الرئيسية / محاضرات (تفريغ) / عقيدة أهل السنة والجماعة في وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر بالأدلة من الكتاب والسنة والآثار والإجماع (تفريغ)
2026-01-21
عقيدة أهل السنة والجماعة في وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر بالأدلة من الكتاب والسنة والآثار والإجماع (تفريغ)
الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، يعلم سر خلقه وجهرهم، ويعلم ما يكسبون، نحمده بجميع محامده، ونصفه بما وصف به نفسه، ووصفه به الرسول، وهو الله الرحمن الرحيم، قريب مجيب، قائل متكلم، وشاء مريد، فعال لما يريد. الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، له الأمر والخلق تبارك الله رب العالمين.
وله الأسماء الحسنى، يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم، يقبض ويبسط، ويرضى ويتكلم ويسخط، ويكره ويضحك، ويأمر وينهى، ذو الوجه الكريم، والسمع السميع، والبصر البصير، واليدين والقبضتين، والقدرة والسلطان والعظمة، والعلم الأزلي، لم يزل كذلك ولا يزال، استوى على عرشه فبان من خلقه، لا تخفى عليه منهم خافية، علمه بهم محيط، وبصره فيهم نافذ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
فبهذا الرب نؤمن، وإياه نعبد، ونصلي ونسجد، فمن قصد بعبادته إلى إله بخلاف هذه الصفات، فإنما يعبد غير الله، وليس معبوده بإله، كفرانه لا غفرانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، اصطفاه لوحيه، وأعطاه الرسالة، واختاره من خلقه لخلقه، وأنزل عليه كلامه المبين، وكتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين، فيه نبأ الأولين، وخبر الآخرين، من قال به صدق، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم.
واخترت أو اخترنا هذا الموضوع وهو: عقيدة أهل السنة والجماعة في وجوب طاعة ولاة الأمر في المعروف أو بالمعروف، لأنه أولا أصل من أصول أهل السنة والجماعة، ومن الأسس التي قامت على هذا الدين، ولكثرة الجهل به، وقل كما لا يخفى من تكلم به، ولقد تكلم بضده أناس كثير، وهذا لا يخفى. فخالفوا الكتاب والسنة، وسلف الأمة فهلكوا، لأن من خالف الكتاب والسنة هلك كما هو معلوم. وإن كان يظن أنه ناج من الهلاك، وليس كذلك، ولقد اغتر به أو بهم كثير من العامة، وهذا لجهلهم، حتى صار عند العوام أنه من يتكلم في الحكام ومن يتكلم في السياسة هو الشيخ وهو العلامة. فيتكاثرون في حلقاته أو محاضراته، كل ذلك لعدم العلم الشرعي عند هؤلاء، وعدم معرفة بهذا الأصل العظيم من أصول أهل السنة والجماعة.
ولا يعلمون هؤلاء أن هذا يدس لهم السم في العسل وهم لا يعلمون. صحيح، فلو تدبرت في هذا الأمر وخاصة في هذا الزمان، تجد قل من تكلم في هذا الأمر، وهو وجوب طاعة ولي الأمر. وقل كذلك من تكلم به، حتى إن العامة قد ضنوا أن هذا هو الحق، وذلك من جهلهم بمنهج أهل السنة والجماعة، وبأصول وأسس أهل السنة والجماعة، لأن بالعلم تعرف كل شيء. بالعلم تعرف كل شيء، الخير والشر، البدعة والسنة، الخطأ والصواب، وهكذا.
بالعلم تعرف وتكشف كل إنسان على حقيقته، وماذا يقول هل هو صواب أو خطأ، وكل هذا جزاء الذي يأخذ دينه من شخص بضاعته مزجاة في العلم الشرعي.
قال الإمام الشافعي في «الرسالة» (ص41): (وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه، لكان الإمساك أولى به، وأقرب من السلامة له إن شاء الله). صدق رحمه الله تعالى، فإن كثيرا من تكلم في العلم، ولكنه لو أمسك عن هذا العلم الذي عنده أو الذي بينه للناس لكان خير له. أي الإمساك خير له، لأن في كلامه هذا جهل وخطأ ولعله بدعة، وغير ذلك من المخالفات الشرعية. فمن ذلك، كما بين الإمام الشافعي، لو أمسك عن ذلك لكان خير له، ويسلم من الإثم ويسلم من الآفات، كما بين رحمه الله تعالى.
