الرئيسية / سلسلة النصيحة الذهبية للعودة إلى السلفية / الكواشف الجلية لقمع يحيى الحجوري لقوله بإسلام الفرقة القبورية
2026-08-26
الكواشف الجلية لقمع يحيى الحجوري لقوله بإسلام الفرقة القبورية
الكواشف الجلية
لقمع
يحيى الحجوري لقوله بإسلام الفرقة القبورية
تأليف
فضيلة الشيخ المحدث الفقيه
أبي عبد الرحمن فوزي بن عبد الله الحميدي الأثري
حفظه الله ورعاه
|
|
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين،
والعاقبة للمتقين
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد،
* لقد أنزل الله تعالى الكتاب تبيانا لكل شيء.
قال تعالى: ]ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء[ [النحل:89].
* كما أن هذا الكتاب واضح في نفسه وبين.
قال تعالى: ]آلر تلك آيات الكتاب المبين [ [يوسف:1].
*وهو ميسر لمن أراد تعلمه، والاستفادة من هديه.
قال تعالى: ]ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر[ [القمر:17].
* فكلام الله تعالى يفهمه من سمعه، لأنه ميسر، وكذلك كلام الرسول r، لأنه مفسر.
* غير أن هذه المسألة تتفاوت من عبد إلى آخر، إذا كانت على التفصيل، أما على الإجمال، فهذه الشريعة يفهمها كل أحد ابتداء، فإن الفهم لا يفوت جميعهم، لأن قدرات المكلفين تتفاوت في التفصيل في الأحكام في الفروع، والأصول.
* فمن منطلق وضوح «الرسالة» في نفسها، ثم توضيح الرسول r لها أحسن توضيح، اعتبر أهل العلم أن بلوغ الحجة كاف في قيامها على العباد.
* فلم يشترطوا فهم الخطاب التفصيلي، بل يكفي فهم الخطاب الإجمالي في إقامة الحجة على العباد.
ولذلك قالوا: إن كل من بلغه القرآن، وخبر الرسول r، قد قامت عليه الحجة، ولا داعي لبحث هل فهم مراد الخطاب، أم لم يفهمه، لأن الشريعة بينة لكل أحد، إذا بلغته؛ بأي وسيلة كانت. ([1])
* ولهذا: كان التكليف؛ بما يطاق من أهم مميزات ديننا الحنيف، فلو كان خطاب الله تعالى غير مفهوم لدى الناس، وهم أمروا بالعمل بمقتضاه، لكان ذلك تكليفا بما لا يطاق، وهذا ممتنع في دين الله تعالى.
* فجاء الرسول r: بالبينات، وجوامع الكلم.
قال تعالى: ]ولقد أنزلنا إليك آيات بينات[ [البقرة:99].
وقال تعالى: ]شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان[ [البقرة:185].
* والبيان: ما بين به الشيء من الدلالة، وبان الشيء بيانا: اتضح، فهو بين، واستبان الشيء: ظهر.
والتبين: الإيضاح، والتبيين: الوضوح، والبيان: إظهار المقصود، بأبلغ لفظ. ([2])
قال الإمام الطبري / في «جامع البيان» (ج17 ص128)، و(ج18 ص134)؛ عن تفسير الآيات: (البينات؛ أي: دلالات واضحات... ومبينات؛ أي: صارت مبينة، بنفسها الحق). اهـ
* والله تعالى أرسل رسوله r؛ ليعلم الناس: الكتاب والسنة.
قال تعالى: ]وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم[ [النحل:44].
وقال تعالى: ]ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين[ [النور:34].
* وأدى الرسول r هذه الأمانة، فبين الذكر، الذي أنزل عليه، وبلغه بلاغا مبينا، فعرف أصحابه y: الحق، والعلم، والهدى. ([3])
* فكان r أعلم الخلق بالحق، وكان أفصحهم لسانا، وأقواهم بيانا، وأحرصهم على هداية العباد، وهذا يوجب أن يكون بيانه أكمل من بيان كل الخلق. ([4])
* وهذه المسألة: تحتاج إلى تفصيل عن طريق أهل السنة والجماعة، حتى تتبين على وجهها الصحيح، ولا ينسب لأحد من أهل العلم: ما لم يقله، أو لم يرده، أو أخطأ فيه.
* وأشهر من تكلم في مسألة بلوغ الحجة على المعين، وغيره في هذا الزمان، وأنه كاف في إصدار الحكم على المخالف بحسبه، سواء فهم ([5])، أم لم يفهم. ([6])
فأشهر من تكلم في ذلك هو العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأحفاده، وتلاميذه رحمهم الله؛ وهم أئمة الدعوة النجدية رحمهم الله؛ في بلد الحرمين.
* وإليك الدليل:
قال العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب / في «الرسائل الشخصية» (ج7 ص244): (وأما أصول الدين التي أوضحها الله تعالى، وأحكمها في كتابه؛ فإن حجة الله تعالى هي القرآن، فمن بلغه القرآن، فقد بلغته الحجة.
* ولكن أصل الإشكال؛ أنكم لم تفرقوا: بين قيام الحجة، وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار، والمنافقين من المسلمين، لم يفهموا: حجة الله تعالى عليهم، مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: ]أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا[ [الفرقان:44].
* وقيام الحجة: نوع، وبلوغها نوع، فإن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قوله r: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم»([7])، وقوله r: «شر قتلى تحت أديم السماء»([8])، مع كونهم في عصر الصحابة y، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم، ومع إجماع الناس، أن الذي أخرجهم من الدين، هو التشديد، والغلو، والاجتهاد، وهم يظنون أنهم يطيعون الله تعالى، وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها -يعني: على التفصيل-.
* وكذلك قتل علي t، الذين اعتقدوا فيه، وتحريقهم بالنار، مع كونهم: تلاميذ الصحابة y، مع مبادئهم، وصلاتهم، وصيامهم، وهم يظنون أنهم على حق.
* وكذلك: إجماع السلف على تكفير غلاة القدرية، وغيرهم، مع علمهم، وشدة عبادتهم، وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم؛ لأجل كونهم، لم يفهموا).اهـ
وقال العلامة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ / في «حكم تكفير المعين، والفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة» (ص9): (قامت على الناس الحجة بالرسول r، وبالقرآن... فكل من سمع الرسول r، وبلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة). اهـ
* وسئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: هل يعذر الإنسان بجهله؟ مثلا: رجل زار قبور الأولياء بنية التبرك بهم، مع أنه لا يعلم أن ذلك الفعل من الشرك الأكبر، مع بيان وتوضيح الأدلة من الكتاب والسنة، جزاكم الله خيرا.
فأجاب فضيلته: (أمور العقيدة التي تتعلق بالتوحيد والشرك لا يعذر فيها بالجهل: وهو بين المسلمين، ويسمع القرآن والأحاديث، ويستطيع أن يسأل، ما يعذر بدعوة القبور، والاستغاثة بالأموات وأشباه ذلك، بل يجب عليه أن يتعلم، وأن يتفقه، وليس له أن يتساهل في هذا الأمر. وقد سأل النبي r ربه أن يستغفر لأمه، وهي ماتت في الجاهلية، فلم يؤذن له، وقال: «إن أبي وأباك في النار»([9]) لما سأله رجل عن أبيه، قال: «إن أبي وأباك في النار»([10])، وقد مات في الجاهلية. قال جمع من أهل العلم: إنما ذلك لأنهما ماتا على علم بشريعة إبراهيم عليه السلام، وشريعة إبراهيم النهي عن الشرك، فلعل أمه بلغها ذلك، فلهذا نهي عن الاستغفار لها، ولعل أباه بلغه ذلك، فلهذا قال: «إن أبي وأباك في النار»([11])، فإذا كان أبوه r، وأمه لم يعذرا وهما في حال الجاهلية، فكيف بالذي بين المسلمين، وعنده العلماء، ويسمع القرآن، ويسمع الأحاديث.
