلف([33])، ولا يرى الخوض في الكلام، ثم يقدم على تفسير ما لم يره أولا، ويقول: إذا قلنا كذا أدى إلى كذا، ويقيس ما ثبت من صفات الخالق على ما لم يثبت عنده، فهذا الذي نهيت عنه، وكيف تنقض عهدك وقولك بقول فلان وفلان من المتأخرين؟ فلا تشمت بنا المبتدعة فيقولون: تنسبوننا إلى البدع، وأنتم أكثر بدعا منا، أفلا تنظرون إلى قول من اعتقدتم سلامة عقده، وتثبتون معرفته وفضله؟! كيف أقول ما لم يقل، فكيف يجوز أن تتبع المتكلمين في آرائهم، وتخوض مع الخائضين فيما خاضوا فيه، ثم تنكر عليهم؟ هذا من العجب العجيب! ولو أن مخلوقا وصف مخلوقا مثله بصفات من غير رؤية، ولا خبر صادق؛ لكان كاذبا في إخباره، فكيف تصفون الله سبحانه بشيء ما وقفتم على صحته، بل بالظنون والواقعات، وتنفون الصفات التي رضيها لنفسه، وأخبر بها رسوله r بنقل الثقات الأثبات، بيحتمل، ويحتمل؟!.

* ثم لك في الكتاب الذي أسميته: «الكشف لمشكل الصحيحين»؛ مقالات عجيبة، تارة تحكيها عن الخطابي وغيره من المتأخرين، أطلع هؤلاء على الغيب؟ وأنتم تقولون: لا يجوز التقليد في هذا([34])، ثم ذكره فلان، ذكره ابن عقيل، فنريد الدليل من الذاكر أيضا، فهو مجرد دعوى، وليس الكلام في الله تعالى وصفاته بالهين ليلقى إلى مجاري الظنون.

إلى أن قال: إذا أردت: كان ابن عقيل العالم، وإذا أردت: صار لا يفهم، أوهيت مقالته لما أردت.

ثم قال: وذكرت الكلام المحدث على الحديث، ثم قلت: والذي يقع لي، فبهذا تقدم على الله، وتقول: قال علماؤنا، والذي يقع لي؟!، تتكلمون في الله عز وجل بواقعاتكم تخبرون عن صفاته؟!، ثم ما كفاك حتى قلت: هذا من تحريف بعض الرواة، تحكما من غير دليل، وما رويت عن ثقة آخر أنه قال: قد غيره الراوي، فلا ينبغي بالرواة العدول أنهم حرفوا، ولو جوزتم لهم الرواية بالمعنى، فهم أقرب إلى الإصابة منكم، وأهل البدع إذا؛ كلما رويتم حديثا ينفرون منه، يقولون: يحتمل أنه من تغيير بعض الرواة، فإذا كان المذكور في الصحيح، المنقول من تحريف بعض الرواة، فقولكم، ورأيكم في هذا يحتمل أنه من رأي بعض الغواة.

وتقول: قد انزعج الخطابي لهذه الألفاظ، فما الذي أزعجه دون غيره؟ ونراك تبني شيئا ثم تنقضه، وتقول: قد قال فلان وفلان، وتنسب ذلك إلى إمامنا أحمد /، ومذهبه معروف في السكوت عن مثل هذا، ولا يفسره، بل صحح الحديث، ومنع من تأويله.

* وكثير ممن أخذ عنك العلم إذا رجع إلى بيته علم بما في عيبته من العيب، وذم مقالتك وأبطلها، وقد سمعنا عنك ذلك بناء على الواقعات والخواطر، وتدعي أن الأصحاب خلطوا في الصفات، فقد قبحت أكثر منهم، وما وسعتك السنة، فاتق الله سبحانه، ولا تتكلم فيه برأيك، فهذا خبر غيب، لا يسمع إلا من الرسول المعصوم، فقد نصبتم حربا للأحاديث الصحيحة([35])، والذين نقلوها؛ نقلوا شرائع الإسلام.

* ثم لك قصيدة: مسموعة عليك في سائر الآفاق، اعتقدها قوم، وماتوا بخلاف اعتقادك الآن فيما يبلغ عنك، وسمع منك، منها:

ولـــو رأيت النـــار هبت، فغـــــــــــدت

تحــــــــــرق أهل البغي والعنــــــــــــــاد

وكلمـــــــــا ألقي فيهــــــا حطمـــــــــت

وأهلكتـــــــــــــه، وهي في ازديــــــــــاد

فيضــــع الجبــــــــــار فيهـــا قدمـــــــــــا

جلــــــــــت عن التشبيـــــــه بالأجســاد

فتنــــــزوي مــــن هيبــــــــة وتمتـــــــلي

فلـــــــــو سمعــــت صوتها ينــــــــــادي

حسبي حسبي قــــد كفـــــاني مــا أرى

مـــــن هيبـــــــة أذهبــت اشتـــــــــــــداد

فاحـــــــذر مقال مبتدع في قولــــــــــــه

يـــــروم تــــــــــــأويلا بكـــــــــــل وادي

فكيف هذه الأقوال: وما معناها؟، فإنا نخاف أن تحدث لنا قولا ثالثا، فيذهب الاعتقاد الأول باطلا، لقد آذيت عباد الله وأضللتهم، وصار شغلك نقل الأقوال فحسب، وابن عقيل - سامحه الله - قد حكي عنه: أنه تاب بمحضر من علماء وقته من مثل هذه الأقوال، بمدينة السلام - عمرها الله بالإسلام والسنة -، فهو بريء على هذا التقدير؛ مما يوجد بخطه، أو ينسب إليه من التأويلات، والأقوال المخالفة للكتاب والسنة.

* وأنا وافدة الناس والعلماء والحفاظ إليك، فإما أن تنتهي عن هذه المقالات، وتتوب التوبة النصوح، كما تاب غيرك، وإلا كشفوا للناس أمرك، وسيروا ذلك في البلاد، وبينوا وجه الأقوال الغثة، وهذا أمر تشور فيه، وقضي بليل، والأرض لا تخلو من قائم لله بحجة، والجرح لا شك مقدم على التعديل، والله على ما نقول وكيل، وقد أعذر من أنذر.

* وإذا تأولت الصفات على اللغة، وسوغته لنفسك، وأبيت النصيحة، فليس هو مذهب الإمام الكبير أحمد بن حنبل قدس الله روحه، فلا يمكنك الانتساب إليه بهذا، فاختر لنفسك مذهبا، إن مكنت من ذلك، وما زال أصحابنا يجهرون بصريح الحق في كل وقت، ولو ضربوا بالسيوف، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالون بشناعة مشنع، ولا كذب كاذب، ولهم من الاسم العذب الهني، وتركهم الدنيا، وإعراضهم عنها اشتغالا بالآخرة؛ ما هو معلوم معروف.

* ولقد سودت وجوهنا بمقالتك الفاسدة، وانفرادك بنفسك، كأنك جبار من الجبابرة، ولا كرامة لك ولا نعمى([36])، ولا نمكنك من الجهر بمخالفة السنة، ولو استقبل من الرأي ما استدبر: لم يحك عنك كلام في السهل، ولا في الجبل، ولكن قدر الله وما شاء فعل، بيننا وبينك كتاب الله تعالى، وسنة رسوله r ([37])، قال الله تعالى: ]فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول[ [النساء:59]؛ ولم يقل: إلى ابن الجوزي!.

* وترى كل من أنكر عليك؛ نسبته إلى الجهل! ([38])، ففضل الله أوتيته وحدك؟، وإذا جهلت الناس فمن يشهد لك أنك عالم؟، ومن أجهل منك، حيث لا تصغي إلى نصيحة ناصح؟، وتقول: من كان فلان، ومن كان فلان؟، من الأئمة الذين وصل العلم إليك عنهم، من أنت إذا؟، فلقد استراح من خاف مقام ربه، وأحجم عن الخوض فيما لا يعلم، لئلا يندم.

* فانتبه يا مسكين قبل الممات، وحسن القول والعمل، فقد قرب الأجل، لله الأمر من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). اهـ.

تمت النصيحة الذهبية.

 

 

 

ﭑ ﭑ ﭑ

 

فهرس الموضوعات

الرقم

الموضوع

الصفحة

1)

إعصار فيه نار فتوى العلامة الشيخ أحمد بن حجر آل بو طامي في شدة الخطر الذي يحيط بالمسلم إذا أخذ بزلات العلماء في الدين....

5

2)

المقدمة.....................................................................................................

7

3)

ذكر الدليل على نصيحة الإمام: إسحاق بن أحمد بن محمد العلثي، إلى الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي، فيما تأوله في الدين.....................

23

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



([1]) قلت: وهذا الذي حصل للمقلدة، والمتعالمة من الضلال في الدين بسبب عنادهم وإصرارهم، وبأخذهم بزلات العلماء في أحكام الأصول، وأحكام الفروع، اللهم سلم سلم.

([2]) وانظر: «الصحيحة» للشيخ الألباني (ج5 ص14).

([3]) انظر: «الرد على الزنادقة والجهمية» للإمام أحمد (ص170).

([4]) قلت: والأمر دين، فلا محاباة لأحد أخطأ في الحكم، كائنا من كان.

([5]) يشير إلى قول النبي r: (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)، من حديث تميم الداري t.

     أخرجه مسلم في «صحيحه» (ج1 ص74).