فكيف يتجنب الباطل من لا يعرف الباطل؟ وكيف يتجنب الخطأ من لا يعرف الخطأ؟ وكيف يتجنب البدعة من لا يعرف البدعة؟ وكيف يتجنب المنهج المنحرف من لا يعرف المنهج المنحرف؟
|
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه |
|
ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه |
فلذلك مبنى هذا الدين على العلم الشرعي المنهجي المركز، فبعد ذلك يأخذ الإنسان سوف يسلم، لكن من يقول إن مثلا الساحة خالية وسوف أتكلم وبحماس فقط وبعاطفة يرى الناس كما ترون، فيتشجع بعلمه القليل وبضاعته المزجاة فيضل نفسه ويضل الناس معه.
وإلا لو كان هذا الإنسان مبنى كلامه على علم مركز، لاتضح الإسلام الصحيح عند كثير من الناس، عند كثير من الناس كما سوف يأتي.
وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه». هكذا كانوا السلف الصالح يخافون على أنفسهم، لا يتكلمون بهوى، أو يتكلمون من فكر كما يقال، لا، يتكلمون دائما بالدليل ويخافون على أنفسهم.
فلذلك حذيفة بن اليمان كان يخاف على نفسه، لا يسأل فقط عن الخير كما هو معروف في هذا الزمان، لا، حتى عن الشر.
فلذلك كثير من الناس يسألون فقط عن الخير، كذلك أسأل عن الشر، لأنك لعلك تقع فيه. وهذا يكون خطر على هذا الإنسان، فلابد أن يتعلم الخير والشر، يتعلم البدعة والسنة، لماذا؟ لكي يحذر الشر لكي يحذر البدعة، ويتعلم الخطأ والصواب لكي يحذر الخطأ، وهكذا هكذا كانوا السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
فتأمل هذا الكلام جيدا، فالخوارج وهم أول بدعة أخرجوها وهي مسألة الخروج على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن بعدهم المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من الفرق التي لم تكن تعمل على أصول أهل السنة والجماعة، لكن كانوا كل فرقة تعمل على فكرهم فقط. ينفذ كل إنسان فكره ويمشي، فلذلك ضلوا، فماذا بعد الحق إلا الضلال.
فلذلك هذا الإنسان يتنبه جيدا، ثم أقرأ في الأحداث العصرية، الذين خالفوا مبدأ الإسلام، وأكبر شاهدا ماذا يحصل في الجزائر. خالفوا هذا الأصل العظيم، فحبس من حبس، وقتل من قتل، حتى إن القتل قد تعدى إلى النساء وإلى الأطفال، ولا يخفى عليكم ذلك.
هذا كله لمخالفتهم لمنهج السلف الصالح، الأصول العظيمة التي بينها الكتاب والسنة وبينها السلف الصالح.
فلذلك فإذا مشينا على هذه الأصول فهي نافعة في كل زمان، قديما وحديثا. فاخترنا هذا الموضوع لكي لا يهم الشباب لمثل هذه الأحداث المفسدة للدين والدنيا، أو إثارة الشغب على أولياء الأمور، فيحصل ما يحصل من الفتن ما الله به عليم. أو لعله تسمعون من يجوز لكم الخروج، فتحذروه أشد الحذر فإن خلفه الشر؛ لأن هذا الأمر لابد أن يبين ويوضح خاصة للشباب، خاصة للشباب.
ولو تجد هؤلاء يستدلون بأشياء ليست لهم، ومنهج وكلام السلف الصالح خلاف ما يقولونهم؛ كاستدلالهم بقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44].
ويقولون لك هذا ظاهر هذه الآية، وأن أولياء الأمور كفرة بالكتاب. فإذا كان عندك علم تستطيع أن ترد، لكن نرى الغالب ما عندهم علم بهذا. فيلبسون عليهم الحق بالباطل، فيضل من ضل ولا يخفى عليكم ما يحدث في العالم الآن. هذا تحريف وتلبيس وتدليس على العامة.
فأما هنا نأتي إلى قول ابن عباس في هذه المسألة وفي هذه الآية، قال ابن عباس رضي الله عنه: (ليس كفرا بالله وملائكته وكتبه ورسله).
فانظروا إلى ابن عباس ماذا يفسر هذه الآية، ليس كفر كما يعتقد هؤلاء الذي يخرج من الملة، لا. كفر دون كفر كما بين ابن القيم وابن تيمية وغيرهم من الحفاظ والأئمة.