فالحاصل: أن هؤلاء الذين يعكفون على القبور، ويستغيثون بالأموات غير معذورين، بل يجب عليهم أن يتفقهوا في الدين، وأن يسألوا أهل العلم، وألا يبقوا على حالهم السيئة. والآيات تعمهم والأحاديث) ([12]).اهـ
* وفي حكم العذر بالجهل في اقتراف المعاصي: سئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: هل يعذر الشخص بالجهل إذا فعل فعلا مكفرا، وهو كبيرة من الكبائر بل من أكبرها؟ وجهونا حول هذا الموضوع، وكيف نقارن بين هذا، وبين قوله تعالى: ]إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء[ [النساء: 48].
فأجاب فضيلته: (لا يعذر في اقتراف المعاصي وهو بين المسلمين، في إمكانه أن يسأل أهل العلم ويتبصر، لا يعذر بالتساهل، وعليه أن يتوب إلى الله تعالى من ذلك، ويبادر بالتوبة من المعصية، والمعصية تختلف إن كانت كفرا؛ كدعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات، أو سب الدين، أو ترك الصلاة، هذا عليه التوبة إلى الله جل وعلا منها، والمبادرة بالتوبة، والله تعالى يتوب على التائبين. أما إن كانت معصية ليست كفرا، مثل التدخين، وشرب المسكر، وأكل الربا، هذه معاص، فالواجب عليه البدار بالتوبة، والاستغفار، والندم، والإقلاع، والعزم ألا يعود في ذلك، وإن مات عليها فهو تحت المشيئة، مثلما قال سبحانه وتعالى: ]إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء[ [النساء: 48]؛ إذا مات على المعصية، مات وهو يأكل الربا، أو مات وهو يشرب الخمر، لكنه مسلم يصلي، مسلم، هذا تحت مشيئة الله تعالى، أو مات وهو عاق لوالديه، أو مات وهو قد زنا، أو ما أشبه ذلك، تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء الله سبحانه غفر له، وإن شاء عذبه على قدر المعصية التي مات عليها، إذا كان غير تائب، ما تاب، أما إذا كان تائبا، فالتوبة تجب ما قبلها - والحمد لله - التائب لا ذنب له، أما لو مات على الزنى ما تاب، أو على العقوق وما تاب، أو على شرب مسكر ما تاب، أو نحو ذلك، فهذا تحت مشيئة الله، إن شاء الله جل وعلا غفر له، فضلا منه، وإحسانا منه، جل وعلا، وإن شاء عذبه على قدر المعصية التي مات عليها؛ وبعد التعذيب والتطهير يخرجه الله من النار إلى الجنة، إذا كان مات مسلما موحدا، لا يخلد في النار إلا الكفار، لكن هذا الذي دخل النار بمعصيته إذا عذب التعذيب الذي أراده الله، يخرجه الله من النار إلى الجنة بتوحيده، وإيمانه الذي مات عليه، لا يخلد في النار إلا الكفرة؛ هذا والله أعلم) ([13]).اهـ
وقال العلامة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ / في «حكم تكفير المعين، والفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة» (ص23): (الحجة بالقرآن على من بلغه، وسمعه، ولو لم يفهمه). اهـ؛ يعني: على التفصيل. ([14])
وقال العلامة الشيخ حمد بن معمر التميمي / في «النبذة الشريفة» (ص115): (إن الله تعالى: أرسل الرسل عليهم السلام، مبشرين، ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله تعالى حجة، بعد الرسل عليهم السلام.
* فكل من بلغه القرآن، ودعوة الرسول r، فقد قامت عليه الحجة.
فقال تعالى: ]لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19].
وقال تعالى: ]وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا[ [الإسراء:15].
* وقد أجمع العلماء: على أن من بلغته دعوة الرسول r، أن حجة الله تعالى قائمة عليه.
* فكل من بلغه القرآن، فليس بمعذور، فإن الأصول الكبار، التي هي: أصل دين الإسلام، قد بينها الله تعالى في كتابه، ووضحها، وأقام بها الحجة على عباده.
* وليس المراد: بقيام الحجة، أن يفهمها الإنسان فهما جليا؛ كما يفهمها من هداه الله تعالى ووفقه، وانقاد لأمره.
* فإن الكفار: قد قامت عليهم حجة الله تعالى مع إخباره، بأنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوا كلامه.
* فهذا: بينته لك أن بلوغ الحجة: نوع، وفهمها: نوع آخر).اهـ
قلت: وهذا يدل أن الفهم التفصيلي لا يشترط مطلقا، لقيام الحجة، بل يشترط فقط، الفهم الإجمالي، وذلك لوضوح القرآن؛ لأنه كلام الله تعالى، وبخاصة: في أمر توحيد الله تعالى في المعرفة والإثبات، وأصول الاعتقاد، والطاعة والاتباع، والنهي عن الشرك بالله تعالى، والإيمان بالرسول r، وطاعته، وكذا الإيمان بحياة البرزخ، والإيمان باليوم الآخر.
وسئل العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: نود من فضيلتكم توجيه أبنائكم الطلاب حول الجدل الحاصل بين طلبة العلم؛ حول مسألة العذر بالجهل.
فأجاب فضيلته: (اليوم ما فيه جهل ولله الحمد، تعلم الناس، أنتم تقولون الناس مثقفون وتعلموا، والناس، والناس... فما فيه جهل الآن، الكتاب يتلى على مسامع الناس في المشارق والمغارب، وتبثه وسائل الإعلام، القرآن تقوم به الحجة: ]وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام: 19]؛ هل ما بلغ القرآن؟! والله إنه بلغ المشارق والمغارب، ودخل البيوت، ودخل في الكهوف، وفي كل مكان، فقامت الحجة ولله الحمد، لكن من أعرض عنها فهذا لا حيلة له، أما من أقبل عليها، ولما سمع القرآن تمسك به، وطلب تفسيره الصحيح، وأدلته، وتمسك بها، فهذا ما يبقى على الجهل والحمد لله، مسألة العذر بالجهل هذه إنما جاءت من المرجئة؛ الذين يقولون: إن العمل ليس من الإيمان، لو الإنسان ما عمل، هو مؤمن، هذا مذهب باطل؛ الحجة قائمة ببعثة الرسول r: ]رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل[ [النساء:165]؛ القرآن: ]وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19]؛ فالرسول: جاء الرسول، والقرآن: موجود، وباق، ونسمعه، ونقرأه، فما للجهل مكان إلا لإنسان ما يريد العلم، معرض، فالمعرض لا حيلة فيه، أما من أحب العلم، وأقبل عليه فسيجد إن شاء الله العلم الصحيح، نعم) ([15]).اهـ
وسئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: لو قال لا بد أن تتوفر شروط فيمن أريد تكفيره بعينه، وتنتفي الموانع؟
فأجاب فضيلته: (مثل هذه الأمور الظاهرة، ما يحتاج فيها شيء، يكفر بمجرد وجودها، لأن وجودها لا يخفى على المسلمين، معلوم بالضرورة من الدين، بخلاف الذي قد يخفى؛ مثل: شرط من شروط الصلاة، بعض الأموال التي تجب فيها الزكاة، تجب أو لا تجب، بعض شؤون الحج، بعض شؤون الصيام، بعض شؤون المعاملات، بعض مسائل الربا) ([16]).اهـ
وسئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: بعض الناس يقول: المعين لا يكفر؟
فأجاب فضيلته: (هذا من الجهل، إذا أتى بمكفر: يكفر) ([17]).اهـ
وسئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: يا شيخ، جملة من المعاصرين ذكروا أن الكافر: من قال الكفر، أو عمل بالكفر، فلا يكفر حتى تقام عليه الحجة، وأدرجوا: عباد القبور في هذا؟
فأجاب فضيلته: (هذا من جهلهم، عباد القبور كفار، واليهود كفار، والنصارى كفار، ولكن عند القتل يستتابون، فإن تابوا؛ وإلا قتلوا) ([18]).اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد الله البابطين / في «الرسائل النجدية» (ج5 ص519): (التكفير، والقتل: ليسا موقوفين على فهم([19]) الحجة مطلقا، بل على بلوغها، ففهمها شيء، وبلوغها شيء آخر.
