القائمة الرئيسة
الرئيسية / محاضرات (تفريغ) / قواعد في الجرح والتعديل لمن خالف في المعتقد والمنهج (تفريغ)

2026-01-21

صورة 1
قواعد في الجرح والتعديل لمن خالف في المعتقد والمنهج (تفريغ)

 

 

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وفي هذا اللقاء المبارك إن شاء الله مع الإخوة السلفيين، نتكلم عن موضوع مهم جدا لكل مسلم، وهذا الموضوع هو: عدم الاعتداد بجرح المجروح.

وذلك لأن الاعتماد على جرح المجروح فيه ضرر على الإسلام والمسلمين؛ لأن المجروح ساقط العدالة وليس بثقة. فإذا كان ساقط العدالة فليس عنده ضوابط في الجرح والتعديل؛ فهو يجرح العدل لأنه خالفه، فيجرحه لحظ نفسه، ويعدل المجروح لأنه يوافقه في جرحه للعدل، إلا في بعض الأمور لوضوح عدل الشخص من علماء أهل السنة والجماعة فيعدله، لكن في الغالب كما بينت لكم.

فهذا الموضوع مهم جدا، وهو لا يخفى على طلبة العلم عموما، والمهتمين بعلم الحديث خصوصا؛ الأهمية العظمى لعلم الجرح والتعديل في دين الله سبحانه وتعالى؛ لأن به تعيين وتمييز العدول من المتحدثين والمحاضرين والدعاة، وتمييز غير العدول.

فبذلك يتميز لأهل الإسلام بين أهل السنة وأهل البدعة، وبين العدول وغير العدول. وبذلك نأخذ بمنهج العدول لأننا نعرف ذلك، ونترك غير العدول؛ لأنه لا يتهيأ لزوم الحق مع مخالطة من جرح في منهجه وفي عقيدته وفي دعوته، فيضيع الحق إذا اختلط الناس مع الثقات وغير الثقات، والعدول وغير العدول، واختلاطهم مع دعاة السنة ودعاة البدعة، فهنا لا يتهيأ لزوم الحق فيضيع الحق مع مخالطة من جرح في منهجه وفي عقيدته.

وكذلك لعل هذا المجروح يشتغل بجرح أهل الحديث، أهل الأثر، أهل السنة، فإذا عرفنا حقيقته فترك أهل الإسلام جرحه ولم يعتمدوا عليه لتمييزهم؛ لأن مع جرحه في منهجه هذا اشتغل بجرح غيره، واشتغاله بالآراء المخالفة للكتاب والسنة والجدل، فتراه يكثر من الآراء التي تخالف الكتاب والسنة، وتراه يكثر الجدال بالباطل، ويصور للناس بأن هذا الجدال جدال حق، وهو باطل وآراء.

مع ذلك أي: اشتغاله بهذه الآراء وبردوده على أهل السنة والجماعة- يغض الطرف عن أهل البدع وعن المخالفين، خاصة إذا كان هؤلاء معه في شيء من منهجه أو محاربة هؤلاء لأهل السنة، فينضمون معه لأجل بغضهم لأهل السنة والجماعة.

وهذا المجروح -والعياذ بالله- بجرحه هذا لأهل السنة ونشر سمومه وانضمامه مع المخالفين، يحافظ بزعمه على عدالته! والأصل في ذلك أن يشتغل بتعديل نفسه مع أهل السنة والجماعة؛ لأن هكذا كان السلف الصالح، حصلوا على العدالة باشتغالهم مع أهل الحديث وحفظوا عدالتهم.

لكن هذا يريد أن يعدل نفسه بمخالفة الكتاب والسنة ومخالفة علماء أهل السنة والجماعة، فلذلك يجب على أهل العلم أن يركزوا على أمثال هذا؛ لأنه يريد أن ينشر الباطل في صورة الحق، وأشكال هذا قديما وحديثا.