وانظروا إلى ابن عباس، ليس كفرا بالله، يعني ليس كفرا مخرج من الملة. فكيف يكفرون الحكام بغير دليل؟ فقط من هوى وحماس وفكر. فلذلك إذا الإنسان أخذ بهذا ضل، فماذا بعد الحق إلا الضلال.
وهذا التفسير أخرجه ابن جرير في «تفسيره» وغيره وهو تفسير صحيح ثابت؛ بسند صحيح. وفي لفظ: (ليس كمن كفر بالله واليوم الآخر).
وعن طاوس في هذه الآية يفسر كلام ابن عباس: (ليس بكفر ينقل عن الملة). ليس بكفر ينقل عن الملة. هؤلاء الذين يؤخذ من قولهم وغيرهم من السلف الصالح الذين قالوا بهذا القول، وأنا قدمت هذا لكي يتضح الأمر لأن سوف ندخل ولا نستطيع بعد ذلك أن ندخل في هذه الآية.
لذلك يجب تعريتهم ولا مناص من كشف حقائقهم دون أقنعة، لكي لا يغتر الناظر إليهم من وراء الجدر، ولابد من العمل على تقليص نفوذهم ليتجنب شباب الصحوة الإسلامية شرهم، فلا ينخدعون بما يلقون من زخرف القول غرورا. لكي لا ينخدع الناس فيهم، ولكي لا ينخدع الشباب، ونريد شباب على كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. لا يسفك دمائهم هكذا هدرا، ويقع في ميتة الجاهلية وهم لا يعلمون، ولا يخفى عليكم ماذا يحصل في البلدان. ولهذا الإنسان يتنبه.
ولله در القائل:
|
وما الدين إلا واحد والذي نرى |
|
ضلالات أتباع الهوى تتقارع |
|
وما ترك المختار ألف ديانة |
|
ولا جاء في القرآن هذا التنازع |
|
فياليت أهل الدين لم يتفرقوا |
|
وليت نظام الدين للكل جامع |
فمضمون هذه الأبيات إنكار أي منهج يخالف الكتاب والسنة، إنكاره وإبادته والتحذير منه لكي لا يقع الناس فيما وقع الذين من قبلهم كالخوارج والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم من الفرق الذين استباحوا دماء أولياء الأمور والعياذ بالله. فوقعت الفتن كما تعلمون والحروب وتشردت النساء والأطفال وتهدمت البيوت، حتى إن الدعوة قد ماتت، كل ذلك بسبب مخالفة هذه الأصول التي وضعها الكتاب والسنة.
ولهذا لا نجد في كتاب الله ولا في سنة نبيه عدم طاعة ولاة الأمور، لا نجد ذلك نهائيا. إن عدم طاعة ولاة الأمور لا نجد ذلك لا في الكتاب ولا في السنة، بل ثابت وجوب طاعة السلطان برا كان أو فاجرا، طاعته وعدم عصيانه كما سوف يأتي باتفاق الفقهاء. وليس علامة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم اتباعه فقط بالقول، بالقول ما ينفع هذا الاتباع، كذلك في التطبيق والعمل بسنته وترك ما نهى عنه.
كما قال الشاعر:
|
لو كان حبك صادقا لأطعته |
|
إن المحب لمن يحب مطيع |
فلو كان صادق أو هؤلاء صادقون في ذلك لأطاعوا الرسول صلى الله عليه وسلم مما قاله في ولاة الأمور. وبعد ذلك نسوق لكم الأمر، وهذا الأصل العظيم لكي يتبين للأمة هذا الأصل وأنه أصل عظيم قرره أهل السنة والجماعة. فقد ألف أهل السنة والجماعة مؤلفات كثيرة في السنة، ولا تكاد ترى مؤلفا يخلو من تقرير وجوب السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين، وهو أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة التي باينوا بها أهل الأهواء. فكتبوا في هذا الموضوع لبيان عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين بإحسان ليقتدى بهم، وما ذاك إلا لبالغ أهميته وعظيم شأنه؛ إذ بالسمع والطاعة لولاة الأمر تترتب أمور الأمور الدنيوية والدينية معا، وسدا لباب الفتن.
ولقد انعقد إجماع العلماء على وجوب السمع والطاعة لهم، وهو مبني على النصوص الشرعية الواضحة التي تواترت بذلك. وقد علم بالضرورة من الدين الإسلامي أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة.