* فلو كان هذا الحكم موقوفا على فهم الحجة، فلم نكفر، ونقتل، إلا من علمنا أنه: معاند خاصة، وهذا بين البطلان). اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد الله البابطين / في «الرسائل النجدية» (ج5 ص10): (فمن بلغته رسالة محمد r، وبلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة، فلا يعذر في عدم: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل.
* وقد أخبر الله تعالى، بجهل كثير من الكفار، مع تصريحه بكفرهم... لا عذر لمن كان حاله هكذا، بكونه: لم يفهم حجج الله تعالى وبيناته؛ لأنه لا عذر له بعد بلوغها له، وإن لم يفهمها.
* وقد أخبر الله تعالى، عن الكفار: أنهم لم يفهموا، فقال تعالى: ]وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا[ [الأنعام: 25]؛ فبين تعالى؛ أنهم: لم يفهموا، فلم يعذرهم، لكونهم: لم يفهموا).اهـ
قلت: فإذا ثبت ذلك في العبد، فليس أن يبحث، هل فهم المخاطب، أو لم يفهم، فمن كان صادقا، فإنه يوفق لفهم خطاب الله تعالى، ومن كان غير ذلك، فإنه يعمى عليه، ولا تكون له حجة في ذلك.
* فأهل العلم: لم يتنازعوا في كون فهم الخطاب في الجملة؛ من المكلف شرطا، في قيام الحجة عليه، يعني: المكلف العاقل الذي يدرك الخطاب ابتداء.
سئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: عن مسألة قيام الحجة؟
فأجاب فضيلته: (بلغهم القرآن، هذا بلاغ للناس، القرآن بلغهم، وبين المسلمين: ]وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19]، ]هذا بلاغ للناس[ [إبراهيم:52]، ]ياأيها الرسول بلغ[ [المائدة:67].
* قد بلغ الرسول، وجاء القرآن، وهم بين أيدينا يسمعونه في الإذاعات، ويسمعون في غيرها، ولا يبالون، ولا يلتفتون، وإذا جاء أحد ينذرهم ينهاهم آذوه، نسأل الله العافية) ([20]).اهـ
وسئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: الاختلاف في مسألة العذر بالجهل من المسائل الخلافية؟
فأجاب فضيلته: (مسألة عظيمة، والأصل فيها أنه لا يعذر من كان بين المسلمين، من بلغه القرآن والسنة، ما يعذر.
* الله جل وعلا قال: ]هذا بلاغ للناس[ [إبراهيم:52]، ]وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19]، من بلغه القرآن والسنة غير معذور، إنما أوتي من تساهله، وعدم مبالاته) ([21]).اهـ
قلت: فمن جهل الأحكام في مباني الإسلام، وهي: «الصلاة»، و«الزكاة»، و«الصيام»، و«الحج»، فتركها هذا الجاهل، يكفر بمجرد ذلك.
ولا يعذر بجهله، خاصة في زماننا هذا([22])، الذي استفاض فيه علم الشرع، وانتشر بين العامة والخاصة، وعرف هذا العلم، الخاص، والعام، واشترك فيه: العالم، والجاهل، فلا عذر لأحد، بتأويل: يتأوله بالباطل في الأصول والفروع في الدين.
* إن المعلوم من الدين بالضرورة قد اشترك فيه أفراد الأمة، علماء، وطلبة، وعامة([23])، فلا عذر لأحد في المعلوم من الدين بالضرورة.
وعليه؛ فإن إطلاق القول بأن المعلوم من الدين بالضرورة، أمر قد قامت به الحجة على جميع الناس، فلا يسعهم جهله، ومن ثمة مخالفته.
قال العلامة ابن أبي العز الحنفي / في «شرح العقيدة الطحاوية» (ص70): (فلا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول r، إيمانا عاما مجملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول r على التفصيل، فرض على الكفاية، فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله تعالى به رسوله r، وداخل في تدبر القرآن، وعقله، وفهمه). اهـ
* والمشركون: الذين عاصروا؛ نزول الوحي على رسول الله r؛ فهموا([24]): مدلول آيات القرآن على الإجمال، في التوحيد، والبعث، والرسالة، لأنهم أهل اللغة العربية، وكذا الأعاجم.
* وقد قامت عليهم الحجة، وكفروا بالله تعالى، ونفى الله عنهم الفهم، والفقه على التفصيل، وهذا النوع من الفهم: هو فهم التفقه في الدين.
قال تعالى: ]أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا[ [الفرقان:44].
وقال تعالى: ]وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا[ [الأنعام:25].
قلت: إذا، فلا بد من وجود نوع آخر من الفهم، لقيام الحجة على الخلق، وهو الفهم المجمل، الذي يعقل من الإنسان العاقل.
قلت: وهذا النوع من الفهم: هو الفهم اللغوي، فإنه لا يحتاج إليه، لقيام الحجة، فإذا وصل القرآن إلى الأعجمي، فقد قامت عليه الحجة، لأنه يفهم القرآن، الفهم المجمل.
فالأعاجم: لما بلغهم القرآن، فهموا مدلول آياته على الإجمال، من التوحيد، والبعث، والرسالة، لأنهم: عقلاء.
قال العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب / في «الرسائل الشخصية» (ج7 ص220): (إذا كان المعين: يكفر، إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم، أن قيامها ليس معناه، أن يفهم كلام الله تعالى، ورسوله r، مثل: فهم أبي بكر t.
* بل إذا بلغه كلام الله تعالى، ورسوله r، وخلا من شيء يعذر به، فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن، مع قول الله تعالى: ]وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه[ [الأنعام: 25 ]). اهـ
وقال العلامة الشيخ حمد بن معمر التميمي / في «النبذة الشريفة» (ص116): (وليس المراد بقيام الحجة، أن يفهمها الإنسان، فهما، جليا، كما يفهمها من هداه الله تعالى ووفقه، وانقاد لأمره). اهـ
وقال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ / في «منهاج التأسيس» (ص251): (وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل عليهم السلام، فقد قامت عليه الحجة، إذا كان على وجه يمكن معه العلم). اهـ
قلت: والعلم هنا؛ المراد منه، ليس علم التفقه، بل المراد منه العلم في الجملة، الذي يعرفه كل عاقل مكلف، لأن بعقله، وبفهمه على الإجمال، يعلم أنه مكلف بالدين الإسلامي ابتداء. ([25])
* فإذا تمكن من هذا العلم في الجملة، بعد ذلك يأتي من هذا الإنسان العاقل علم التفقه، وفهم التفقه، حتى يعرف الإسلام جملة وتفصيلا، على حسب اجتهاده في تعلم علم الفقه.
والحاصل: أن مقصود أهل العلم، من عدم اشتراط الفهم، لقيام الحجة على الناس.
هو النوع الأول: من الفهم، وهو الفهم المجمل، وليس مقصودهم النوع الثاني وهو فهم التفقه، الذي يؤدى على الامتثال، والانقياد على التفصيل.
قال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ / في «منهاج التأسيس» (ص252): (ولا يشترط في قيام الحجة، أن يفهم عن الله تعالى، ورسوله r ما يفهمه أهل الإيمان، والقبول، والانقياد، لما جاء به الرسول r). اهـ
قلت: فالبيان يتحقق بما يفهمه الإنسان بحسب لغته، للجاهل العربي، والجاهل الأعجمي، ويعد بيانا لهما. ([26])
فبلوغ الحجة يكون بالعربية لمن يحسنها، أو بالترجمة، إن حصلت: لمن كان أعجميا، لا يعرف العربية، وإلا في الأصل إذا بلغ هذا الأعجمي القرآن، فقد قامت عليه الحجة، لأنه مكلف عاقل، ويعلم ماذا يريد منه القرآن، وإلا كيف أسلم الأعاجم على مر العصور، وكر الدهور، لأنهم: يعلمون ماذا يريد الله تعالى بالقرآن، والإسلام، وبعثة النبي r. ([27])
قال الإمام ابن القيم / في «طريق الهجرتين» (ص413): (الواجب على العبد، أن يعتقد أن كل من دان بدين، غير الإسلام، فهو كافر، وأن الله تعالى، لا يعذب أحدا؛ إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول r، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه). اهـ
هذا من جهة؛ إذ بعد أن بعث الله تعالى، محمدا r: رسولا، إلى الناس، وأكمل له الدين، ثم بيانه r: لما أرسل به، أحسن بيان وأبلغه.