وأمثال هذا ينقص عنده العلم، وهذا العلم ينقص عند أمثال هذا، وهذا فيه دليل بأنه يعمل بضد هذا العلم وإن كان يدعيه، كما يفعل عبد الرحمن عبد الخالق ذاك القطبي المحترق الإخواني، وكذلك يدعي العلم وهو ضد العلم الشرعي لكن ينشره بصورة العلم الشرعي، بصورة الحق وهو باطل.

وكذلك مثال عدنان عرعور القطبي المحترق، وهو على شاكلة عبد الرحمن عبد الخالق. والمأربي المدعي السنة واتباع السنة وهو على البدعة، يزعم أنه ينشر العلم، لكن نرى بأن العلم ينقص عند هؤلاء، وهذا فيه دليل بأنهم يعملون بضد هذا العلم، وغير هؤلاء.

فهذا المجروح يعمل بضد هذا العلم من ضوابط، وليس عنده ضوابط، وكل شيء ليس فيه ضوابط مما لم يكن مرجعه الكتاب والسنة فهو ضد العلم وإن زعم بأنه ينشر العلم.

وهؤلاء كما لا يخفى في آخر الزمان، والعلم في آخر الزمان كما ثبتت السنة ينقص لقلة العلماء، علماء أهل السنة والجماعة الذين يحسنون علم السنن وعلم الآثار، فينقرض هؤلاء كما جاء في حديث ابن عمرو في الصحيحين، ثم يتخذ الناس رؤوسا لا يحسنون علم السنن، أو يحسنون ذلك ثم ينحرفون. فكان هؤلاء ينشرون السنن ثم انحرفوا، وكم عبد ينشر السنة ثم انحرف، وهذا معروف قديما وحديثا. فيفتي هؤلاء بغير علم، فيضلون أنفسهم ويضلون أتباعهم وأشياعهم بغير علم.

فنعوذ بالله من حالة تقربنا إلى أهل الأهواء، لأن رأينا ممن ينتسب إلى العلم والسنة يتقرب إلى أصحاب الأهواء ويتقرب إلى أهل البدع ويذم أهل السنة -والعياذ بالله-. فهذه الحالة -والعياذ بالله- حالة شنيعة، نعوذ بالله من حالة تقربنا إلى أهل الأهواء وأهل التميع والتمييع.

ولذا رأينا جماعة قديما وحديثا ممن ليس علم الجرح والتعديل صناعتهم، أو عندهم علما به لكنهم انحرفوا، فقاموا يجرحون من لا يستحق التجريح، ويعدلون من لا يستحق التعديل ممن عرفهم الناس بانحرافهم -والعياذ بالله-. وهؤلاء لا يعتد بجرحهم ولا تعديلهم؛ لأنهم من المجروحين في أنفسهم، والمجروح لا يعتد بجرحه لأنه مخلط وليس عنده فرقان.

فنحن إذا عدلنا أمثال هذا، فهذا فيه ظلم للناس، فنحن نشجع أمثال هذا ليظلموا الناس فيجرح الثقات ويجرح أهل السنة والجماعة، ويعدل أهل الأهواء والمتعالمين ومجهولي الحال، وهذا فيه ظلم، فلا يجوز لنا أن نشجع أمثال هؤلاء.

وأئمتنا رحمة الله عليهم إنما بينوا هذه الأشياء وأطلقوا الجرح في غير العدول لئلا يحتجوا بأقوالهم في دين الله تعالى.

فالجرح للمجروحين لكي لا يحتج الناس بأقوالهم وأفعالهم في دين الله، ويبقى هذا الدين كله لله سبحانه وتعالى، لا لفلان ولا علان ولا فلتان. لأن المجروحين أرادوا الثلب والوقيعة في أهل الدين بغير الحق، وهذا من الظلم إذا وقفنا مع أمثال هؤلاء، بل يجب الرد عليهم وكشف وهتك أستارهم ليعرفهم الناس.

قال الحافظ ابن حبان رحمه الله تعالى في «المجروحين» (ج1 ص24): (وأئمتنا رحمة الله عليهم فإنهم إنما بينوا هذه الأشياء وأطلقوا الجرح في غير العدول لئلا يحتجوا بأخبارهم) -انتهى كلامه-.