هؤلاء هم أهل السنة والجماعة قد قرروا وكتبوا وألفوا في هذا الموضوع. وتأليفهم ليس عبثا، ليس عبثا، ولذلك كتب ذلك الآجري في «الشريعة»، واللالكائي في «الاعتقاد»، والبربهاري في «السنة»، والإسماعيلي في «الاعتقاد»، وكتب ذلك ابن تيمية في عدة مواضع من كتبه، وكذلك ابن القيم، وابن النحاس في «تنبيه الغافلين»، وغيرهم من أهل العلم، وكتابتهم في ذلك ليس عبثا، لأن يبينون أصل، أصل عظيم.
ولذلك لا يخفى عليكم، لا يكون دين إلا بجماعة كما هو معلوم، ما يكون دين إلا بجماعة، والجماعة لابد لها من إمام، والإمامة لابد لها من سمع وطاعة في المعروف.
فلذلك لو قررنا في بلادنا الإمام موجود، والجماعة موجودة، وقد بايعوا هذا الأمير. فلابد عليه واجب من كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهج السلف طاعة هذا الأمير في المعروف، ووجوب مبايعته، ولا يجوز ترك الطاعة والمبايعة لأن ذلك يفضي إلى المعصية والإثم، كما سوف يأتي إن شاء الله.
ومما يزيد اهتمام أهل السنة والجماعة بهذا الأصل العقدي وترسيخه عند غلبة الجهل به، أو فشو الأفكار المنحرفة عن منهج أهل السنة فيه، ولا ريب أن الزمان الذي نعيش فيه الآن اجتمع فيه الأمران، غلبة الجهل في هذا الأمر، وفشو الأفكار المنحرفة فيه.
فواجب أهل العلم وطلبته الالتزام بالميثاق الذي أخذه الله عليهم بقوله تعالى: {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187].
فليبينوا للناس هذا الأصل محتسبين لله تعالى مخلصين له أعمالهم، ولا يمنعهم من بيانه تلك الشبهات المتهافتة التي يروجها بعض من لا خلاق له.
ما دام هذا الأصل بين في الكتاب والسنة، ولقد أخذ علينا الميثاق في التبيين، فلابد أن نبين هذا الأصل ولا نكتمه، ولا نخاف من السمعة لأن كثير من الناس يخافون من السمعة. لكن معك كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الأصل وغيره، فلذلك لابد من تبيينه، لابد من تبيينه.
وانطلاقا من مبدأ الاهتمام بهذا الأمر، وددت أن أضع لإخواني المسلمين هذا البحث ليستفيد منه. وليعلم أن الأدلة النقلية كثيرة في هذه الأبواب، وحيث اقتصرت على بعض الأدلة طلبا للاختصار والمراعاة لجعل البحث أسهل للفهم.
وبعد ذلك نبتدئ في الموضوع، ذكر الدليل من الكتاب على وجوب السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين:
قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59]، هذا دليل من الكتاب والسنة في وجوب طاعة ولاة الأمور. {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، ففي هذه الآية وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر.
والمراد بـ«أولي الأمر»: من أوجب الله طاعته من الحكام والأمراء والعلماء، وهو قول أبي هريرة وابن عباس.
وكما قال أيضا ذلك ابن عطية في «تفسيره»، وابن كثير في «تفسيره»، والسعدي في «تفسيره»، وقال ابن تيمية في «الفتاوى»: (أولي الأمر صنفان: العلماء والأمراء).
هذا أقوال أهل العلم في هذه الآية.
فهنا يتعين: «وأولي الأمر»؛ هم الحكام والأمراء والعلماء. وهذا كما ذكر ذلك أبو هريرة وابن عباس وابن عطية في «تفسيره»، وابن كثير في «تفسيره»، وابن تيمية في «الفتاوى»،
أولي الأمر عنده صنفان: الحكام والأمراء، في هذه الآية «أولي الأمر» هم الحكام والأمراء.
بعد ذلك ذكر الدليل من السنة على وجوب السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين:
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة». أخرجه البخاري في «صحيحه»، ومسلم في «صحيحه».