* ومن جهة أخرى؛ فإن تخلية الله تعالى، للناس: بينهم، وبين الهدى، وبيان الرسول r له.
* وإراءتهم الصراط المستقيم، حتى كأنهم يشاهدونه، عيانا، وأقام لهم أسباب الهداية، ظاهرا، وباطنا.
* ولم يحل بينهم، وبين تلك الأسباب، بل ومن حال بينه، وبينها منهم؛ بزوال عقل، أو صغر، لا تمييز معه، أو كونه بناحية من الأرض، لم تبلغه دعوة رسله، فإنه لا يعذبه، حتى يقيم عليه حجته، فهذا كله مما يجعل حجة الله تعالى، قائمة على العباد.([28])
قال العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: (الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
* فقد كثر في هذا الوقت الكلام في العذر بالجهل مما سبب في الناس تهاونا في الدين، وصار كل يتناول البحث والتأليف فيه مما أحدث جدلا، وتعاديا من بعض الناس في حق البعض الآخر.
* ولو ردوا هذه المسألة إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله r،وإلى أهل العلم لزال الإشكال، واتضح الحق؛ كما قال الله تعالى: ]ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم[ [النساء: 83]، وإذا لسلمنا من هذه المؤلفات، والبحوث المتلاطمة التي تحدث الفوضى العلمية التي نحن في غنى عنها، فالجهل هو عدم العلم، وكان الناس قبل بعثة الرسول r في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، فلما بعث الله هذا الرسول r، وأنزل هذا الكتاب، زالت الجاهلية العامة، ولله الحمد، قال تعالى: ]هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين[ [الجمعة:2]، فالجاهلية العامة زالت ببعثته r، أما الجاهلية الخاصة قد يبقى شيء منها في بعض الناس، ولهذا قال النبي r: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، والجهل على قسمين: جهل بسيط، وجهل مركب، فالجاهل البسيط: هو الذي يعرف صاحبه أنه جاهل فيطلب العلم، ويقبل التوجيه الصحيح.
والجاهل المركب: هو الذي لا يعرف صاحبه أنه جاهل، بل يظن أنه عالم، فلا يقبل التوجيه الصحيح، وهذا أشد أنواع الجهل.
* والجهل الذي يعذر به صاحبه: هو الجهل الذي لا يمكن زواله، لكون صاحبه يعيش منقطعا عن العالم، لا يسمع شيئا من العلم، وليس عنده من يعلمه؛ فهذا إذا مات على حاله فإنه يعتبر من أصحاب الفترة([29])، قال تعالى: ]وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا[ [الإسراء:15].
* والجهل الذي لا يعذر به صاحبه: هو الجهل الذي يمكن زواله لو سعى صاحبه في إزالته؛ مثل: الذي يسمع أو يقرأ القرآن، وهو عربي يعرف لغة القرآن، فهذا لا يعذر في بقائه على جهله، لأنه بلغه القرآن بلغته، والله تعالى يقول: ]قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19]، فالذي بلغه القرآن، ووصلت إليه الدعوة، والنهي عن الشرك الأكبر، لا يعذر إذا استمر على الشرك، أو استمر على الزنا، أو الربا، أو نكاح المحارم، أو أكل الميتة، وأكل لحم الخنزير، وشرب الخمر، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو ترك الصلاة، أو منع الزكاة، أو امتنع عن الحج وهو يستطيعه، لأن هذه أمور ظاهرة، وتحريمها أو وجوبها قاطع، وإنما يعذر بالجهل في الأمور الخفية حتى يبين له حكمها، فالعذر بالجهل فيه تفصيل:
أولا: يعذر بالجهل من لم تبلغه الدعوة، ولم يبلغه القرآن، ويكون حكمه أنه من أصحاب الفترة.([30])
ثانيا: لا يعذر من بلغته الدعوة، وبلغه القرآن، في مخالفة الأمور الظاهرة كالشرك، وفعل الكبائر، لأنه قامت عليه الحجة، وبلغته الرسالة، وبإمكانه أن يتعلم، ويسأل أهل العلم؛ عما أشكل عليه، ويسمع القرآن، والدروس، والمحاضرات في وسائل الإعلام.
ثالثا: يعذر بالجهل في الأمور الخفية التي تحتاج إلى بيان حتى تبين له حكمها، ولهذا قال النبي r: «إن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه» ([31])، فالحلال بين يؤخذ، والحرام البين يتجنب، والمختلف فيه يتوقف فيه حتى يتبين حكمه بالبحث، وسؤال أهل العلم.
* فالجاهل يجب عليه أن يسأل أهل العلم، فلا يعذر ببقائه على جهله وعنده من يعلمه، قال الله تعالى: ]فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون[ [النحل: 43]، فيجب على الجاهل أن يسأل، ويجب على العالم أن يبين ولا يكتم، قال الله تعالى: ]إن الذين يكتمون ما أنزلنا منالبينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم [ [البقرة: 159-160]، ولا يجوز للمتعالم؛ وهو: الجاهل المركب أن يتكلم في هذه الأمور بغير علم). اهـ
قلت: ومن التيسير على الخلق في هذا الزمان، أن يسر الله تعالى لهم، التطورات الحديثة، بجميع أنواعها، في معرفة علم الدين، وعلم الدنيا.
* من وسائل الاتصالات، ووسائل المواصلات، ووسائل الإعلام المرئي، والإعلام السمعي، ووسائل آلات الكتابة والطباعة، والإذاعات المتنوعة، التي تصل إلى جميع الخلق على وجه الأرض، مهما كان مكان الإنسان من البعد في الأرض، حتى الذين في الغابات، والذين على أطراف الأرض من القرى، فقد وصل لهم دين الإسلام، ووصل لهم علم الدين، وعلم الدنيا. ([32])
* فشاع دين الإسلام في العالم بأسره، وهذا من التيسير على الناس، ففي هذه الحالة، فلا عذر لهم بسبب جهلهم، إذا لم يتعلموا الدين، فقامت عليهم الحجة القاطعة للعذر.
* فالحكم في مسألة المعلوم من الدين بالضرورة، ومدى العذر بجهله، مرجعه الكتاب، والسنة، والآثار، لما في هذه الأصول من التفصيل على النحو الذي مر معنا: بالنسبة لمسألة العذر بالجهل، التي توصلت إليها:
1) أن الجهل صفة مذمومة، والواجب على الإنسان، أن يبذل وسعه قدر الإمكان في رفعها عنه، وبخاصة: في أمور دينه الذي لا يستقيم، إلا بإقامتها.
2) أن الجهل عذر مؤقت، ومقيد بعدم توفر الشروط، فإذا وجدت هذه الشروط، أو أمكن وجودها، تقديرا، فإن الجهل لا يبقى عذرا، بل يصبح ذما، وسببا في الخسران، في الدنيا، والآخرة.
3) أن قيام الحجة على من خالف، أمرا، شرعيا، بفعل، أو قول، أو ترك، أو غير ذلك، هو: مناط المؤاخذة.
4) التقدير في قيام الحجة، من عدمه: مرجعه الكتاب، أو السنة، أو الآثار، أو الإجماع.
5) أن دار الإسلام، بالضرورة ظهور الأحكام الشرعية فيها، وبالتالي قامت الحجة على الناس فيها.
6) أن دار الكفر في الغرب، قد ظهرت فيها الأحكام الشرعية، وانتشر المسلمون فيها، وبنيت المساجد، وقامت فيها شعائر الدين، من: «صلاة»، و«صيام»، و«دعوة»، و«مراكز تعليم القرآن والسنة»، وغير ذلك، فقد قامت عليهم الحجة، ببلوغ الرسالة إليهم، وبلغتهم الدعوة الإسلامية.