فهذا هو الأصل في الجرح، أن يطلق في غير العدول. وأما فعل المجروح -والعياذ بالله-، فإنه يطلق الجرح في العدول لئلا يحتجوا الناس بأقوالهم، وهذا الأمر شنيع منه، فلابد من تبيين أمره.

وهذا يدل بأن هذا المجروح مخالف للأئمة من أهل الحديث ومخالف لمنهج السلف الذين يطلقون الجرح على المجروحين وغير العدول، وهذا -والعياذ بالله- يطلق الجرح على العدول.

ومن هنا كما بينت لكم بأن هذا لا يعتد بجرحه، ولابد على أهل الإسلام أن ينتبهوا لذلك.

فلذلك لابد النظر فيمن يؤخذ العلم منه، من جرح أو تعديل أو غير ذلك من دين الله تعالى.

قال الإمام ابن سيرين رحمه الله تعالى: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)، أخرجه مسلم في «مقدمة صحيحه»، وابن حبان في «المجروحين»، وغيرهما؛ بإسناد صحيح.

فهذا العلم دين فانظروا ممن تأخذون دينكم الحق، فدين الله أحق من طلب له العدول، فلابد على المسلمين أن يطلبوا العدول في دينهم والأخذ منهم، لا الأخذ من المجروحين.

فيجب أن نطلب هذا الدين من العدول الذين لم يجرحوا أنفسهم بصحبة أصحاب الأهواء، أو لم يجرحهم علماء أهل السنة والجماعة. فالذي يصاحب أصحاب الأهواء ويزكي أصحاب الأهواء من مجهولي الحال وغيرهم، فهذا يجرح نفسه ويعتبر مجروحا، أو الذي يجرحه العلماء فهذا يعتبر مجروحا لا يعتد بقوله ولا أفعاله. ومن سمعنا يدافع عنه أو يصاحبه فيلحق به؛ لأن الأصل أن نطلب هذا الدين من العدول.

قال بهز رحمه الله تعالى: (دين الله أحق من طلب له العدول)، أخرجه ابن حبان في «المجروحين»؛ بإسناد حسن.

فهذا أحق شيء أن نطلب هذا الدين من العدول لا من المجروحين؛ لأن العدل هو الذي يعتد بقوله ويعتمد على قوله، أما المجروح فلا يعتد بقوله ولا يعتمد على قوله.

ولذلك لا تغتر بالوعاظ الذين يجرحون أهل الحديث أهل الأثر، ولا تغتر بالحقاد كذلك.

قال أبو أسامة رحمه الله تعالى: (قد يكون الرجل كثير الصلاة كثير الصوم، وربما جائز الشهادة، لكن في الحديث لا يساوى به ورفع شيئا ورمى به)، أخرجه ابن حبان في «المجروحين»؛ بإسناد حسن.

فهذا أبو أسامة يبين هذا الأمر، لعل هذا الرجل كثير الصلاة كثير الصوم جائز الشهادة، لكن إذا يحدث ويتكلم ويحاضر لا يدري ماذا يخرج من رأسه، فيقول: لكن في الحديث لا يساوى فلسا -ورفع شيئا ورمى به-. ما يساوي شيئا.

ولذلك أهل الجهل يرفعون أناسا أحوالهم كحال الذي بين أمره أبو أسامة، قال: لا يساوي شيئا -ورفع شيئا ورمى به هكذا-.

فعلى أهل الإسلام أن ينتبهوا لذلك، ولا يكون الشخص إمعة يأخذ من هنا وهناك ولا يتثبت في الناس، ولا يسأل عن الكتب التي يقرأها أو الأشرطة التي يسمعها، أو الأشخاص والرجال من المفتين، فلابد أن يسأل عنهم.

قال ابن حبان رحمه الله تعالى في «المجروحين» (ج1 ص29): (ما كلف الله عباده أخذ الدين عمن ليس بثقة، ولا أمرهم بالانقياد للحجاج بمن ليس بعدل مرضي)، -انتهى كلامه-.