قال المباركفوري في «تحفة الأحوذي»: (وفيه -يعني هذا الحديث- أن الإمام إذا أمر بمندوب أو مباح وجب -يعني وجب طاعته-. قال المطهر: يعني سمع كلام الحاكم وطاعته واجب على كل مسلم، سواء أمره بما يوافق طبعه أو لم يوافقه، بشرط ألا يأمره بمعصية، فإن أمره بها فلا تجوز طاعته، لكن لا يجوز له محاربة الإمام). انتهى كلامه.
فلذلك تبيين دقيق جدا في هذا الأمر، فيؤخذ من هذا الحديث وجوب طاعة السلطان.
مثلا داهم البلاد كفار، وأمر الأمير بالجهاد، ولم يكفي رجال الجيش مثلا، وأمرك بهذا الجهاد، فواجب عليك هنا طاعته، فإذا لم تطعه أثمت ووقعت في المحذور لأنك خالفت الكتاب وخالفت السنة في ذلك. فلأن أمرك بالمباح وجب عليك الامتثال بهذا الأمر وطاعته، ولا يجوز مخالفة ولي الأمر.
ولذلك كما قال هنا المطهر: (فإن أمره بها فلا تجوز طاعته، لكن لا يجوز له محاربة الإمام).
ولذلك تجد كثير من الذين لم يعرفوا هذا الأصل، ما أكثرهم كانوا ولا زالوا يحاربون الحكام ويحاربون الأئمة، إن كان في الأشرطة أو في الكتب أو في الصحف أو فوق المنابر أو مداهمة الجيوش والعساكر التي تكون لولاة الأمور وغير ذلك مما تسمعه، وهذا كله مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة.
قال ابن حجر في «الفتح»: (وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمور، وهي مقيدة بغير الأمر بالمعصية، والحكمة في الأمر بطاعتهم المحافظة على اتفاق الكلمة لما في الافتراق من الفساد). وكذا قال الإمام النووي في «شرح صحيح مسلم».
هذا قول من الحافظ ابن حجر في الفتح تفسير هذا الحديث، وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمور وهي مقيدة بغير الأمر بالمعصية، والحكمة - انظر الحكمة من ورود نص القرآن وورود نص السنة - والحكمة في الأمر بطاعتهم المحافظة على اتفاق الكلمة لما في الافتراق من الفساد.
فإذا تكلم هذا ولم يطع هذا وخرج هذا دب الفساد في البلاد وافترقت النفوس، ولا يخفى عليكم ما في الفساد بسبب ذلك.
فلذلك الطاعة في المعروف فيها اتفاق الكلمة، وفي الافتراق لا يخفى عليكم من الفساد.
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع». هذا الحديث في صحيح البخاري ومسلم.
انظر إلى تبيين الرسول صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان: «اسمع وأطع»، هذا أمر من الرسول صلى الله عليه وسلم والأمر يقتضي الوجوب كما هو مقرر في أصول الفقه.
حتى يقول: «وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع». حتى لو ضربك الأمير وحبسك وسجنك فاسمع وأطع. لماذا؟ لو حبس هذا أو ضرب هذا وقام هذا وقام هذا وقام هذا، لدبت الفتنة في البلاد. لأن لعل مع كل هذا المحبوس مثلا أو المضروب، وتدب لك الفتنة. وكم سوف يذهب؟ المئات من الناس وفساد عظيم.
ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى والرسول صلى الله عليه وسلم بعدم الخروج والسمع والطاعة، والسمع والطاعة. فلذلك لطف الله سبحانه وتعالى علينا مما حدث من حبس واحد منهم قامت الناس، كل ذلك بجهل. لكن لو داهم الجيش هؤلاء الناس ما فعل فيهم هذا كله بجهل. ولا يجوز ذلك وليس من منهج السلف كما سوف يأتي.
انظروا إلى ابن عمر ماذا يفعل في هذا الأمر. فدل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر ما لم يأمروا بمعصية، كذا قال ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية.
ذكر أقوال الصحابة رضي الله عنهم على وجوب السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين:
عن عبد الله بن دينار قال: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك -أي ابن مروان-. قال: «كتب: إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وإن بني قد أقروا بمثل ذلك». وهذا الأثر أو الحديث في صحيح البخاري.
الآن انظروا إلى مبايعة ابن عمر، وسمع وطاعة ابن عمر، لأنه يعرف ماذا يفعل، يوافق الله سبحانه وتعالى ويوافق الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر وهذا الأصل العقدي. مع هذا أن بني ابن عمر قد بايعوا كذلك، ولا يخفى عليكم من كبار الفقهاء، كسالم وحمزة وبلال وعبيد الله وغيرهم من الحفاظ، ومع هذا بايعوا عبد الملك بن مروان.