7) أن الكفار كلهم بلغتهم الدعوة، على وجه الفهم، سواء المجمل، أو المفصل في بلدانهم، وقامت عليهم الحجة، فلا عذر لهم.
8) أن العذر بالجهل ثابت في الأحكام الدقيقة، وهي قليلة جدا، بالنسبة، للأحكام الظاهرة، والبينة، في أصول الدين، وفروعه.
9) أن الإقرار المجمل بالتوحيد، والبراءة المجملة، من الشرك، قد قامت فيها الحجة؛ بالنطق بالشهادتين، وبلوغ القرآن، والرسالة.
ولذلك؛ لا يعذر أحد، بجهل، أن الله تعالى وحده، هو المستحق للعبادة؛ لأن ذلك، هو مقتضى الشهادة لله بالوحدانية، فمن اعتقد أن غير الله تعالى يستحق العبادة مع الله تعالى، أو من دونه، فلا يكون مسلما أصلا، فضلا، عن أن يعذر بجهل، ذلك بعد الإسلام.
10) أن الحكم على شخص، بكفر، أو غيره، مرتبط بمدى توفر الشروط، وانتفاء الموانع.
11) أن القول، بالتكفير؛ عند أهل السنة، هو بالعموم، فإذا تحقق من أحد، أنه كفر حقيقة، كانت الحقيقة مقدمة، فيحكم بكفره بعينه.
12) أن المعلوم من الدين بالضرورة، يتنوع في الأحكام، ويحكم على تاركه بالكفر، ولا يعذر بجهله.
13) أن منهج أهل السنة، في تكفير المعين، هو القول بالعموم.
أما التعيين، فمناطه العلم، بحال المعين.
لذلك؛ فمن قام الدليل، على أنه وجدت فيه شروط التكفير، وانتفت عنه موانعه، فإنه يكفر بعينه.
14) أن مناط التكليف، والجزاء، هو ورود الشرع، وقيام الحجة.
15) أن بلوغ الحجة، وفهمها، شرط في قيامها، وأن الفهم الذي ثار حوله: نوع من الخلاف، يطلق، ويراد به معنيان:
المعنى الأول: هو الفهم المجمل، للنص، والخطاب، الذي يدرك به المقصود، من مراد الشارع على وجه الإجمال.
المعنى الثاني: هو الفهم المفصل للنصوص، وهو المؤثر في السلوك، كفهم طلبة العلم.
* والمشروط: في قيام الحجة، هو الفهم، بالمعنى الأول، وهو: الفهم المجمل.
16) أن الجهل إذا توفرت أسبابه الشرعية، وخلا من التفريط، والإهمال، والعداوة، ثم أوقع في الخطأ، من غير مشاقة: الله تعالى، ورسوله r، فإنه يكون عذرا، في مسائل الفروع.
ولذلك؛ أمكن القول، في مثل هذه الحالة، بتلازم الجهل والعذر.
17) أن التأويل الذي يعذر صاحبه، هو الذي يصدر، عن أهل العلم: من ذوي الفضل والعقل، الذين عندهم حرص على اتباع الكتاب والسنة والآثار.
أما التأويل: الذي لا يعذر صاحبه، فهو الذي يتضمن، في حقيقته التكذيب، أو الإعراض، أو غير ذلك، كما هو حال أهل الأهواء والبدع، بجميع أنواعهم، ومن هم على شاكلتهم.
18) أن القول بعذر الجاهل، بالضوابط الشرعية، هو الذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة.
19) أن مناط تكفير، من وقع في الشرك.
1) اعتقاد استحقاق غير الله تعالى للعبادة، بالقول، أو الفعل.
2) الوقوع في الشرك الأكبر.
3) الإصرار على المخالفة في ذلك.
20) أن وصف الإسلام، يثبت للشخص، بالنطق بالشهادتين، في الجملة، ثم التفصيل.
قال تعالى: ]وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا[ [الحشر:7].
وقال تعالى: ]من يطع الرسول فقد أطاع الله[ [النساء:80].
وقال تعالى: ]وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول[ [المائدة:92].
قلت: لقد فرض الله تعالى طاعته، وطاعة رسوله r، وحجج الله تعالى، في مثل: هذا قائمة على الخلق، فلا يسع أحدا، أن يستنكف عن طاعة الله تعالى، وطاعة الرسول r.
ومما يتصل بهذا الموضوع: مسائل الحلال والحرام، التي تحتاج الأمة إلى بيانها، فقد قطع العذر فيها، ببيان الكتاب والسنة لها.
قال تعالى: ]ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء[ [النحل:89].
وقال تعالى: ]يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم[ [النساء:176].
وقال تعالى: ]وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم[ [النحل:44].
ثم إن هذا التقرير متعلق بما وضح من أمور الدين، وشاع العلم به وذاع.
وعن النعمان بن بشير ﭭ قال: سمعت رسول الله r يقول: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). ([33])
* أما المسائل الدقيقة، والخفية، والتي ليس فيها مناقضة للتوحيد، والرسالة، والتي لا يعلمها؛ إلا أهل العلم، فليست داخلة، فيما سبق ذكره، وفيما نحن بصدد تقريره.
سئل: العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز /: متى يعذر الإنسان بالجهل، لو تكرمتم؟
فأجاب فضيلته: (يعذر بالأشياء الخفية، لا سيما في بعض الأحكام الشرعية، قد تخفى على العامي حتى يتعلم، أما الذي بين المسلمين وقال: لا أدري عن الزنى، ما يعذر وهو بين المسلمين، الزنى معروف عند المسلمين أنه حرام، فلو قال: ما عرفت أن الزنى حرام، لا يعذر بهذا، أو قال: ما عرفت أن الخمر حرام وهو بين المسلمين، لا يعذر، لكن في بعض المسائل التي قد تخفى في مسائل الأحكام الدقيقة قد يعذر فيها الإنسان، لأجل كونه ليس من أهل العلم، كذلك لو قال: ما أعلم أن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات ممنوع، لا يعذر بهذا؛ لأن هذا هو أصل التوحيد وأصل الدين، والله أنزل القرآن للنهي عن هذه الأمور والقضاء عليها، وبين حال المشركين، وحذر من أعمالهم) ([34]). اهـ
وقال العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في «مسألة العذر بالجهل» (ص55): (يعذر بالجهل في الأمور الخفية التي تحتاج إلى بيان حتى تبين له حكمها، ولهذا قال النبي r: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه»([35])، فالحلال بين يؤخذ، والحرام البين يتجنب، والمختلف فيه يتوقف فيه حتى يتبين حكمه بالبحث، وسؤال أهل العلم.
* فالجاهل يجب عليه أن يسأل أهل العلم، فلا يعذر ببقائه على جهله، وعنده من يعلمه، قال الله تعالى: ]فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون[ [النحل: 43]، فيجب على الجاهل أن يسأل، ويجب على العالم أن يبين ولا يكتم، قال الله تعالى: ]إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم[ [البقرة: 159-160]، ولا يجوز للمتعالم؛ وهو: الجاهل المركب أن يتكلم في هذه الأمور بغير علم). اهـ
وفق الله الجميع للعلم النافع، والعمل الصالح، والإخلاص في القول والعمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
كتبه
أبو عبد الرحمن الأثري
ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ
ذكر الدليل
على الأفعال الشركية التي تقوم بها الفرقة القبورية، وهي التي لم يكفرها يحيى الحجوري، وبذلك: خالف القرآن بتكفيرهم
فإن من البلاء العريض الذي وقع في هذه الأمة؛ مع كثرة النصوص المحذرة منه وتنوعها، التعلق بعبادة القبور الذي يبدأ بالبناء عليها، والتبرك بها، والطواف عليها، والاستغاثة بها، من دون الله تعالى، مما هو من: «الشرك الأكبر».([36])
* ومما يؤسف له تهوين البعض -ممن يدعي السلفية- هذا الأمر الخطير، وزعم البعض أنه من الأمور المفترضة التي لم توجد في الأمة في هذا العصر. ([37])
* وما سبقت الإشارة إليه من وجود خطورة على عقيدة المسلمين، تمثلها الدعوة القوية للصوفية القبورية، وتزيين مبادئها، وأعمالها الشركية، ونشر أصولها الكفرية.