([6]) وانظر: «الرقائق» لابن المبارك (ج2 ص681)، و«الفقيه والمتفقه» للخطيب البغدادي (ج2 ص26)، و«ذم الكلام» للهروي (ج4 ص281)، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر (ج47 ص460)، و«جمع الجيوش والدساكر» لابن عبد الهادي (ص21).

([7]) غبرات: بالضم ثم التشديد، بقية الشيء.

      انظر: «لسان العرب» لابن منظور (ج5 ص3205)، و«مختار الصحاح» للرازي (ص447).

([8]) أثر حسن.

       أخرجه ابن أبي إياس في «العلم والحلم» (ص163)، وابن عدي في «الكامل» (ج1 ص161).

      وإسناده حسن.

([9]) قلت: وإن مما يوصى به طالب العلم أن يأخذ العلم عن أهله، وذلك بأن يبحث عن العالم العامل بعلمه، فينظر إلى عبادته لله تعالى، وإلى سيرته وأخلاقه وشمائله، هل هي متفقة مع ذلك العلم أو تخالفه؟!، فإن العلم إنما يؤخذ عن العلماء الربانيين، ويحرص على صحبتهم ليتعلم منهم العلم والعمل والأخلاق.

([10]) وانظر: «الفتاوى» لابن تيمية (ج19 ص123).

([11]) قلت: والأخوة حرمة يجب الوقوف عندها، وقد جعلها رسول الله r شرطا لدخول الجنة، كما في حديث أبي هريرة t، أخرجه مسلم في «صحيحه» (ج1 ص74).

([12]) انظر: «تفسير القرآن» لابن كثير (ج4 ص227).

([13]) أثر حسن.

     أخرجه المحاملي في «الأمالي» (ص395) من طريق نافع بن عامر الجمحي، عن سليمان بن عبيد قال: قال عمر بن الخطاب t به.

     قلت: وهذا سنده حسن.

     وتابعه سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب به.

     أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ج44 ص360)، والخطيب في «المتفق والمفترق» (ج1 ص305) من طريق يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب به.

     وذكره ابن كثير في «تفسير القرآن» (ج4 ص227).

([14]) قلت: بل إن تتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، والله المستعان. 

([15]) أخرجه البخاري في «صحيحه» (ج10 ص348)، ومسلم في «صحيحه» (2319)، وأحمد في «المسند» (ج4 ص358 و361 و365).

([16]) قلت: ومن كانت هذه صفته فهو داخل في هذه الآيات ولا بد.

([17]) فقد مكروا قديما وحديثا بأهل العلم وطلبتهم، والله المستعان.

     * وقد عاد مكرهم عليهم وبالا، وقد هزموا شر هزيمة في الآونة الأخيرة على يدي علماء الدعوة السلفية وطلبتهم، والواقع يشهد بذلك.

([18]) أخرجه البخاري في «صحيحه» (4568)، ومسلم في «صحيحه» (2778).

([19]) أخرجه البخاري في «صحيحه» (4567)، ومسلم في «صحيحه» (2777).

([20]) قلت: فما أشبه الليلة بالبارحة!.

([21]) قلت: فهذا يريد طريق الخير، لكنه سلك طريق الشر، فلا يقتدى به، لأنه لا يكفي أن العبد يريد طريق الخير ثم لا يسلكه، وإن كانت نيته حسنة، لا بد أن يكون مع ذلك على الطريق الصحيح، فهذا يعتبر مخالفا، ومن تابعه على ذلك هلك، والعياذ بالله.

([22]) والإنسان لا بد أن يخطئ، مهما كانت رتبته في العلم.

([23]) وبسبب هؤلاء المقلدة، المتعصبة لزلات العلماء، وقعت الفرقة والاختلافات بين المسلمين.

     قال تعالى: ]ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين[ [الأنفال: 46].   

([24]) هل عندكم شك في بقية السلف؛ منهم: العلامة الشيخ ابن باز، والعلامة الشيخ ابن عثيمين، والعلامة الشيخ الألباني، والعلامة الشيخ الفوزان، وغيرهم.

     * ولقد ألقى هؤلاء العلماء الضوء على الأصول، مؤيدة بالنصوص الشرعية، فأجزل الله لهم المثوبة، ورحمهم رحمة واسعة.

([25]) قلت: وهذا يدل أن الفقيه، يخطئ، لأنه ليس بمعصوم، لذلك: وجب نصحه في الدين، ولا بأس بالرد عليه أمام الملأ، ما دام أفتى وتكلم أمامهم.

     وانظر: «المقصد الأرشد» لابن مفلح (ج1 ص2460)، و«المنهج الأحمد» للعليمي (ج4 ص221)، و«سير أعلام النبلاء» للذهبي (ج23 ص10).

([26]) قيل إنه لم يكن في زمانه أكثر إنكارا، للمنكر منه، وحبس على ذلك مدة!.