فالله سبحانه وتعالى ما كلف العباد الأخذ لهذا الدين عمن ليس بثقة، ولا أمرهم بالانقياد للناس أو للعبد ممن ليس بعدل مرضي، فلابد أن يكون مرضي في الإسلام، عدله أهل العلم ولم ينحرف وبقي على السنة ومع أهل السنة.

ولو لم يكن هذا أو هذه الطائفة -طائفة أهل الحديث- لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين كما بين ابن تيمية وغيره، كما ظهر في سائر الأمم ممن بدلوا دينهم كاليهود والنصارى وغيرهم؛ لأن لا يوجد من يبين حال المنحرفين والمجروحين، فغير الدين.

أما هذه الأمة فالله سبحانه وتعالى رحمها بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم بأهل الحديث من الصحابة وغيرهم، نصروا هذا الدين وبينوا حال المنحرفين وحال البدع.

قال ابن حبان رحمه الله تعالى في «المجروحين» (ج1 ص30): (ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له -يعني طائفة أهل الحديث- لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم، وذاك أنه لم تكن أمة لنبي قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة، حتى لا يتهيأ أن يزداد في سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف ولا واو، كما لا يتهيأ زيادة مثله في القرآن، لحفظ هذه الطائفة السنن على المسلمين، وكثرة عنايتهم بأمر الدين، ولولاهم لقال من شاء ما شاء). انتهى كلامه.

فالله سبحانه وتعالى حفظ هذا الدين بأهل الحديث كما بين الحافظ ابن حبان رحمه الله تعالى. فحفظوا السنن واهتموا بأمر الدين، ولولاهم لقال من شاء ما شاء

فأي عبد قال بكلام ليس هو من دين الله، ولم يثبت في السنة، وليس هو من منهج السلف الصالح، فأهل الحديث له بالمرصاد، ولعله يظن بأنه إذا تكلم ما شاء لا يرد عليه أحد.

ففي الحقيقة هذا الظن ليس بصحيح، بل هذا من الشيطان، لأن الله سبحانه وتعالى حفظ هذا الدين بأهل الحديث، فلابد أن يرد أهل الحديث عليه، ويبينون أمره للناس، ويبينون المخالفات الشرعية التي خالف فيها خاصة في الأصول، ولولاهم لقال من شاء ما شاء.

ولذلك الرد على أمثال هذا، ترى الأمة لا يأخذون منه، لا يأخذ منه إلا أشياعه الذين أضلهم بغير علم، أما بقية أهل الإسلام لا يأخذون منه شيئا ولا يعتمدون عليه لأنه مجروح.

وقال ابن حبان في «المجروحين» (ج1 ص58): (فأما الجرح في الضعفاء فهو على عشرين نوعا، يجب على كل منتحل للسنن، طالب لها، باحث عنها أن يعرفها، لئلا يطلق على كل إنسان إلا ما فيه، ولا يقول عليه فوق ما يعلم منه). انتهى كلامه.

فلابد على العبد أن يعرف السنن ويعرف العلم، ويتبصر في دينه، لئلا يطلق على إنسان ليس فيه شيء، أو يطلق على جماعة ليس فيها شيء، ولا يقول عليه فوق ما يعلم منه، فلا يزيد ولا ينقص، فيتكلم بدليل جرحا أو عدلا.

لا كما يقول القائل ويطلق كلاما على جماعة ليس فيها ما يقول، كقوله بأن هذه الجماعة تشبه الرافضة الباطنية، فهذا الإطلاق عليه، وابن حبان يحذره أن يطلق على جماعة ليس فيها شيء، فلابد أن يعرف السنن، ومتى يطلق هذا الكلام ومتى لا. ولا يقول ولا يزيد فوق ما يعلم منه.

وقال أبو حاتم وهو يذكر أنواع جرح الضعفاء في «المجروحين» (ج1 ص74): (ومنهم من كثر خطؤه وأفحش، وكاد أن يغلب صوابه فاستحق الترك من أجله، وإن كان ثقة في نفسه صدوقا في روايته، لأن العدل إذا ظهر عليه أكثر أمارات الجرح استحق الترك، كما أن من ظهر عليه أكثر علامات التعديل استحق العدالة). انتهى كلامه.