* فالعبادات القبورية من أقوى معاول هدم العقيدة الإسلامية، وزعزعة قواعد التوحيد، وتعطيل أركان الإسلام كلها.
قلت: إن كثيرا من المنتسبين إلى العلم، يعرفون حقيقة: «الصوفية القبورية»، بصورة مجملة، فهم يبغضونها ويحاربونها، ولكنهم: يخفقون في بعض الأحيان إذا سئلوا عنهم في شركهم، وبدعهم، وذلك: لعدم المعرفة المفصلة بها.
* فأردت أن أبين لطلبة العلم، حال هؤلاء: «المرجئة العصرية»، ومنهم: «يحيى الحجوري» هذا، إذ لا أهم من التحذير من الشرك، والعمل على حماية التوحيد، فهذان الأصلان هما: خلاصة دعوة الرسل عليهم السلام.
* والقبورية لغة: جمع قبوري، ويطلق هذا اللفظ على مقدسي القبور، والغلاة فيها، لأنه قد صار كالعلم عليهم.
* وأصل القبورية: مأخوذة من: «القبر»، وهو مدفن الإنسان إذا مات، وجمعها: قبور.
* والمقبرة: موضع القبور، وجمعها: مقابر، وقبرت الميت قبرا إذا: دفنته. ([38])
* والقبورية في الاصطلاح: هي إطلاق وصف القبورية على الغلاة في تعظيم القبور وتقديسها، والاعتقاد فيها ما لا يجوز اعتقاده؛ إلا في الله تعالى، وقصدها بأنواع العبادات والقربات، ودعاء أربابها من دون الله تعالى. ([39])
قال العلامة الصنعاني / في «تطهير الاعتقاد» (ص37): (والنذر بالمال على الميت ونحوه، والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي تفعله الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثنا، وصنما، وفعله: القبوريون لما يسمونه: وليا، وقبرا، ومشهدا، والأسماء لا أثر لها، ولا تغير المعاني). اهـ.
وقال العلامة الشوكاني / في «الدر النضيد» (ص63): (وهؤلاء: القبوريون قد جعلوا بعض خلق الله تعالى: شريكا له، ومثلا وندا، فاستغاثوا به فيما لا يستغاث فيه؛ إلا بالله تعالى، وطلبوا منه ما لا يطلب إلا من الله تعالى، مع القصد والإرادة).([40]) اهـ.
* فأهل العلم: يطلقون لفظ: «القبورية»، على الغلاة في أرباب القبور الذين يعتقدون فيهم النفع والضر.
* ويطلبون منهم: حاجاتهم، ويلوذون بهم عند خوفهم، ويقدمون لهم أنواعا من العبادات، والقرابين؛ كالدعاء، والنذر، والذبح، والحلف بهم. ([41])
* فالقبورية: عبدت أصحاب القبور، واعتقدت فيهم عقائد: شركية، كفرية، ضالة في الدين. ([42])
قلت: وهذا يدل على أن أعظم انحراف في الدين، هو: الإشراك بالله تعالى، وعبادة غيره معه. ([43])
* ولذلك: كانت أعظم غاية من إرسال الرسل عليهم السلام: هي إزالة الشرك، وإعادة الناس إلى: التوحيد.
قال تعالى: ]ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت[ [النحل: 36].
وقال تعالى: ]وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون[ [الأنبياء: 25].
قلت: وهذا يدل على خطورة عقائد: «الفرقة الصوفية القبورية»، وأنها لها علاقة قوية، بشرك: الوثنية الكفرية. ([44])
* وتظهر تلك الخطورة، أن الشرك بالله تعالى، هو سبب هلاك كثير من الأمم في الدنيا، قبل الآخرة.
قال تعالى: ]قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين[ [الروم:42].
قال الحافظ ابن الجوزي / في «زاد المسير» (ج6 ص154): (قوله تعالى: ]كان أكثرهم مشركين[ [الروم:42]؛ المعنى: فأهلكوا بشركهم). اهـ.
قلت: والشرك بالله تعالى، يحبط الأعمال.
قال تعالى: ]ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون[ [الأنعام: 88].
قال الحافظ ابن كثير / في «تفسير القرآن» (ج2 ص139): (قوله تعالى: ]ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون[ [الأنعام: 88]؛ تشديد لأمر: الشرك، وتغليظ شأنه، وتعظيم لملابسته). اهـ.
قلت: فالشرك بالله تعالى، هو دعوة إلى عبادة الوثنية الكفرية.
* والوثنية الكفرية: هي الوعاء الذي يحوي: الشرك بالله تعالى، والجسم الذي يتجسد، ويسري فيه ذلك: الروح.
* فالأصنام والأوثان: ما هي إلا مظاهر يتجسد فيها: الشرك الذي يتعلق في الحقيقة، بمخلوقات أخرى، اعتقدها: المشركون، وتعلقت بها قلوبهم، ومنحوها صفات الرب سبحانه. ([45])
قال تعالى: ]ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون[ [يونس:18].
قلت: ونظيره في هذا الزمان، قد اشتغل: «الصوفية القبورية»، بتعظيم القبور، وقد اعتقدوا أنهم إذا عظموا هذه القبور؛ فإنهم: يكونون شفعاء لهم عند الله تعالى. ([46])
* فالغلو بأرباب القبور، الذي يظن أنهم: أولياء لله تعالى، ومقربون لديه.
* فإن ذلك المنهج، هو نفسه أصل: الوثنية، وعبادة الأصنام. ([47])
قال تعالى: ]وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا[ [نوح: 23].
قال الحافظ ابن حجر / في «فتح الباري» (ج8 ص667): (وقصة: الصالحين، كانت مبدأ عبادة قوم نوح عليه السلام، هذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك). اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر / في «التمهيد» (ج5 ص45): (الوثن: الصنم، هو الصورة، من ذهب كان أو من فضة، أو غير ذلك من التمثال، وكل ما يعبد من دون الله تعالى، فهو: وثن، صنما كان، أو غير صنم). اهـ.
قلت: فمن الشرك، تعظيم القبور، الذي فتن به الجاهلون في عدد من البلدان، حتى بنوا عليها القباب، واتخذوا لها الأقفاص، وطافوا بها، وحجوا إليها، ونذروا لها.([48])
قال الإمام القرطبي / في «الجامع لأحكام القرآن» (ج10 ص381): (وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله، تفخيما وتعظيما، فلذلك: يهدم ويزال.
* فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبها بمن كان يعظم القبور ويعبدها). اهـ.
* فالقبورية، هي دعوة إلى الشرك، والوثنية. ([49])
قلت: فهذا كله برهان واضح على خطورة تلك المظاهر الوثنية، وما تجره على الأمة من انحراف في عقيدتها.
قال الإمام ابن القيم / في «إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان» (ج1 ص212): (فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله تعالى). اهـ.
* وقد حذر النبي r من اتخاذ القبور مساجد، ولعن من فعل ذلك.
فعن عائشة ڤ قالت: قال رسول الله r: (إن أولـٰئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولـٰئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة). ([50])
وعن عائشة ڤ قالت: قال رسول الله r: (لعن الله اليهود، والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). ([51])
* وقد بين الحافظ ابن كثير / في «البداية والنهاية» (ج2 ص101)؛ أن تلك: «القبورية»، عند النصارى، إنما حدثت فيهم: بعد أن حرفوا دينهم.
* وبهذا يتضح أيضا: «قبورية النصارى»، وغلوهم في أنبيائهم، وصالحيهم، حتى عبدوهم من دون الله تعالى.
قلت: وبهذا يتضح أيضا، أن: «القبورية» من هذه الأمة، إنما حدثت فيهم بعد أن حرفوا دينهم، وقالوا: بـ«التصوف» الخبيث، وتحاكموا إلى الطاغوت، وغلوا في قبور الأموات، حتى عبدوهم من دون الله تعالى. ([52])
* وهؤلاء يقلدون أمم الكفر في عبادتهم للقبور.