     * وهو شيخ العراق، والقائم بالإنكار على الفقهاء الذين أخطئوا في أحكام الأصول والفروع.

     انظر: «الذيل على طبقات الحنابلة» لابن رجب (ج3 ص445).

([27]) قلت: وهذا يدل على أنه يجب الإنكار على العالم إذا أخطأ وزل في الدين.

     * وعلى هذا فلا يأتي لنا متعالم في هذا الزمان، لا يرضى بالرد على فقيه أخطأ في شيء من أحكام الأصول، أو أحكام الفروع، وكأنه عنده معصوم من الخطأ!، يقول ذلك بلسان حاله.

     * والأصل: في الدين أن العالم ليس بمعصوم، فيجب الرد عليه إذا زل، كائنا من كان مرتبته في الدين، لتحذر زلته، ولا تؤخذ.

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج32 ص239): (وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء). اهـ.

([28]) قلت: ومن حق العالم، أن ينصح إذا زل، أو أخطأ، فقد قال الرسول r: «الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم).

من حديث تميم الداري t، أخرجه مسلم في «صحيحه» (ج1 ص74).

([29]) العنقاء: طائر متوهم لا وجود له، ويقال: عنقاء مغرب.

     * وهو مثال: يضرب به المثل في طلب المحال الذي لا ينال.

     انظر: «مختار الصحاح» للرازي (ص192)، و«لسان العرب» لابن منظور (ج5 ص3136).

([30]) السمندل: كسفرجل، دويبة زحافة.

     انظر: «تاج العروس» للزبيدي (ج11 ص39)، و«لسان العرب» لابن منظور (ج11 ص318).

([31]) إن من المتقرر في الشرع، والعقل، والعرف؛ أنه ليس أحد من الناس معصوما عن الخطأ؛ إلا الأنبياء عليهم السلام.

     * فالخطأ طبيعة، بشرية في العلماء، وغيرهم.

     * إن المتقرر شرعا، أن العلماء غير معصومين، بل هم عرضة للخطأ والسهو، فتقع منهم: الأخطاء، لذلك: لا يأتي مقلد فيتعصب لزلة عالم، فإن ذلك يورده الموارد المهلكة في الدين.

     قال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز / في «الحوار» (ص20)؛ عن كيفية معاملة العلماء: (الشيخ محمد بن إبراهيم: ليس بمعصوم، فهو عالم من العلماء، يخطئ ويصيب، عالم من العلماء، ليس بنبي، ولا رسول.

     * وكذلك: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وغيرهم من العلماء.

     * والأئمة الأربعة؛ كلهم: يخطئون ويصيبون، ويؤخذ من قولهم: ما وافق الحق، وما يخالف الحق، يرد على قائله، ولو كان كبيرا). اهـ.

([32]) وعليه إذا بينت خطأ عالم في تأويل صفات الله تعالى -مثلا-، فإن ذلك: مما يحبه العلماء، ويثنون على من رد عليه في ذلك.

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية / في «الفتاوى» (ج35 ص69): (فأما الصديقون، والشهداء، والصالحون: فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة.

     * وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون). اهـ.

     وقال الإمام الشاطبي / في «الموافقات» (ج4 ص170): (إن زلة العالم، لا يصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليدا له، وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك: عدت زلة). اهـ.

     قلت: لذلك صارت زلات العلماء، للمقلدة فتنة، فضلوا بسببها في الدين.

([33]) وقد وجد هذا الصنف من الناس في هذا الزمان، ينتحل مذهب السلف بزعمه، وهو يعمل بمذهب الخلف، نعوذ بالله من الخذلان.

([34]) فزلة العالم تكون فتنة للمقلد، حتى يصل به الأمر يصوب زلته، ويجعلها من الحسنات، فهلك المقلد ولا بد.

([35]) قلت: فمن سلك طريق الرسول r في أحكام الأصول والفروع، فقد سلك طريق الاعتدال، فيعظم الحق، ويعلم أن العالم يصيب ويخطئ، فهذا مذهب أهل السنة والجماعة.

     وانظر: «منهاج السنة» لابن تيمية (ج4 ص543).

([36]) العرب تقول لمن طلب منه فعل شيء فاستجاب: «أفعله وكرامة ونعمى عين»، وتقول خلاف ذلك: «لا أفعله ولا كرامة ولا نعمة عين»، ولهذا القول عبارات أخرى مفصلة في كتب اللغة.

([37]) وهذا يدل على أنه لا بد من معالجة خطأ العالم في الدين، ولا يترك بدون تبيين، وذلك: بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله r، وبآثار الصحابة y، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة.

([38]) قلت: ما أكثر مقالة المقلدة إذا أنكرت عليهم ما أخطئوا فيه من أحكام في الدين، والله المستعان.


جميع الحقوق محفوظة لموقع الشبكة الأثرية
Powered By Emcan