فيبين الحافظ ابن حبان هذا الأمر جيدا، فالذي يفحش في الردود كحال أهل الأهواء مع أهل الأثر حتى يغلب عليه هذا، فهذا يستحق الترك ولا يعتد بجرحه هذا، وإن كان ثقة في نفسه صدوقا في روايته؛ لأن العدل إذا ظهر عليه أكثر أمارات الجرح استحق الترك.

فيكثر الجرح بلا أدلة، أو يجرح بلا ضوابط، حتى يطلق على أهل الحق مسميات ليست فيهم، وكما أن من ظهر عليه أكثر علامات التعديل استحق العدالة.

وقال ابن حبان رحمه الله تعالى: (ومنهم من امتحن بابن سوء أو وراق سوء، كانوا يضعون له الحديث بالكذب، وقد أمن الشيخ ناحيتهم، فكانوا يقرؤون عليه ويقولون له: هذا من حديثك، فيحدث به. فالشيخ في نفسه ثقة، إلا أنه لا يجوز الاحتجاج بأخباره ولا الرواية عنه، لما خالط أخباره الصحيحة الأحاديث الموضوعة). انتهى كلامه.

فيؤخذ من هذا الكلام بأن أناس يمتحنون بابن سوء، والأب من العلماء أو من المحدثين، فهذا الابن يدخل عليه بعض المناهج الفاسدة أو الأفكار الفاسدة، أو يلمع له أهل البدع، يلمع له التراثيين: «جمعية إحياء التراث»؛ فيثني عليهم عنده، والأب يثني، أو يدخل عليه الأحاديث الموضوعة والمكذوبة، والأب هذا أو الشيخ مأمن لهؤلاء ويثق فيهم، فيقرؤون عليه الأحاديث، أو يأتون له بالمعلومات الصحيحة لجمعية إحياء التراث مثلا من دون الأمور المنكرة فيها، فيلمعون أهل الأهواء عنده، فيأخذ كلامهم.

ولعل هذا إذا رد عليه أهل الحق أهل السنة هو بعد ذلك يرد ويتكلم، فهذا يسقط، ولا يؤخذ بجرحه لأنه يعتبر مجروحا، وكذلك الأحاديث حتى لو صحت الأحاديث عنده لكنها مختلطة بأحاديث ضعيفة فلا يؤخذ بأخباره كما بين ابن حبان رحمه الله تعالى.

فيقول: لا يجوز الاحتجاج بأخباره ولا الرواية عنه، وكم عندنا من أب أو شيخ أخذ أقوال المميعة وأقوال الحزبيين بالكذب والافتراء في السلفيين أو في الجمعيات المنحرفة، وأثنوا وحاضروا عند أصحاب الجمعيات وتكلموا على السلفيين، وألفوا الكتب لهم يدافعون عنهم باسم السنة وباسم السلفية وإلى آخره، هذا بسبب ابن السوء وصاحب السوء، فالذي يصاحب أمثال هؤلاء فهذا يسقط.

قال جعفر بن أبان الحافظ: سألت ابن نمير عن قيس بن الربيع، فقال: (كان له ابن هو آفته، نظر أصحاب الحديث في كتبه فأنكروا حديثه، وظنوا أن ابنه قد غيرها). أخرجه ابن حبان في «المجروحين»؛ بإسناد صحيح.

فهكذا هؤلاء يفعلون، فابن نمير بين حال قيس بن الربيع، كان له ابن هو آفته، فأهل الحديث ما قالوا إن هذا عالم أو ثقة أو إلى آخره فنسكت عنه، لا، فنظر أصحاب الحديث في كتبه فأنكروا حديثه.

فلذلك إذا رأينا من رجل يسمع الآفات من الحزبيين والمميعين ويأخذ كلامهم مسلمات في السلفيين أو في غيرهم، فهذا يجب علينا أن ننكر عليه. أو أب له ابن هو آفته، فننكر على هذا الأب حتى لو كان عالما، وبين شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في شريط له سئل: حتى لو كان من أهل السنة يرد عليه؟ قال: نعم حتى لو كان من أهل السنة، ولا تذكر حسناته، بل نرد على سيئاته وعلى خطئه، لأن هذا هو الأصل في ذلك.