* فهذه الأمة اليونانية، فقد كانت أمة: «وثنية قبورية»، تأله كل ما أعجبت به من مظاهر الكون، حتى عبدت القبور.
قال الفقيه الرازي / في «المطالب العالية» (ج7 ص7): (إن فلاسفة اليونان كانوا يستمدون الفيوض من: القبور وأهلها، إذا اعترتهم مشكلة من المشكلات، وكان الفلاسفة من تلاميذ: «أرسطو»، إذا دهمتهم نازلة ذهبوا إلى: «قبره»، للحصول على المدد والفيض([53])!). اهـ.
قلت: وهذا يدل أن: «القبورية» في هذه الأمة، هم: يتبعون قبورية، اليهود، والنصارى، واليونان وغيرهم؛ تصديقا: لحديث الرسول r.
فعن أبي سعيد الخدري t قال: قال رسول الله r: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن). ([54])
وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر، وذراعا بذراع، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟، فقال: ومن الناس إلا أولئك). ([55])
* فإذا ثبت أن تلك الأمم: عظمت القبور، وآثار الصالحين، وتدرجت في ذلك حتى عبدت القبور.
* فإن من هذه الأمة من سيفعل ذلك، وهذا ما أخبر عنه رسول الله r، وما يشاهد على أرض الواقع.
* وقد وقع ما أخبر به الرسول r كاملا، والذي يهمنا إثباته هو مشابهة هذه الأمة للأمم قبلها في قبوريتهم ،وتعظيمهم للقبور.
* وهذا محمد علوي الصوفي، وهو باعث القبورية من جديد، واستمع إليه، وهو يحكي أحوال الزائرين للرسول r في قبره، قال في «شفاء الفؤاد بزيارة خير العباد» (ص124): (تختلف أحوال الزائرين في استفادتهم من زيارتهم، واستمدادهم من الله تعالى، بواسطة: نبيهم المصطفى، وبحسب استعدادهم في تلقي الفيوضات الإلهية، والواردات الربانية، بواسطة: الحضرة المحمدية). اهـ.
قلت: ومما سبق ذكره، أن: «القبورية»، هي أصل: «الوثنية»، عند العرب أيام الجاهلية. ([56])
قال تعالى: ]أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب * وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد * ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق[ [سورة «ص»: 5 و6 و7].
* فإن النبي r، أنذر بعودة الشرك، والوثنية إلى هذه الأمة، من أقوام جهلة، وصرح r، بعبادة الأوثان، وهي من مثل أوثان العرب في جاهليتها، وبلحوق أقوام من أمته بالمشركين. ([57])
عن ثوبان t، عن النبي r قال: (لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان). ([58])
وعن عائشة ڤ قالت: قال رسول الله r: (لا يذهب الليل والنهار، حتى تعبد اللات والعزى). ([59])
قلت: وهذا يدل على أن الأوثان، من القبور وغيرها ستعبد، وأن أقواما من أمة محمد r، سيلتحقون بالمشركين في عبادتهم للوثنية، وهذه العبادة وقعت من: «الصوفية القبورية»، في كل زمان، وفي هذا الزمان، والواقع يشهد بذلك، والله المستعان: ]فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم[ [الصف: 5].
قال تعالى: ]فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله[ [آل عمران: 7].
* وهذه العقائد الشيعية، هي أيضا :باعثة إلى: «القبورية».
* والشيعة فرقة غالية باتفاق أهل العلم، في عبادة القبور، وغلوها في كافة: عباداتها، حتى صرحت: «الفرقة السبئية»، بألوهية: علي بن أبي طالب t في حياته ([60])، وبعد موته.
قلت: فالشيعة، لهم: دور في نشر: «القبورية»، في الناس، حيث وصل الأمر بهم إلى اعتقاد: «ألوهية»، و«ربوبية»: الأئمة، وغلوهم من الصفات، ما لا يليق؛ إلا برب العالمين، وعلى ذلك: فقد جعلوا لقبورهم قداسة دونها كل قداسة.
* وإذا كان الأمر كذلك، فلا غرابة أن يبادروا إلى تفخيم القبور، وعمل كل ما من شأنه أن يبهر قلب الزائر، ويملأه هيبة، وتقديسا لتلك القبور الشركية.
* وتدرجوا في ذلك حتى وصلوا بها إلى هذا الذي نشاهده اليوم، في: «النجف»، و«كربلاء»، و«قم»، وغيرها. ([61])
وعلى هذا: فإن: «الصوفية»، ربيبة: «الشيعة»، ناشرة للقبورية في الأمة.
* وهذه الطائفة: غلت في أصحاب القبور، واعتقدت فيهم عقائد ضالة حملتها على تعظيم قبورهم، وآثارهم، والتقرب إليهم بأنواع من العبادات، حتى صيرتهم أندادا لله تعالى!.
* فالصوفية القبورية: أهم سماتها الغلو، وهو مجاوزة الحد في هؤلاء الناس الذين، زعمتهم: «أولياء لله تعالى»، مما نتج عنه عقائد ضالة. ([62])
ﭑ ﭑ ﭑ
فهرس الموضوعات
|
الرقم |
الموضوع |
الصفحة |
|
1) |
المقدمة. ................................................................................................... |
5 |
|
2) |
ذكر الدليل على الأفعال الشركية التي تقوم بها الفرقة القبورية، وهي التي لم يكفرها يحيى الحجوري، وبذلك: خالف القرآن بتكفيرهم.. |
34 |
([1]) انظر: «الدرر السنية» (ج10 ص93 و95)، و«مجموع الفتاوى النجدية» (ج3 ص238)، و«حكم تكفير المعين، والفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة» للشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ (ص11 و12)، و«مسألة في العذر بالجهل» للشيخ ابن باز (ص15 و26 و27 و36 و43)، و«مسألة العذر بالجهل» للشيخ الفوزان (ص57)، و«شرح كشف الشبهات» للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ص101)، و«الضياء الشارق في الرد على المازق المارق» لابن سحمان النجدي (ص290 و291)، و«فتاوى اللجنة الدائمة» (ج2 ص96 و99).
([3]) وهذه الصفات، التي تميز بها كلام الله تعالى، وكلام رسوله r، القصد منها أساسا، إفهام الناس، خطاب الله تعالى الموجه إليهم، والمتضمن بعبادة الله تعالى وحده وطاعته، والنهي عن عبادة غير الله تعالى معه، أو من دونه، والنهي عن عصيانه تعالى.
([6]) الفهم: يعني، الفهم على التفصيل، فلا حاجة منه، بالنسبة إلى قيام الحجة، فمن بلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة.
وانظر: «الدرر السنية» (ج10 ص93 و95).
([7]) أخرجه البخاري في «صحيحه» (ج12 ص295)؛ في كتاب: «استتابة المرتدين»، في باب: «قتل الخوارج» (6930)، ومسلم في «صحيحه» (1066) من حديث علي بن أبي طالب t.
أخرجه الترمذي في «سننه» (3000)، وابن ماجه في «سننه» (176)، وأحمد في «المسند» (ج5 ص250) من حديث أبي أمامة t.
([14]) قلت: وأما على الإجمال، فإنه يفهم حجة القرآن، ويفهم السنة، ويعلم أنه رسول الله r إذا سمع به، ويدري بالرسالة إذا وصلت إليه، وسمع بها.
([22]) فأما اليوم، وقد شاع الدين في الأرض، واستفاض في دار الإسلام، علم الأصول، وعلم الفروع في العالم كله.
* حتى في دار الكفر شاع دين الإسلام، بين الكفار؛ لوجود المسلمين بينهم، فلا عذر لأحد من الخلق بسبب الجهل، لأن الحجة قامت عليهم، ببلوغ القرآن إليهم، وترجمة القرآن بغالب اللغات في العالم، وبلغت رسالة الرسول r لذلك.
([23]) ومنه ما هو مختص بالعلماء فقط، وهذا في الأمور الدقيقة، بحيث يكون معلوما لهم بالضرورة، ولا يكون كذلك لمن هم دونهم في العلم، كالعامة مثلا.
انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي (ص70).
([25]) لذلك ترى الكفار من اليهود والنصارى، والمجوس وغيرهم، يعادون الدين الإسلامي، لعلمهم، بأنه دين الحق، الذي أنزله الله تعالى للخلق كافة.
* فعلموا هذا الدين على الإجمال، وفهموه في الجملة، فقامت عليهم الحجة، فكفروا بالله تعالى، وبرسوله r.
([26]) والفهم المنفي: عن الخلق، هو فهم التفقه فقط ابتداء، ولم ينف الله تعالى عنهم: ابتداء، الفهم المجمل، الذي تقوم عليهم الحجة، ببلوغ القرآن إليهم.
قال تعالى: ]وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ[ [الأنعام:19].
وقال تعالى: ]رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل[ [النساء:165].
وعن عبد الله بن عمرو t قال: قال رسول الله r: (بلغوا عني ولو آية).
أخرجه البخاري في «صحيحه» (3461).
([28]) انظر: «شفاء العليل» لابن القيم (ص168 و169)، و«طريق الهجرتين» له (ص413 و414).
قلت: والناس أقسام؛ حيال حجة الله تعالى:
* فمنهم: القابل لها، والمذعن لأحكامها.
* ومنهم: المعرض عن حجة الله تعالى.
* ومنهم: العالم بها، المعاند لها.
* ومنهم: الجاهل بها، مع عدم التمكين من معرفتها، إلا ابتداء.
* ومنهم: الجاهل بها، مع عدم التمكين من معرفتها على وجه التفصيل في الأحكام إلى أن مات.
قلت: ولكل قسم، من هذه الأقسام: حكمه عند الله تعالى.
([29]) قلت: أصحاب الفترة، قد قامت عليهم الحجة بالرسالات؛ إلى قيام الساعة؛ فلا عذر لهم، فيما وقعوا فيه من الشرك مثلا.
* والذين قالوا بعذر أهل الفترة، ابتداء، هم: عدد من أهل العلم المتأخرين، حيث أطلقوا على أهل الفترة، هم: الذين لم تبلغهم الدعوة، وبما فيهم: أطفال المشركين، وأنهم: يمتحنون يوم القيامة، وهذا ليس بصحيح، ولذلك أنهم: استدلوا، باجتهادهم على الأحاديث الضعيفة في ذلك، وهي ليست بحجة في الإسلام.
* وأهل الفترة: على الصحيح، هم: الذين عاشوا بين رسولين، لم يرسل إليهم الرسول الأول، ولم يدركوا الرسول الثاني، فهم: بين فترة من الرسل عليهم السلام، وهؤلاء: قامت عليهم الحجة بالرسول الذي من قبلهم، وببقايا من أهل العلم في تلك الفترة.
([30]) قلت: لا يعذر أحد بالجهل، حتى من أهل الفترة؛ لأنه قامت عليهم الحجة بالرسول الذي من قبلهم، وببقايا من أهل العلم، فقد بلغتهم الدعوة على ذلك، فلا وجود «لأهل الفترة» على وجه الأرض لا في قديم الزمان، ولا في هذا الزمان، إلى قيام الساعة.
([32]) لذلك، لا عذر لمن نشأ ببادية بعيدة، لم يتعلم الدين، في الأصول، والفروع، لأنه استفاضت الأحكام، حتى في البادية الآن، وانتشر العلم عندهم، عن طريق الوسائل الحديثة، وغيرها، بين أهل البادية، بجميع أنواعهم، وأماكنهم في البلدان.
([35]) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب: «الإيمان»، باب: «فضل من استبرأ لدينه» (52)، ومسلم في «صحيحه» (1599)، من حديث النعمان بن بشير t.
([36]) وانظر: «الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد» للشوكاني (ص63)، و«نيل الأوطار» له (ج4 ص95)، و«أقوال الشيخ ابن باز في العذر بالجهل» (ص29 و30)، و«فتاوى نور على الدرب» له (ج1 ص241 و245)، و«القول المفيد على كتاب التوحيد» لشيخنا ابن عثيمين (ص152 و264 و328).
([37]) والعجيب أن الواقع المعاصر يشهد بضد ذلك، فها هي الأضرحة في عدد من البلدان، ولها مزارات، لدى الألوف المؤلفة من أتباع: «الفرقة القبورية»، يعبدون هذه القبور من دون الله تعالى.
وانظر: «فتاوى نور على الدرب» للشيخ ابن باز (ج1 ص252).
([38]) انظر: «لسان العرب» لابن منظور (ج5 ص68)، و«القاموس المحيط» للفيروزآبادي (ص458)، و«همع الهوامع» للسيوطي (ج2 ص197).
([39]) انظر: «تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد» للصنعاني (ص37)، و«نيل الأوطار» للشوكاني (ج4 ص95)، و«الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد» له (ص63)، و«الصوارم الحداد القاطعة لعلائق أرباب الاتحاد» له أيضا (ص33).
([41]) فغلو الصوفية في الأولياء، وانحرافهم فيهم، هو الباعث على تقديسهم، وتقديس قبورهم، وأن يعتقد فيهم، ما لا يجوز اعتقاده؛ إلا في الله تعالى.
([42]) وانظر: «مرقاة المفاتيح» للقاري (ج3 ص14)، و«الزواجر عن اقتراف الكبائر» للهيتمي (ج1 ص148)، و«الدرر السنية» (ج2 ص352).
([43]) انظر: «الدر النضيد» للشوكاني (ص70)، و«أقوال الشيخ ابن باز في العذر بالجهل» (ص30 و31)، و«فتاوى نور على الدرب» له (ج1 ص257)، و«القول المفيد على كتاب التوحيد» لشيخنا ابن عثيمين (ص264)، و«كشف الشبهات» للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص1)، و«منهاج التأسيس» للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (ص199).
([44]) وانظر: «منهاج التأسيس» للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (ص190)، و«الفتاوى النجدية» (ج3 ص335)، و«إقامة البراهين» للشيخ ابن باز (ص22 و38)، و«تيسير العزيز الحميد» للشيخ سليمان آل الشيخ (ص89)، و«فتح الباري» لابن حجر (ج2 ص667 و669)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (ج18 ص308)، و«جامع البيان» للطبري (ج29 ص62).
([45]) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (ج2 ص58)، و«نيل الأوطار» للشوكاني (ج4 ص95)، و«جامع البيان» للطبري (ج29 ص62)، و«معالم التنزيل» للبغوي (ج8 ص232)، و«تفسير القرآن» لابن كثير (ج8 ص262).
([46]) انظر: «التفسير الكبير» للرازي (ج17 ص59 و60)، و«فتح الباري» لابن حجر (ج8 ص669)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (ج2 ص58).
([47]) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (ج8 ص667)، و«إغاثة اللهفان» لابن القيم (ج1 ص212)، و«التمهيد» لابن عبد البر (ج5 ص45)، و«مرقاة المفاتيح» للقاري (ج2 ص458).
([48]) انظر: «إصلاح المجتمع» للبيحاني (ص130)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (ج10 ص381)، و«نيل الأوطار» للشوكاني (ج4 ص95).
([49]) فمظاهر الوثنية القبورية، تؤدي إلى الشرك بالله تعالى.
وانظر: «إغاثة اللهفان» لابن القيم (ج1 ص212).
([53]) فاليونانيون: يؤمنون بـ«نظرية الفيض»؛ أي: أن «العقل الفعال»، الذي هو مواز للإله، هو يفيض على من دونه من المخلوقات.
وانظر: «جهود الحنفية في إبطال عقائد القبورية» للأفغاني (ج1 ص416).
([56]) وانظر: «فتح الباري» لابن حجر (ج8 ص612)، و«جامع البيان» للطبري (ج6 ص49)، و«السيرة النبوية» لابن هشام (ج1 ص77).
أخرجه أبو داود في «سننه» (ج2 ص499)، وابن ماجة في «سننه» (ج2 ص1304).
وإسناده صحيح.
والحديث صححه الشيخ الألباني في «صحيح سنن ابن ماجة» (ج2 ص352).