وبالسيف أخذ الملك، أخذ السيف أو الملك بالسيف قهرا، ومع هذا بايعه ابن عمر. لماذا؟ لماذا لم يخرج عليه؟ ولماذا لم يجمع التوقيعات؟ لماذا؟ لأنه يعرف أن هذا أصل، وأن البيعة والسمع والطاعة خير من ذلك.
خير من الخروج -يعني البيعة والسمع والطاعة خير من الخروج عليه- ومن إثارة الشغب لكي تبقى الدماء محقونة، سالمة.
وفي كتاب «الاعتصام» للشاطبي أن يحيى بن يحيى قيل له: البيعة مكروهة؟ قال: لا. هذا يحيى بن يحيى الليثي -ويوجد يحيى بن يحيى النيسابوري-، قال: لا. قيل له: فإن كانوا أئمة جور؟ فقال: قد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان وبالسيف أخذ الملك، أخبرني بذلك مالك -يعني الإمام مالك- عنه، أنه كتب إليه وأمره، وأمر له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة نبيه. قال يحيى بن يحيى: والبيعة خير من الفرقة.
عبد الملك أخذ الملك قهرا، مع هذا بايعه ابن عمر، لأن البيعة هنا خير من الخروج، وإثارة الشغب هذا مخالف للسنة. ولابد على الإنسان يتنبه لكي يمشي في حياته اليومية على استقامة.
وانظر إلى يحيى عندما قيل البيعة مكروهة؟ لأن الكراهة تحمل على التحريم، وأن في القديم يذكرون الكراهة على التحريم.
ولذلك كما قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، الذي نقل عنه ابن القيم في «الإعلام»: (أكره السجود للزهرة)، الإكراه هنا بماذا؟ التحريم، يعني أحرم السجود للزهرة.
فلا يخفى عليكم شرك، ولا يجوز لإنسان أن يقول الشرك مكروه تنزيهي.
فلذلك المتقدمين يطلقون الكراهة ويقصدون بها التحريم، أما المتأخرين يطلقونها على أنها التنزيه.
فلذلك قال: لا، ليست بحرام. فإن كانوا أئمة جور فقال: قد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان. أين نحن من ابن عمر؟
فلذلك لابد أن نمشي على طريقة هؤلاء السلف في كل شيء.
قال ابن حجر في «الفتح»: (وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء).
اتفاق أهل العلم على طاعة السلطان، حتى إن وجوب الجهاد معه، هذا باتفاق أهل العلم. فكيف نأخذ كلام هنا وهناك من أناس بضاعتهم مزجاة يقولون جائز الخروج وغير ذلك وعدم السمع لهؤلاء. هذا منكر عظيم.
فانظروا: (وأن طاعته خير من الخروج عليه) صحيح الطاعة هنا خير، لما في ذلك من حقن الدماء.
ولذلك أرجع إلى الخلف بالجزائر وانظر: (وتسكين الدهماء).
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسويد بن غفلة: (يا أبا أمية، فإن أمر عليك عبد حبشي مجدع فاسمع له وأطع، وإن ضربك فاصبر، وإن حرمك فاصبر… ولا تفارق الجماعة). وهذا حديث صحيح أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف»، والخلال في «السنة»، والآجري في «الشريعة» …. بسند صحيح.
هذا منهج السلف الصالح، انظروا إلى قول عمر بن الخطاب هذا الإمام المعروف لديكم ماذا يقول: «اسمع وأطع»، «وإن ضرب ظهرك»، يعرفون يأخذون ممن؟ أخذوا من الرسول صلى الله عليه وسلم. كما يقول حذيفة: «وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاصبر». فكذلك عمر يقول. وهذا يمسك أبا أمية وهو من التابعين معروف إمام، «وإن ضربك فاصبر وإن حرمك فاصبر ولا تفارق الجماعة»، لا تجد إنسان يسلم إذا فارق الجماعة، فاعلم أنه هالك.