ويعتبر هذا مجروحا، فلا نحضر دروسه، ولا نقرأ كتبه، ونحذر منه، لأن هذا يتلقن ويلقن من الأبناء أو من بناته أو من أهل البدع أو من التراثيين المشوشين، فهذا يعتبر مجروحا كائنا من كان.

قال ابن حبان رحمه الله تعالى في «المجروحين» (ج1 ص75): (ومنهم من أدخل عليه شيء من الحديث وهو لا يدري، فلما تبين له لم يرجع عنه، وجعل يحدث به آنفا من الرجوع عما خرج منه، وهذا لا يكون إلا مع قلة الديانة والمبالاة بما هو مجروح في فعله، فإن سلم في أول وهلة وهو لا يعلم ما يحدث به، ثم علم وحدث بعد العلم بما ليس من حديثه وإن كان شيئا يسيرا، فقد دخل في جملة المتروكين لتعديته ما ليس له). انتهى كلامه.

فلذلك يصور لنا ابن حبان أمثال هؤلاء الذين يأخذون كلام المميعة وأهل البدع والحزبيين، وينصحون ويبين لهم بأن هؤلاء من الحزبيين لا تأخذون منهم، فلم يرجعوا ولم يبالوا، وهذا كما قال ابن حبان: من قلة الديانة والدين، وإن كان يتظاهر بالعلم وينتسب إلى العلم، فهذا يقول ابن حبان: (فقد دخل في جملة المتروكين)، فهذا يترك.

وكذلك هذا الأب الذي يأخذ من الابن ويبين له خطأه ولم يرجع، فهذا يعتبر من جملة المتروكين كائنا من كان، وهذا الأمر بينه ابن حبان رحمه الله تعالى، فالذي لا يبالي أن يتلقن ما لقن، فهذا وأضرابه لا يحتج بهم لأنهم يتلقون الكذب من حيث لا يعلمون، فهذا يعتبر مجروحا، لأنه يأخذ بالكذب ويتكلم بعد ذلك بالكذب.

قال ابن عيينة رحمه الله تعالى: (كنا يوما عند جابر الجعفي في بيت فتكلم بكلام - يعني كذب - نظرنا إلى السقف فقلنا: الساعة يسقط علينا)، بسبب الكذب وأخذه بالكذب وينشر الكذب، وهذا الأثر أخرجه ابن حبان في «المجروحين»؛ بإسناد حسن.

وكذلك رأينا من أناس وسمعنا، يأخذون من المميعة في كلامهم على السلفيين عندنا بأنهم يوالون ويعادون على:صوم عرفة، وهذا من الكذب، وهذا الرجل يدعي العلم وينتسب إلى العلم، فأخذ هذا الكذب ونشره، فهذا وأمثاله يعتبر من المتروكين ومن المجروحين ممن يتلقن الكذب من حيث لا يعلم، فقام ينشر، وإلا هذا الأمر؛ أي: مسألة صوم يوم عرفة من المسائل الفقهية التي اختلف فيها أهل العلم، والسلفيون هنا لا يوالون ولا يعادون على ذلك، يبينون ولا يعادون على ذلك.

وهذا المدعي العلم يأخذ من المميعة وينشر، وهذا الكلام من كلامه بصوته في شريط، ويدعي بأننا نعادي ونوالي على ذلك، وهذا يتلقن -والعياذ بالله- فهذا لا يعتبر به.

ولذلك أهل الحديث لم يعتمدوا جرح المجروحين أو جرح المجروح كائنا من كان، أي: حتى لو كان من الحفاظ والأئمة، فهذا أبو الفتح محمد الأزدي، الحافظ صاحب تصانيف في علوم الحديث، مع ذلك لم يعتبروا بجرحه في الرجال لأنه لا يبالي ولا يجرح بجرح مفسر، ولأنه هو في نفسه مجروح ضعيف، بل جرح بعض الرجال وهم ثقات فلم يلتفتوا إلى جرحه وردوده.

قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في «ميزان الاعتدال» (ج1 ص5)؛ عن أبي الفتح الأزدي: (جرح خلقا بنفسه، لم يسبقه أحد إلى التكلم فيهم، وهو المتكلم فيه).

فيبين الذهبي بأن هو متكلم فيه وهو المتكلم فيه، فكيف يجرح أناس وهو مجروح؟ فلا يعتمد على جرحه، فلذلك الذهبي يبين بأن جرحه غير صحيح ولا يعتمد عليه لأنه مجروح ومتكلم فيه.

وقال الحافظ ابن حجر في «هدي الساري» (ص386)؛ عن أبي الفتح الأزدي: (لا عبرة بقول الأزدي لأنه ضعيف). فهكذا بين الحافظ بأنه لا يعتبر بجرحه لأنه مجروح، لا عبرة بقول الأزدي لأنه ضعيف، فالمجروح لا يعتد بجرحه كائنا من كان.

وقال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (ج11 ص303)؛ عن أبي الفتح الأزدي: (ضعفه كثير من الحفاظ من أهل زمانه، واتهموه بوضع الحديث)، وللأزدي كتاب «الجرح والتعديل في الضعفاء من رجال الحديث».

قال ابن حجر في «لسان الميزان» (ج5 ص139): (له كتاب كبير في الضعفاء عليه فيه مؤاخذات). فلا يعتمد عليه، ولا يعتمد على جرحه، فالمجروح لا يعتمد على جرحه.

ولذلك أهل الحديث لم يأخذوا ولم يعتمدوا في دين الله على أناس، لأن هذا الأمر دين فلابد أن تأخذوا على العدول، وإلا على العبد المسئولية يوم القيامة.

فقال معن بن عيسى ومحمد بن صدقة نقلا عن الإمام مالك رحمه الله تعالى قوله: لا يؤخذ العلم من أربعة: لا يؤخذ من سفيه معلن السفه وإن كان أروى الناس أي: أروى الناس فالسفيه كالوعاظ أصحاب الأحاديث الضعيفة والقصص الموضوعة فهؤلاء سفهاء يعلنون السفه وإن كان عندهم بيان فلا نأخذ عنهم العلم والدين، ثم قال: ولا من كذاب يكذب في حديث الناس، فالكذاب لا يؤخذ بقوله، وإن كنت لا أتهمه بكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن صاحب هوى يدعو إلى هواه، فدعاة الباطل لا نأخذ منهم شيئا لأنهم دعاة إلى أهوائهم، ثم يقول: ومن شيخ له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث.

فحتى لو كان شيخ وله فضل وصلاح وعبادة، لكنه ما يعرف ما يحدث به، ويلقن ويأخذ أي شيء وينشر أي شيء، ويحدث بالأحاديث الضعيفة ولا يبالي، فهذا لا يؤخذ عنه. وهذا الأثر أثر صحيح، أخرجه ابن ناصر الدين في «إتحاف السالك»، وكذلك ابن عبد البر في «جامع بيان العلم»؛ بإسناد صحيح.

ثم في زيادة لهذا الأثر يقول بعد ذلك: ما أدري ما هذا، وهو قول مطرف، ما أدري ما هذا ولكني أشهد على مالك سمعته يقول: لقد أدركت بهذا البلد مشيخة من أهل فضل وصلاح يحدثون ما سمعت من واحد منهم حديثا قط. قيل: لم يا أبا عبد الله؟ قال: لا يعرفون ما يحدثون.

فالذي يرمي الكلام هكذا ولا يتثبت ويكثر خطؤه، ويتلفظ على الله بألفاظ لم تثبت لا بالكتاب والسنة بمخالفات، ويتلفظ على الرسول وعلى الصحابة، ويخل في مسائل الإيمان وبأصول الدين، ويتشكك في صفات الله سبحانه وتعالى، فهذا لا يعرف ما يحدث به، فلا يؤخذ عنه الدين لأن الأمر دين.

ولذلك هؤلاء رؤوس البدع يحدثون بأمور كثيرة، كالقرضاوي مثلا، فهذا لا يعتد بقوله ولا بأفعاله، فهو لا يعرف ما يحدث به، يأتي بأمور ومنكرات ومخالفات.

ومع هذا، الإمام مالك أدرك مشيخة أعظم من هؤلاء بكثير، وأهل فضل وصلاح، لكن لا يعرفون ما يحدثون، فلم يأخذ الإمام مالك عنهم شيئا. هكذا كان السلف حذرين، خائفين على دينهم وعلى أنفسهم أن ينحرفوا. أما في هذا الزمان فالانحراف كثير، لماذا؟

لأنهم لم يهتموا بأنفسهم ولم يحافظوا على دينهم، فيأخذون من هب ودب، ويحسنون الظن في أناس حتى لو تبين لهم أمرهم من الأخطاء العظيمة في الأصول والفروع، مع هذا يأخذون عنهم ويدافعون عنهم، فضل هؤلاء بسبب أنهم لم يهتموا بأنفسهم.

وهنا أثر كذلك يبين هذا الأمر جيدا، وهو قول معن بن عيسى، يقول: قلت لمالك بن أنس: (يا أبا عبد الله، كيف لم تكتب عن الناس وقد أدركتهم متوافرين؟ قال: أدركتهم متوافرين، ولكن لا أكتب إلا عن رجل يعرف ما يخرج من رأسه). وهذا الأثر أخرجه ابن ناصر الدين في «إتحاف السالك»؛ بإسناد حسن.

فلذلك في أناس يتكلم بكلام لا يعرف ماذا يخرج من رأسه، فهذا لا يؤخذ منه.

ولذلك الإمام مالك يقول: (وإن أدركت هؤلاء لم أكتب عنهم، لأنني لا أكتب إلا عن رجل يعرف ما يخرج من رأسه).

وما أكثر هؤلاء الذين لا يعرفون في هذا الزمان ما يخرج من رؤوسهم، فهؤلاء لا نأخذ عنهم، ولم يعرفوا الرجوع ولا التوبة عن الأخطاء، فهؤلاء أصحاب أهواء فلا نأخذ عنهم ذلك.

فهذا الأمر عند السلف واضح، لأنهم اهتموا بدينهم واهتموا بأنفسهم وابتعدوا عن الباطل، فبقوا على السنة ووفقهم الله سبحانه وتعالى بذلك وماتوا عليها. فعلى الناس أن يقتدوا بهؤلاء، ولا يأخذون دينهم من أهل الانحراف ومن أهل البدع ومن المجروحين.

ويكثر عند الناس الانحراف بسبب أن هؤلاء يأخذون من أي إنسان وبأي كلام وبأي منهج.

فعلينا نحن أن نقتدي بأهل السنة والجماعة وبالسلف، ولا نعين لنا شخصا فنأخذ منه، فهذا من التعصب، لكن نجعل لنا جميع العلماء لنا جادة من القدماء ومن المعاصرين، ونأخذ من الجميع ونلتزم مع الجميع ونقتدي بالجميع لأنهم كلهم علماء، وخاصة السلف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، فنأخذ من هؤلاء ولا نجعل لنا شخصا معينا، إن استقام استقمنا وإن انحرف انحرفنا، فهذه هي الطامة الكبرى التي يسقط فيها الناس -والعياذ بالله-.

فلذلك نجعل الجميع لنا جادة، والذي جعل جميع العلماء من السلف ومن بعدهم إلى يومنا هذا له جادة بقي على السنة وبقي على العلم وعلى بصيرة في الدعوة إلى الله، ومن ترك هذا المنهج انحرف. والشخص إذا جعل له شخصا معينا يأخذ منه الخطأ والصواب، فهذا يضل بسرعة -والعياذ بالله-.

فإذا: تبين لنا بأن من منهج السلف بأن المجروح لا يعتد بجرحه، وعلى ذلك علينا بالعدول في جرحهم، والعدول في تعديلهم لكي ننضبط بالمنهج السلفي إلى أن نموت.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

ﭑ ﭑ ﭑ

 


جميع الحقوق محفوظة لموقع الشبكة الأثرية
Powered By Emcan