وعن زياد العدوي قال: «كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رقاق، فقال أبو بلال -هو مرداس بن أدية أحد الخوارج قاله المزي في تهذيب الكمال، وهذا أبو بلال من الخوارج اسمعوا ماذا يقول هذا الخارجي-: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق. فقال أبو بكرة: اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله». حديث حسن أخرجه الترمذي وغيره، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
فانظروا كيف نكير السلف الصالح على هذا. لكن سبحان الله الآن اختلفت الموازين، الآن الذي يتكلم على الحكام لا ينكرون عليه، بل هذا الإنكار واجب. والذي يقوم بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ينكرون عليه. ويشجعون هذا الرجل الذي يتكلم في الحكام وفي السياسة.
انظروا إلى أبي بكرة، قال: اسكت. هذا مرداس من الخوارج والعياذ بالله. كيف هؤلاء تشبهوا بالخوارج؟ لأن الذين ينكرون على الحكام علني هؤلاء لا يخفى عليكم كثير الغالب عليهم من الخوارج، فكيف نحن نتشبه بهؤلاء؟
فلذلك أنكر عليه أبو بكرة قال: «اسكت، من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله».
لا تهين الحاكم بهذه البضاعة من العلم؟ وأن لابد على هذا الإنسان يدرس العلم الشرعي المنهجي لكي يتبين له الحق في هذه الأصول.
ولذلك ديننا هذا قائم على أصول وأسس، فلذلك كثير من الناس أخذ هذا الدين بالحماس والعاطفة فخر السقف على رؤوسهم. ولأن هذه النتيجة، النتيجة الخراب والدمار، لأن ما أقاموا دعوتهم وقولهم على أصول وأسس. فالناس لعلهم من جهلهم يفرحون، في هذه الأنشطة وغير ذلك، لكن العالم العارف يعلم أن هذا له نتيجة وخيمة.
ولذلك لو بنيت بيتك على غير قاعدة ولا أس، أنت سوف تبني هذا البيت، ويقوم وتزخرف وسوف يقول الناس ما شاء الله هذا بيتا طيبا جميلا، لكن بعد فترة سوف يسقط. سوف يسقط، لكن لو أتيت إلى من يعرف ذلك وهو الذي بنى بيتك، لأخبرك أن هذا وهم، وهذا البيت سوف يسقط. لكن الآخرين لا.
فلذلك لابد أن تقوم أنشطتنا على أصول أهل السنة والجماعة، لكي تبقى هذه الأنشطة وتكون النتيجة طيبة. وانظروا إلى السلف الصالح، على الفرق التي خرجت ما تغيروا ولا بدلوا في الأصول والأسس التي قامت بها الكتاب والسنة، فقامت دعوة الكتاب والسنة. فلما تركنا ذلك كما تعلمون.
فهذه أقوال الصحابة تبين وجوب السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين.
والكلام كثير جدا لكن هذا باختصار ذكر أقوال العلماء على وجوب السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين، السمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين في غير معصية مجمع على وجوبه عند أهل السنة والجماعة وهو أصل من أصولهم.
قال النووي في «شرح صحيح مسلم»: (أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية)، هذا قول النووي، أجمع أهل العلم على وجوب السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين.
وقال ابن قدامة في «المغني»: (وكل من ثبتت إمامته وجبت طاعته وحرم الخروج عليه).
وكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى»، وابن حجر في «الفتح».
مادام هو الأمير لا يجوز الخروج عليه ووجب طاعته ولا يجوز إثارة الناس عليه؛ لأن هذا ليس من منهج أهل السنة والجماعة كما بين أهل العلم.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في «الأصول الستة»: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدا حبشيا، فبين النبي صلى الله عليه وسلم هذا بيانا شائعا ذائعا بكل وجه من أنواع البيان شرعا وقدرا، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم فكيف العمل به؟
رغم أن -بالسمع والطاعة- تمام الاجتماع للبلاد وتكون في أمان، فإذا لم يكن سمع ولا طاعة وشغب وإثارة الشغب على ولاة الأمور، لا، لا يحدث إلا البلابل ولا يحدث إلا الفتن كما لا يخفى عليكم.
ولذا انظر، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم -وهو وجوب طاعة السلطان- ولذلك يدعي أنه يتمسك بالكتاب والسنة فإذا تراه فوق المنبر يطعن ويسب ويشتم في ولاة الأمور وفي الحكام، ويتكلم في السياسة ويثير الشغب إلى غير ذلك، ويؤلف الكتب ويتكلم في الأشرطة، كل ذلك لإثارة الشغب على ولاة الأمور.
ﭑ ﭑ ﭑ